صلاح شعيبتعلمنا كثيرا من مدرسة هاشم صديق. ولا يوجد في جيلنا، والجيل الذي سبقنا، على وجه التحديد، من لم يتعلم منه. فهو إذن أستاذ أجيال في مجالات الشعر، والدراما، والإخراج، والنقد، والمسرح. لا أعرف رجلا من جيله وطن إبداع الحداثة في هذه المجالات مثله.

قد تتمايز إسهامات زملائه. ولكنه سيظل صوتا متفردا وسط جيله الذي شارف على بلوغ العقد السابع. ما يميزالأستاذ هاشم صديق عنهم هو عامل الاستمرارية في العطاء داخل الوطن الذي أحبه، والقبض على جمر النضال بالكلمة، والصبر على الاستهداف المتواصل لشخصه من سلطات ثقافية، وسياسية. ولكن الأهم من كل هذا هو أن هاشما قادنا إلى الارتباط بقضايا الوطن من خلال نافذة الإبداع الملتزم. وفي هذا المجال يبز أقرانه بأنه منذ أن كان طالبا قد اختار الوطن حبيبة يجلها بكثير وفاء، فيما اختار آخرون من زملائه الوطن غنيمة يسترزقون منها بغير هوادة.
كنت محظوظا حين سكنت بجواره في النصف الأول من الثمانينات. فقد ضمنا حي بانت الذي يعج بالرياضة، والفن، والسياسيين، والتنوع الإثني. وبانت لمن لا يعرفون تمثل واحدة من معاقل الشيوعيين، والإنقلابيين معا. هناك تجد شيخ الشيوعيين النبيل أستاذنا حسن شمت، والأستاذ ميرغني حسن علي، وقريب منهما يسكن د. هشام الفيل، وهما من أنبل من لاقيت في العمل العام. لقد كان يشجعني العم شمت حين صرت صحافيا، وموردابيا، من غير تعصب خلافا لما هو عليه حال الأستاذ أزهري عثمان خال هاشم صديق، والذي أخذني إليه ذات عصر. مثلما يسكن هاشم في الضفة الشرقية لبانت ضمتنا الضفة الغربية، حيث هناك كنا نلهو عبر فريق المجد لكرة القدم قبل أن نعرفه. ولاحقا حينما ارتبط وجداننا بمصطفى وعركي تعرفت عليه. أتذكر أنني جئته يوما بعد أن شغلتني حاجة. رحت أحاول استدراجه لفهم مضامين نص “حاجة فيك”. ضحك أولا. ولكنه شرح لي كيف أن قصيدته لا تشرح. تساءلت في نفسي: كيف تفسير الشرح بالشرح هذا؟.
واصلت إصراري الذي جعل أخيه الدكتور حسن يتدخل: “يا هاشم ياخي وضح ليهو ولو شئ بسيط..”، ولكنه راح يشرح أكثر أهمية صمت الشاعر أمام منتجه، وأن المتلقي هو الذي يفسرها كما يشاء. بتلك السذاجة المعرفية كان مدخلي معه، وقد خرجت منه وفي ذهني كل محاججته التي تعقلت منها القليل بينما شغلتني مصطلحات ثقافية لم يكن ذهني ليستوعبها. ولعل مدخل هذه العلاقة مع هاشم مشابه لمدخل علاقتي بمصطفى سيد أحمد. فقد التقيته عبر حوار صحافي ذات يوم. لاحظت أنه كلما أسأله يسرح لدقائق ثم يجيب بتمليتي بلغة عربية فصحى. لقد حيرني الفنان، ولحظت فيه ثراءً موحيا في ثقافته. فالفنانون الذين كنت أحاورهم قبله كانوا يردون على أسئلتي بسرعة شديدة، وبدون تركيز في سياق الإجابة. بعد الحوار أخذت أفتشه أكثر. وحينما لم نتفق على رأي كان قد طرحه سألني، وكان أمامه كوب شاي ممتلئ حتى نصفه. جاءت صيغة السؤال في محاولة لإقناع سذاجتي فقال: “..هل الأفضل تقول الكباية دي نصها فاضي، ولا نصها مليان. فرديت بالقول: “الاتنين مش يفرق يا أستاذ”. قال لي لا يا صحفي يا شاطر، الإيجابي إنو تقول الكباية دي نصها مليان، لأنو فيها كيمياء، وهو الشاي. وأضاف: لازم تكون إيجابي أمام الأشياء، وتديها مقامها. وهكذا أسقط في يدي، وخرجت منه لا ألوي على شئ، إلا غضاضة ذهني.
منذ ذلك اليوم ظل منزل أسرة هاشم ملاذا لنا. فإن لم نأت إليه أتينا إلى خاله أزهري الذي نتفاكر حول شؤون موردابية. ولا يمر أسبوع إلا وجلسنا تحت ظل نيمته الذي ينعكس ليلا على فضاء فسحة المنزل التي كم شهدت مئات الجلسات الأدبية والثقافية المفتوحة التي تماثل ندوة الأربعاء التي يعقدها الأستاذ عبد الله حامد الأمين في منزله بأمدرمان. وما يميز مجلس هاشم أنه كان ينعقد بلا سابق ميعاد. كل يوم هو مع زواره الكثر الذي يهرعون إليه من كل جيل، وطائفة، وذوق، وجنس، بعد صلاة المغرب. وهاشم لا تعرفه إلا إن صادقته، أو كنت قريبا منه. إنه أنيس، وكريم، وحميم، بأصحابه، وتلامذته. ولكن حدته تتزمجر حين يرى الخطأ أيا كان نوعه. وربما من خلال مواقفه التي لا تلين أمام الخطأ فهمه الكثيرون بغير ما ينبغي أن يفهم. 
-2-
في ذلك البيت تجد أبناء جيله أبو عركي البخيت، كمال الجزولي، كمال حسن بخيت، وسعد يوسف، ومكي سنادة، وعثمان جمال الدين، ود. طلال عبد العزيز، ومحجوب شريف، وإسماعيل الأعيسر، ويحيي فضل الله، والصادق الرضي، وعادل سعد، وعبد الباقي خالد عبيد، والزبير سعيد، وعلاء الدين سنهوري، وعلي مهدي، وعادل الباز، وأمين مبارك التوم، ومحمد عكاشة، وبدر الدين عجاج، والراحل محجوب محمد أحمد، وغيرهم كثير. ما أن تدلهم الأمور على كل هؤلاء النفر، أو أصيبوا بفراغ روحي، إلا وذهبوا إلى مجلس هاشم صديق المفتوح على مصراعيه لمن يعرفهم ومن لا يعرفهم. هناك تعرفنا على الكثيرين، وتجادلنا حول كل ما له علاقة بالأدب. أحيانا يصمت هاشم وهو يتابع مسار النقاش، ولا يتدخل إلا ليضبطه، وأحيانا يوجهنا، وإذا خلص من قصيدة قرأها لنا. وهاشم صاحب طرفة، ويضحك مثل الطفل الصغير حين تعجبه النكتة، ويهتم بمعرفة الوجوه الجديدة التي تأتي في رفقتنا. 
والحقيقة أن هاشم صديق عصامي بدرجة أولى. وثقافته تشكلت خارج السياقات الأكاديمية إذا وضعنا في الاعتبار أنه تميز، وعرف إبداعيا قبل دخوله الحرم الجامعي. فقد أبان قدرة متميزة في كتابة الشعر في منتصف الستينات، ولم يكن المعهد حينذاك قد افتتح. ومثلت قصيدة الملحمة فتحا جديدا في ارتباط الشعر والأغنية بالقضية الوطنية. إذ أرخت الملحمة لثورة أكتوبر، وفازت باستطلاع رأي وعُدت بأنها أغنية القرن من حيث مضمونها، وموازيرها الموسيقية، وتقديمها دراميا، ومشاركة أكثر من صوت غنائي فيها. ولعل التشجيع الذي وجده هاشم من الأستاذ عبد الماجد أبو حسبو وزير الثقافة آنذاك، حين كرمه مع الأستاذ محمد الأمين بجائزة الدولة التقديرية، وهو لما يكمل المرحلة الثانوية، كان له أثر طيب في تطوير قدراته لاحقا، وتفجير طاقاته الإبداعية. وكانت محطة الإبداع الثانية تمثلت في المسرح الذي ساهم في تحديثه بقدر وافر من الأفكار. ومن خلال إسهامه في الدراما الإذاعية كانت الباكورة قد تمثلت في “الحراز والمطر” ثم جاءت أعمال “قطر الهم” “والغريب والنهر”، وقد تفرد بمعالجته لمواضيعه بصورة لا توازيها إلا إبداعات حمدنا الله عبد القادر، والخاتم عبدالله. ولكن قمة نضوج هاشم تبلور في مسرحية “نبتة حبيبتي” والتي جعلت الرئيس النميري يشاهدها متخفيا كما أشيع آنذاك. في تلك المسرحية تمكن من توطين الحداثة في الثيمات المسرحية السودانية بشكل أعمق، ومثير للجدل. بل فتحت نبتة الباب أمام التجارب المسرحية التي تأثرت بحداثة التجربة إلى أن وصل الى مرحلة التجريب المسرحي المكثف من خلال أعمال خريجيه الجدد الذين انتظموا في محطة التلفزيون الأهلية، ولاحقا فرقة الأصدقاء، إلى فرق السديم، وكواتو، وشوف، ومسرح الرجل الواحد. والمجال الثالث في إسهام هاشم تمثل في دوره كواحد من الأكاديميين المميزين الذين خرجوا عددا من الأجيال عبر المعهد العالي للموسيقى والمسرح، وبينهم من العشرات الذين حصلوا على درجتي الماجستير والدكتوراة في المجال، وهناك من تحصل على درجة الأستاذية. بالاضافة لهذه المسارات الثلاثة نشط هاشم في الدراما الإذاعية التي عاد إليها في النصف الأول من التعسينات عبر “الغريب والنهر”، وفي الدراما التلفزيونية ساهم في تلك الفترة بانتاج “طائر الشفق الغريب”. مثلما قدم هاشم برنامج “دراما 90” الذي كان يحلل من خلاله الأعمال الدرامية السودانية، والعربية، والعالمية. بجانب ذلك عرف هاشم ككاتب مميز ذي مفردة عميقة وناقد متعمق استفادت منه الملاحق الثقافية، وكان يكتب العمود الصحفي الذي فيه يقدم معالجات معرفية ذي علاقة بالواقع المجتمعي. 
إن موهبة هاشم الشعرية، والمسرحية، تكتسب خصوصيتها من جانبين. حداثية الصورة الشعرية المكثفة بالتجريد، والتناول الدرامي المحدث، من جهة، والتلاحم بينه وقضايا الثورة السودانية الممتدة عبر الحقب التاريخية ما بعد الاستقلال، من الجهة الأخرى. على مستوى شعره العامي المغنى، وغير المغنى، استطاع شاعر “أذن الآذان” أن يكون متمايزا عن الجيل الذي سبقه، وكذلك على مستوى جيله. وربما يعود ذلك إلى المناخ الذي أحاط بطفولته والأفراد الذين كانوا من ضمن أساتذته، ومن بينهم أبو بكر خالد، والشاعر مبارك حسن خليفة. كما أن علاقته مع أبناء جيله محمد الأمين وأبو عركي البخيت، والتي انبنت منذ مرحلة الثانوية أثرت كثيرا فيه، لما كانا يحملان من قدرة التمرد على الصيغ الموسيقية والأدائية السائدة آنذاك. وليس هناك أجمل من ما قاله تلميذه المبدع يحيي فضل الله عن دوره في هذا المجال: “إنه الشاعر هاشم صديق، ذلك الذي حين انحدرت القصيدة الغنائية في السبعينات إلى حضيض الخيبة العاطفية، كان يصطاد كلماته تلك المضئية ويفتح بها مناطق غير مأهولة. يتحسس بأنامل عاطفته الشعرية تلك الابواب، و النوافذ، التي تطل علي ذلك الغناء العذب، تلك العذوبة التي لا تفتأ تحقق وجودها من خلال ذلك الانسجام بين المبني والمعني في القصيدة..”.
-3-
وبالنسبة لتعلق إبداعية هاشم صديق بآفاق الأزمة السودانية فإن عوامل مثل تأثير والده فيه، والمناخ السياسي آنذاك وارتباط هاشم بشخوص تقدميين من حوله في حي بانت، ساهمت في تخيره ذلك الاهتمام النبيل بحياة غمار الناس الذين ظلوا يعانون من شظف العيش، والبحث عن نظام سياسي يحقق أدنى متطلبات الحياة الكريمة. والمؤكد أن تلك المواقف ذات الصبغة السياسية والمبدئية الحادة حرمتنا من الكثير من أنتاج المبدع، خصوصا على مستوى الأكاديميا، وأجهزة الإعلام الرسمية والخاصة. فقد ابتعد هاشم من التدريس في كلية الموسيقى والمسرح بعد أن قدم استقالته عقب خلاف بينه والراحل أحمد عبد العال عميد الكلية آنذاك. وقد مر الآن عقدان منذ ذلك التاريخ، ولا شك أن الكلية التي كان فيها واحدا من أفضل أساتئدتها المؤهلين قد خشرت الكثير. وللأسف لم تسع جهة للتدخل بينه وإدارة الكلية لحل ذلك الخلاف وعودته للتدريس في الوقت الذي هاجر فيه عدد من أساتذتها. وما تزال الكلية بحاجة إلى خبراته ومعارفه الكثيرة التي لا بد أن الطلاب يتوقون للتعلم منها. وقد عبر عن أهميته الأكاديمية تلميذه الراحل محمد سليمان دخيل الله بقوله: ” كان الأستاذ هاشم صديق يدرسنا “دراسة وتحليل” وكيف نحلل نصوص وليك شكسبير، وهاملت، وكيف نفرق بين الذاتي والموضوعي، وطريقة البناء الدرامي. وهاشم هو من عرفنا بالمسرح السوداني منذ مسرح الجاليات مروراً بمسرح الأندية، وصولاً إلى المواسم المسرحية المنتظمة منذ عام 1967، كما درسنا التقمص، والمعايشة، أي معايشة الشخصية، وتحليلها بأبعادها الجسمانية، والنفسية. وله يرجع الفضل في تأسيس مكتبة المسرح السوداني، بتفكيره وجهده في جمع الوثائق وتسجيل الاشرطة لرواد الحركة المسرحية السودانية، كالعبادي وخالد أبو الروس، ومعظم العاملين الآن في الجامعات، والمسرح، والإذاعة، والتلفزيون، من خريجي المعهد العالي للموسيقى والدراما سابقا داخل وخارج السودان من عارفي فضله وعلمه..”
وإذ هو هكذا يُعد هاشم من الأساتذة الذين لا يحملون التخصص فحسب، وإنما يملك أدوات إبداعية أخرى ندر أن ملكها أحد في الكلية التي تعنى بشؤون الموسيقى والمسرح. وقد صقل تجربته الدراسية المسرحية بالالتحاق بكلية في بريطانيا التي تلقى فيها بعضا من المعارض المتصلة بمجال العمل الدرامي. ونتيجة لكل لهذا فقدنا تأثير كاتب، وناقد مميز، كان من الممكن أن يرفد الصحافة بمقالاته النقدية المعتبرة في وقت يقل فيه عدد الذين تخصصوا في الضرب المسرحي والدرامي. مثلما فقدنا نتيجة لطبيعة الأوضاع السياسية والثقافية محللا عميقا للدراما. خصوصا وأنه كان قد تمكن خلال الفترات القليلة التي فيها تعاون مع التلفزيون أن يتناول مختلف الأعمال الدرامية بصورة عميقة أضافت الكثير للمهتمين في المجال، والمتابعين لمنتجاته. 
تاريخ هاشم صديق يمثل بامتياز واحدة من حالات إهدارنا للموارد الثقافية المعطاءة. لا أدري كيف يكون غنى تراثه لو كان مصريا عاش في ذلك المناخ الذي منح المبدعين نسبيا فرصا عظيمة لمراكمة الأعمال الروائية، والأدبية، والسينمائية، والمسرحية. والحق لو أننا وفرنا له قليلا من التفرغ وكوفئ، بزهده العفيف، لتحصلنا على عشرات من المسرحيات المتطورة على شاكلة نبته حبيبتي، ومثيلها من حلقات الدراما الإذاعية، والآلاف من الحلقات التلفزيونية النقدية، ومثيلها من المقالات النقدية. والحقيقة أن مبدعنا السوداني لا يقل رصيدا عن أي مبدع آخر في هذه الدنيا. فلو وجد اعترافا بقدره لحول ثراء هذا التنوع الإثني إلى إلياذات إبداعية، ويكفي نجاح الطيب صالح والذي غطى إبداعة شريحة ضيقة من حيوات الناس في البلاد. ولكن يبدو أنه كتب للمبدعين أمثال هاشم الشقاء في بيئة يتسيدها أنصاف الموهوبين، والذي تفننوا في استنزاف قدرات المبدعين في الصراع، وشغلهم بالاهتمام المتواصل بالدفاع عن النفس أمام صور الابتزاز. ولعل روح هاشم الوثابة لتقديم المفيد عبر الأجهزة الرسمية انهزمت بثقل النزال وقوة التآمر. ولكن حساسيته الطليقة نجحت في أن تنتصر بإرادة شعره العاطفي الذي يواسيه، ويخلق الرزانة لعاطفة مجتمعه، فيما يعري بشعره السياسي مراحل من التآمر ضد المواطنين.