خالد فضل سياسة الهروب الى الأمام , ودفن الرؤوس للتعامي عن الواقع غير المرغوب فيه , يعتبر من الممارسات التي يلجأ إليها الإنسان عندما يعجز عن ايجاد الحلول للمعضلات التي تواجهه في دروب الحياة وشعابها المستمرة . 

وعلى مستوى الأفراد فإنّ الإكثار من تعاطي هذه الممارسة يشير الى وجود خلل واضطراب نفسي يتطلب مراجعة الطبيب والاختصاصي النفسي لزوم أخذ العلاج , أمّا عندما تكون هذه الممارسة هي السياسة الرسمية المعتمدة لإدارة الشأن العام وعلى أرفع مستوى كإدارة شؤون الحكم في البلد فإنّ الداء يكون أفدح أثرا والدواء أعزّ مطلبا , ولا دواء في هذه الحالة الا بتغيير شامل كامل لا يتوقف عند تغيير الأشخاص فحسب بل يشمل السياسات والبرامج والاستراتيجيات والخطط , وهذه هي بالضبط الحالة السودانية الراهنة .

  الآن تمارس سلطة الاسلاميين الطفيليين واحدة من ممارساتها المعتادة منذ سطوها على مقاليد السلطة والحكم قبل أكثر من ربع القرن , ساحة هذه الممارسة لسؤ الحظ إقليم دارفور مرة أخرى , مما يتطلب التوقف مليّا أمام هذه الممارسة , فقد احتلّ هذا الإقليم المنكوب الصدارة في المآسي السودانية المتلاحقة , فهو من حيث الخصائص الايجابية , من أكبر أقاليم السودان مساحة , ومن أخصبها أرضا , ومن أغناها مواردا , وفوق هذا وذاك من أثراها تنوعا وتعددا وثراءا إنسانيا وثقافيا واجتماعيا , تعيش على أرضه قبائل ومجموعات واثنيات متباينة , وتنظم مجتمعه مجموعة قيم وتقاليد متعددة وتلهج ألسنة الناس بلغات ولهجات متنوعة , ويتشارك جل سكان الإقليم تقريبا الإعتقاد الديني الإسلامي بمدارسه المختلفة من أنصار وختمية وطرق صوفية إلى أحزاب الأسلام السياسي من وهابية وإخوانجية وقاعدة وداعش وبوكو حرام , إلى جانب أحزاب وقوى يسارية وعلمانية , وهذه بالطبع من عوامل الثراء والإثراء . يمتلك الإقليم حدود دولية مفتوحة بدون عوائق طبيعية مع أربع دول مجاورة , وهذه ميزة . كما قامت على أرض الإقليم ممالك وسلطنات تاريخية , بل أستمرّت فيه الدولة مستقلة لقرون طويلة قبل ضمّه لممتلكات الخديوية في مصر كجزء من خارطة السودان الحديث في أخريات القرن التاسع عشر الميلادي , وفي أتون اندلاع الثورة المهدية كانت دارفور سبّاقة في ركب الثورة الشعبية العارمة التي تنادت لها القبائل والمجموعات السودانية بمن فيها المجموعات التي تقطن في المديريات الجنوبية سابقا ( حاليا تشكّل جمهورية جنوب السودان), كانت دارفور وإنسان دارفور من أوائل من استجابوا لدعوة التحرر الوطني المهدوية , ولا غرو أنْ صار أحد أبناء دارفور الخليفة الأول لقائد الثورة الإمام محمد أحمد المهدي , وبسابق الخبرة في الحكم وشؤونه نال أبناء دارفور أرفع المواقع في سلك الدولة السودانية المستقلة الأولى منذ أكثر من قرن من الآن ,وعندما خضعت بقية أنحاء السودان للاستعمار الانجليزي المصري مجددا بانهيار الدولة المهدية ومصرع الخليفة عبدالله بن محمد تورشين التعايشي , استقلت دارفور مجددا بسلطنتها التي رأسها علي دينار ؛ سليل الفور حتى قرب انقضاء الثلث الأول من القرن العشرين , ليتم غزوها وضمها عنوة الى الحكم الاستعماري في العام 1917م.

   منذ بداية عقد الثمانينات من القرن الماضي بدأت أوضاع دارفور في التدهور , تحالفت عوامل الطبيعة من جفاف وتصحر الى عوامل الصراعات الإقليمية بين تشاد وليبيا والسودان في بذر بذور المأساة , نزح مئات الآلاف من الناس من قراهم وديارهم وحواكيرهم , وتدفق السلاح والمليشيات عبر الحدود المفتوحة والتداخل والامتدادات السكانية خاصة بين دارفور وتشاد , قابل ذلك وجود سلطة ديكتاتورية كانت تترنح في تلك الأوقات وتتخبط كطبيعة السلطات الاستبدادية , لتنهار سلطة مايو وتعقبها (الهدنة الديمقراطية ) القصيرة التي لم تبلغ عمر إكمال دورة برلمانية واحدة مدتها أربع سنوات , لتنهال على الوطن كلّه سلطة الجبهة الإسلامية ذات الطبيعة الانتقامية , وذات الوجهة الأممية والرؤية الهلامية , والتي لم يتجذّر في وعي منتسبيها مفهوم الوطن بعد , فالإسلام هو الوطن كما تقول أدبياتهم المبثوثة وممارساتهم الملموسة , لذا لم يكن متصورا في الأساس معالجة ما طرأ على قضايا في دارفور وفي غير دارفور من أنحاء الوطن , فالخطة والفكرة والممارسة واحدة في كل الأحوال , الهروب الى الأمام ودفن الرؤوس في الرمال والتغني بخلّب الآمال !!

   بزعم الإنقاذ دخل الوطن الى زنازين الاسلاميين , ودخلت دارفور في دورة الوجه السالب بقوة , بدأت سياسات الإنقاذ وخططها تزيد مستصغر الشرر بقدحه كل حين بتدبير ومكيدة , سرعان ما تفتت التماسك الاجتماعي وتضعف الدور التقليدي المحافظ على وشائج الصلات بين مكونات الإقليم لقد بدأت ممارسات فرّق تسد , ومحاباة بعض المجموعات وضرب تلك بالأخرى وتفتيت الإدارات الأهلية وتنصيب الموالين الانتهازيين الذين يتبعون شياطين الاسلاميين , ويحاكون ممارساتهم بطبيعتها العنصرية والإقصائية والعدوانية , وبدأ حريق دارفور وما يزال , وصارت أرض دارفور في المشهد السوداني هي البقعة التي شهدت وما تزال , جرائم الحرب , والإبادة , والتطهير العرقي , واستخدام سلاح الإغتصاب كأسوأ أنواع الأسلحة ضد الكرامة الإنسانية , دخلت دارفور  الى جميع لغات العالم , وصارت مأساتها على شاشات البث اليومي لآلاف الفضائيات , وأخبار مأساتها مادة طازجة بين كل وكالات الأنباء من أقصاه الى أقصاه , وصور المخيمات تنتشر مكونة مستعمرات سكنية بائسة تملأ الشاشات صباح مساء , وتنهض الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي , وتهبُّ منظمات ووكالات الإغاثة من كل فجاج الأرض لإغاثة المنكوبين والمطرودين والمهجرين والنازحين واللاجئين والأرامل والأيتام والمعاقين والمشردين والتائهين في الفيافي وينهض إعلام دعاية الاسلاميين , وألسنة كذبهم الفاضح , وترتجّ أصقاع الدنيا وتعتكر الضمائر الانسانية بطول العالم وعرضه الا همو   !  المتفلتين , قُطّاع الطرق , المرتزقة , مخالب القط , ربائب الصهيونية , أتباع الامبريالية , زبائن الفنادق , سدنة اليهود , مواليّ النصارى , ….. إلخ إلخ مما سمعه وقرأه وشاهده كل العالم من صفات وبيانات ومسيرات ومايكرفونات وخطابات , في وصف ما جرى وما يجري , لا شئ في الواقع تملكه سلطة الاسلاميين الانتهازيين سوى دفن الرؤوس في الرمال وعورتهم بائنة , وتنعقد جلسات مجلس الأمن لبحث أمر النزاع ( حول ناقة وبعير )  أشعل 4000ألف قرية بنار الانتقام والجنجويد,  وتجئ بعثة التحقيق الدولية تتطابق خلاصاتها مع تلك الوطنية التى أنشأها زعيم النظام لمّا صار الصمت غير ممكن , وتجئ المحكمة الجنائية الدولية بلائحة الإتهام , ومزيدا من الهروب الى الأمام ودفن الرؤوس في الرمال , طرد منظمات الإغاثة , اطلاق يد الجنجويد بعد تغيير العنوان , جلب المزيد من الأجانب لفرض الأمر الواقع في المواقع التي أجبر أهلها على الفرار طلبا للنجاة ولا نجاة , ففي قلب الخرطوم وفي سوح الجامعات يتعرض أبناء دارفور للإغتيال وتتعرض الطالبات للإذلال والإحتقار , ويتحول المدعي العام للمحكمة الجنائية أوكامبو الى بعبع يلاحق الرئيس وثلة من المتهمين من طاقم سلطته , وفي ممارسات الهروب يقال إنّ أوكامبو يستقصد القادة الأفارقة , بالله ! ومن أبادتهم فيالق الجنجويد وشوتهم قنابل الأنتينوف أ هم من ( الجنس الآري؟), ثم يقال إنّه ذراع امبريالي وووو إلى آخره . الشاهد أنّ المأساة مستمرة ومتفاقمة ومتشعبة وعويصة , ومطلوبات الحل عسيرة على المجرمين , فمطلوبات الحل شملت ضمن ما شملت تشكيل محكمة افريقية هجين ,  وانزال عشرات الآلاف من القوات المسلحة تحت قبعات الأمم المتحدة _ تحايلا_ أًلحق بها الإتحاد الإفريقي , تطلبت , عمل ثابت ودائم لثابو مبيكي وطاقم معاونيه , تطلّبت عشرات القرارات من الأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان , ومئات بل آلاف الفعاليات المدنية , والإجراءات القضائية , والإعتذارات الدبلوماسية , ومنع الرحلات الرئاسية , والهروب من الإجتماعات القارية , وتحريم المنتديات العالمية , ومع ذلك , تستمع وتشاهد وتقرأ (اكتمال الاستعدادات , وتسجيل  الناخبين للمشاركة في استفتاء , يقال إنّ نصا من نصوص صفقة الدوحة قد تحدّث عنه , ويا له من وفاء وإلتزام بنصوص وروح الإتفاقات , وكأنّما الشعب (تسيل ريالته) , فلماذا لم يتم الوفاء بنصوص الإتفاق الأخرى ؟ أين العودة للقرى , والتعويضات الفردية والجماعية ؟ أين نزع سلاح المليشيات والجنجويد ؟ أين إعادة الأرض السليبة لأهلها وإعادة المستجلبين الى مناطقهم التي منها أستجلبوا , أين إجراءات العدالة والمحاسبة التي طالت كبار المتهمين قبل صغارهم ؟ أين وأين السلام الذي يعم أرجاء دارفور فيستفتى أهلها إن كانوا يريدون استحداث مستوى رابع للحكم كجهاز تنسيقي بين الولايات والسلطة المركزية أو الإستمرار بالوضع الذي قررته الإنقاذ ونفذّته دون مشورة أو إستفتاء أهل دارفور ؟ كما أوضح د. جبريل إبراهيم في مقال له منشور قبل أيام, دارفور ليست في عجلة من أمر الإستفتاء ولكنها في أمسّ الحاجة لحقن الدماء , لوقف الحرب , لردع المليشيات والجنجويد , لبعث الأمل في نفوس أهلها بإمكان العيش العادي المطمئن , فهل يحقق الإستفتاء هذا ؟ هل ستتوقف المأساة إذا صوّتت المليشيات , لصالح خيار المؤتمر الوطني ؟ أم دفن الرؤوس في الرمال والهروب الى الأمام هو التدبير ؟