عبد الله الشيخ  الموت علامة فارقة في حياة البشر..قد ينتهي العزاء، أو لا ينتهي بمراسم الدفن..أمّا العِراك، فيتوقّف عند حدود العجز، حتى لا يصارع الأحياء جثث الموتى..! 

ينتهي العِراك، ويبقى تضاد المواقف..يبقى دفع الله الناس ببعضهم..

ليس في الموت شماتة..فكفى بالموت واعظاً..ثمة من لا يخطر عليه ظنّ الموت، من كثرة ما عرّض نفسه، بكافة الوسائل، لاشتهاءات الخلود..

ثمة من يحيا في هذه الدنيا بموت الآخرين..ولولا هذا اللّطف الخفي، لكانت أقدار الخلق في أيادي العابثين..ثمة من يبطش مغترّا، بينما الدائرة تظل في دورانها، على العدو وللصّليح.. لولا أنه ــ سبحانه ــ الذي أعطى كل شيئ خلقه، لما أبقى المتمكنون، من رِقاب الآخر،”نفاخ النار”..!

 لولا ارادته القصوى، لما استبقى القائمون عليها أحداً..

يقتل القتلة ضحاياهم، وتشرب الارض المِداد ،مثلما تحتضن ــ بعد حين ــ جثث القتلة..وحين تشاء المشيئة، تُنبِت عهداً جديداً،فوق القديم.. و لا تعرف ــ أنت ولا أنا ــ ما يدور في خلد الإله.

الموت بداية حياة..البداية تشبه النهاية ولا تشبهها،،والتكرار ممتنعٌ في التوحيد..ثمة من يموت، لكنّه يبقى ــ يحيا ــ بأفعاله ومواقفه..وثمة من عاش ويعيش،يحمل أثفالاً تنوء عنها الجبال.

آخرتا كوم تُراب.. لا يبقى إلا السيرة وحسن السريرة.. يبقى احترام الانسان..الانسان الذي كرمه رب العزة، لا نجرحه ولا نستخف به، ولا نذدريه، ناهيك عن قهره، تعذيبه ،نفيه، وقتله.

كل ابن آدم، يوما علي آلة جدباء محمول..كلهم يمضي إلى اليوم الموعود.. من سبّل روحه رخيصة من أجل الحق ، ومن حماها في البروج المشيّدة..من فجّر الخصومات واستولى على الحكومات..من فصل الجنوب، واستخرج الكنوز..من حكم أو حُكم عليه..الكل محكوم عليه بالاعدام، فما هي إلا مسألة وقت، لا أكثر.

بالأمس رحل الترابي،عليه رحمة الله.. كان أطول السياسيين عمراً،  بيد أن الوقت لم يسعفه ليقول كلمته الأخيرة..عاش 84 عاماً، وتحدّث  في حياته الدنيا بأكثر من لغة ولسان..قبض على الدولة خلال عهدين ــ عهد النميري وعهده الشخصي ــ الانقاذ ـــ لكنّه لم يطبّق شريعته التي نوّه بها كثيراً، ولا أصدر حكمه النهائي كفقيه دستوري،أو كراعية حوار..

رحل الترابي بأسراره، رغم أنه كان من كبار وأوائل المتحدّثين..!

لا جدال في أنه كان ذكياً، لكن تفترق الآراء، عند استخداماته لذاك الذكاء..لقد بنى تنظيماً قامعاً، وألف كتباً عديدة، وحكم البلاد بشتى الوسائل ــ حكمها مباشرة، وبالاشارة، ومن وراء الكواليس…. فرض مشيئتة على الناس، لكنه ــ مشكوراً ـــ لم يفرض عليهم توريث أبناءه..أورث السودان للتفتيت، أجاع أهله وشرّدهم في الآفاق..حطّ من قدر السودانيين بين أجناس الارض..أطلق أيادي حوارييه في قتلهم وتعذيبهم..لكنه في لحظة ما، أفصح عن بعض الحقيقة.

التاريخ كتاب حافل .. للطغاة والجلادون نصيبهم  من الذكري، مثلهم مثل العلماء والحكماء ومناصري الحقوق..وللضحايا أيضاً نصيبهم من الذكريات..شهداء رمضان، وضحايا بيوت الاشباح، المعُذبين ، المغتصبين، والّشقايا، ضحايا حروب الهامش..

برحيل الترابي يقف التنظيم غريب الاطوار عند المفترق..إما أن يتلاشى تنظيم الشعبيين هباءاً، أو يهبط صاغراً للانقياد تحت إمرة الرئيس..ففي ذلك خير،وكفي الله المؤمنين القتال.

يحفظ التاريخ للترابي أنه كان حريصاً، على اسماع ضحكاته للرعايا وللضحايا..!

يحفظ له التاريخ، أنّه غيّر ملامح النيل والمدائن ، وخرائط الساكنين،، لكنه نَسِيّ تشييد جدار تنموي أو خدمي وحيد، يُنسب إليه..! قال الراوي:ـ

“الدَينْ مَا بْيَحِلّ لُو دَينْ ** واللِّيدْ إنْ خِلَتْ قَطْ مَا بْتَنُومْ العَينْ ** أمر الله انْ حَصَلْ مَا بْيَنْفَعْ التّحْصِينْ ** والموتْ مِي شَمِتْ، يَاخدْ السّمِحْ والشّينْ”..!