عيسى إبراهيم * * أذاعت قناة السودان التلفزيونية القومية، يوم السبت الماضي الخامس من مارس 2016، بعيد الساعة السادسة مساء بقليل، نبأ انتقال الدكتور حسن عبدالله الترابي إلى رحمة مولاه،

“كارزما” الحركة الاسلامية منذ ستينات القرن الماضي، وزعيم حزب المؤتمر الشعبي بعد انشقاقهم من المؤتمر الوطني، وذكر الخبر أن أزمة قلبية كانت داهمته في مكتبه في الصباح الباكر، حيث تم نقله إلى مستشفى “رويال كير”، في حالة حرجة، فانتقل اثرها إلى بارئه الرحيم الكريم، مغادراً دنيانا الفانية إلى الواسع العليم الحليم، له الرحمة والمغفرة والقبول في الزمرة الناجية بإذن الله!، ونتقدم بمواساتنا وعزاءاتنا إلى أسرته الصغيرة زوجته وبناته وأبنائه، وإلى اسرته الكبيرة في أصقاع السودان المختلفة من بقي على دربه ومن غادره، “إنا لله وإنا إليه راجعون”..

* لعل ما يميز فقيدنا الترابي (يرحمه الله رحمة واسعة)، ويرفع من قدره، احساسه المبكر بوجود اشكالية تجابه الفكر الاسلامي المعاصر في حركته للمواءمة بين التراث والمعاصرة، وهذه الاشكالية شكلت وما زالت تشكل مأزقاً لحركة الفكر والمفكرين من طبقة الاسلاميين في راهننا المعاش، يقول د. الترابي في توضيح هذه الجزئية من الاشكالية: “إن القضايا التي تجابهنا في مجتمع المسلمين اليوم إنما هي قضايا سياسية شرعية عامة، أكثر منها قضايا خاصة، والذي عُطِّل من الدين – في رأي الترابي – أكثره يتصل بالقضايا العامة والواجبات الكفائية، أما قضايا العبادات الشعائرية والأحوال الشخصية، فالفقه فيها كثير والذي يحفظه المسلمون في هذه القضايا متوفر بصورة كبيرة ومتداول بينهم، يقول الترابي: “أما قضايا (الحكم ) والاقتصاد وقضايا العلاقات الخارجية مثلاً فهي معطلة لديهم ومغفول عنها، وإلى مثل تلك المشكلات ينبغي أن يتجه همنا الأكبر في تصور الأصول الفقهية واستنباط الأحكام الفرعية، ففي مجالها تواجهنا المشكلات والتحديات والأساليب المحرجة” (المصدر: عبد الحليم عويس- دكتور  الفقة الاسلامي بين التطور والثبات- كتاب الشرق الأوسط – الطبعة الأولى 89- ص 116، مخطوطة كتاب النبي المصطفى المعصوم بين دعاوى التجديد ودواعي التطوير – عيسى إبراهيم)..

* انصب اهتمام الأستاذ محمود محمد طه، في مجال تطوير التشريع الاسلامي والانتقال من نص فرعي خدم غرضه حتى استنفده في قرآن الفروع، إلى نص أصلي في قرآن الأصول مدخر لحياة الناس اليوم، بالتطوير في مجالات السياسة (الانتقال من الشورى إلى الديمقراطية)، وفي مجالات الاقتصاد (الانتقال من الرأسمالية الملطفة إلى الاشتراكية)، وفي مجالات الاجتماع (الانتقال إلى مساواة المرأة بالرجل والانتقال من مصطلح ذمي ومسلم إلى مصطلح المواطنة والمساواة التامة بين المواطنين في رحاب الوطن الواحد)!..

* المشكل عند الترابي هي قضية المنهج الذي يزاوج بين القديم والحديث أو بين التراث والمعاصرة أو بين الثابت المطلق والنسبي المتحول أو بين الحق الأزلي والقدر الزمني، فالحاجة للتجديد (عنده) تستدعي منهجاً جذرياً، يجدد نظم الحياة الدينية الى مدى مقدر، وأولى المشكلات التي تواجه هذا المنهج الغائب هي العنصر التاريخي أو الزمني في الدين، ويؤكد الترابي وجود العنصر الزمني أو التاريخي فيقول:

1- قد يتوهم بعض المتدينين أن الدين من حيث تعلقه بالله القديم الباقي لا يخضع في شئ لأحوال الزمن وأطواره ولا نتصور فيه مفارقة بين قديم وجديد من ما نعالجه بالتجديد.

2- يعتقد الترابي ان “الشرائع توالت متناسخة متجددة عبر الزمن في بعض أحكامها لا لتبين خطأ في الشرع فالبداء مستحيل في حق الله، وانما تقع الحركة في شرع الله حين يكون الحكم الأول حقاً للزمن المخصوص والظرف المعين لا حقاً أزلياً” معنى ذلك أن الشرائع تتناسخ في بعض أحكامها استجابة لحاجة النسبي المتحول أو القدر الزمني أو الحداثة أو المعاصرة.

3- يستمر الترابي في تأكيد العنصر الزمني فيقول: “ما يكون لشريعة الله بالطبع أن تنسخ إلا بوحي منه متجدد فاذا جاء أجلها بعث رسولاً جديداً  – هكذا في الأصل – ونزل وحي عاقب لتبديل ما أحل الله أو حرم لظرف محدود في أمة خالية.

4- تتوالى الشرائع ـ عند الترابي ـ متحركة مع تقادم الزمن بوحي جديد لا ينسخ القديم انما يبعثه بعد نسيان ويظهره بعد خفاء اصابه بعد تطاول العهد وتضييع المستحفظين أو تحريفهم فتأتي الرسالة مصدقة لما بين يديها لتحيي موات الدين أو مصدقة ومهيمنة لتحيي شرع الدين وتكيفه لتطوير جديد يقتضي تعبيراً عن حق الملة الثابت بصور تدين مشروعة غير وافية بمقصد العبادة لله بسبب تحول قاعدتها الظرفية (المصدر: حسن عبد الله  الترابي – دكتور – قضايا التجديد – نحو منهج اصولي – معهد البحوث والدراسات الاجتماعية – الطبعة الثانية 1995م –من صفحة 7 إلى صفحة 18).

* أكد كثير من منسوبي الحركة الاسلامية احتشاد الحركة بالحركيين وقلة ونزارة المفكرين بين جنباتها، من أولئك دكتور التجاني عبد القادر في مقالات نشرت بصحيفة الصحافي الدولي، وآخرهم هو المحبوب عبد السلام  حيث قال: “الحركات الاسلامية تعاني من أزمة مفكرين!!”، “الاسلاميون في السودان لم تكتمل عندهم شروط الكتلة التاريخية”، “الايدلوجية عند الحركات الاسلامية غير مكتملة”، (صحيفة ألوان – الجمعة 4 مارس 2016 – ص 3)..

* غادر الترابي “الفانية” إلى رحاب ربٍ كريم معطاء غفَّار، وقد تشتت منسوبو الحركة الاسلامية في كيانات متفرقة و”كيمان كثيرة مختلفة”، بعد تجربة الاستيلاء على السلطة عن طريق انقلاب عسكري بقيادة عمر البشير في 30 يونيو 1989، حيث ذهب البشير إلى القصر رئيساً، وذهب الترابي إلى السجن حبيساً، ولعل تجربة الحكم (حكم السودان) على مدى أكثر من ربع قرن، واتهامات الفساد المتلاحقة، واحباطات الفشل من جراء السلطة التي هي لـ”الساق” والتي هي أيضاً قد تكون حققت لبعض منسوبي الحركة الاسلامية مالاً للـ “خناق”، هي ما جعلت الكيانات المتشعبة والكيمان المتفرقة تطغى على الساحة السياسية، “مجموعة غازي صلاح الدين “الاصلاح”، “ومجموعة د. الطيب زين العابدين “التغيير”، “ومجموعة سائحون”، “ومجموعة ود ابراهيم”، “ومجموعة امين بناني نيو “حزب العدالة”، وأفراد كثر “د. حسن مكي”، و”د. الأفندي”!..

* هل يمكن أن تكون وفاة د. الترابي نقطة تجميع للحركة الاسلامية المشتهاة كما السابق، لا أعتقد فهي نقطة عاطفية سرعان ما تفر عن الخلافات الفكرية التي مزقت نسيج الحركة الاسلامية ابتداءً من مذكرة العشرة مروراً بمفاصلات “99” وصولاً للكيمان الحالية، والكيانات المتفرقة، وأكبر دليل على ما نقول هو أن من خرج من عباءة المؤتمر الوطني سعى حثيثاً لتكوين كيانه المنفرد؛ غازي العتباني ثم الطيب زين العابدين ثم أمين بناني نيو، ثم سائحون، ثم…!..

* بعض منسوبي الحركة الاسلامية والذين نافحوا ودافعوا كثيراً عن أفكار الترابي التجديدية من أمثال محمد وقيع الله مؤلف كتاب “التجديد الرأي والرأي الآخر” قد تنكروا له وقلبوا له ظهر المجن، وتحولوا إلى “وهابية” بتأثير من ذهب المعز، بل هاجمه كثير منهم من أمثال محمد كمال رزق أحد أئمة جامع الخرطوم الكبير!، ومنهم من كفره وطالب بمحاكمته، ومنهم من كان أقرب إليه، وملازماً له، فلما حدث انشقاق الحركة الاسلامية في 1999 بين “قصر البشير” و”منشية الترابي”، لا نقول تنكروا له، وانما آثروا البقاء في السلطة من الانضمام إلى الحزب الشعبي الذي أنشأه د. الترابي، ومن هؤلاء د. مصطفى عثمان اسماعيل، ود. أمين حسن عمر..

* لسنا هنا بصدد تناول جهد المرحوم الدكتور الترابي في حركته المسترسلة لابتداع الحلول، والأسلوب الذي انتهجه لمعالجة اشكالية السياسة والاقتصاد التي شكلت مأزقاً لمنسوبي الاسلام السياسي في السودان، أو خارج السودان، وانما توخينا  متبعين لا مبتدعين أثر الحديث النبوي الكريم “أذكروا محاسن موتاكم”، وفي مقبلات الأيام قد تسنح الفرصة وقد نستطيع تناول هذا الجهد بشيئٍ من الجرح والتعديل يليق بفقيدنا، سائلين له الرحمة والمغفرة!..

 

* eisay@hotmail.com