التغيير : الخرطوم  * مشاهدات من المأتم : بعضهم قال للبشير: اتعظ بموت الشيخ *توقعات بانقسام الشعبي بسبب حدة التنافس على خلافة الترابي *هتافات "السائحين" سقت طريقها الى داخل الصالون

كان المشهد نادرا جدا: معظم قيادات الاسلامين النافذين في السودان  يقفون في صالون الراحل حسن الترابي لأداء واجب العزاء بعد مرور نحو ساعتين من وفاته اي حوالي الساعة الثامنة مساءا السبت الماضي ابتداءا بالرئيس عمر البشير ومرورا بعلي عثمان محمد طه ونافع علي نافع وإبراهيم السنوسي وكمال عمر وَعَبَد الرحيم محمد حسين ومحمد الامين خليفة وليس انتهاءا بقيادات الصف الثاني من الإسلاميين الذين يتقلدون مناصب كبيرة وحساسة في الدولة.

 

باختصار،  كل الإسلاميون الفاعلون في ذات الغرفة ترتفع انفاسهم وتتوزع نظراتهم فيما بينهم وهم يقرأون الفاتحة على روح عرابهم الاول الترابي. صحيح انهم يبدون في حالة حزن في محياهم وحتى بعضهم لم يستطع منع الدموع من الطفر من عينيه ولكن الصحيح ايضا انهم كانوا يفكرون كيف سيكون حال الإسلاميين في السودان بعد رحيل الأب الروحي وخاصة وان الهتافات الداوية التي كانت تأتي من الجموع الغفيرة خارج منزل الترابي ولا سيما من ” المجاهدين والسائحين” تشق طريقها وتصل الى داخل الصالون.  

كانت الهتافات تنادي بوحدة الإسلاميين وضرورة ترابطهم لكن هنالك اصوات اخرى هتفت في وجه الرئيس عند مدخل المنزل كانت تؤنبه وتحمله المسؤلية على شاكلة ” جاي بعد شنو .. ان شاء الله تتعظ من موت الشيخ”. 

 

مشهد اجتماع الإسلاميين من الوطني والشعبي بهذه الكثافة ، لم يتكرر بمثل هذه التفاصيل منذ المفاصلة الشهيرة التي وقعت بين حسن الترابي والرئيس الحالي عمر البشير في العام ١٩٩٩ واتجاه الاول لتكوين حزب المؤتمر الشعبي الذي اصبح من اكثر الاحزاب المعارضة لحكومة البشير شراسة لأوقات طويلة.

في صبيحة اليوم التالي ، وعند تشييع الترابي في مقابر بري اختلفت الصورة قليلا: لم يحضر البشير مراسم التشييع وفضل ان يسافر الي العاصمة الاندونيسية جاكرتا للمشاركة في احدى المؤتمرات وناب عنه نائبه حسبو عبد الرحمن.. حضرت الكثير من القيادات السياسية سواء من الإسلاميين او بقية الاحزاب السياسية الاخرى  وممثلين عن سفارات عربية وغربية والآلاف من المواطنين الذين حرصوا علي إلقاء النظرة الاخيرة على الرجل المثير للجدل.

كما غاب عن مراسم التشييع قادة الاخوان المسلمين في العالم العربي والإسلامي مثل يوسف القرضاوي وراشد الغنوشي وغيرهم . 

 

في مساء يوم وفاة الترابي اجتمعت قيادات الحزب بشكل عاجل وقررت تعيين نائب الامين العام ابراهيم السنوسي في منصب الترابي لفترة مؤقتة حتى موعد انعقاد مجلس شورى الحزب بحسب دستور الحزب.

ولكن تبقي  الاسئلة الأكثر الحاحا تطل برأسها بالرغم من حالة الحزن وتداخل المشاعر حاليا مثل كيف ستؤثر وفاة مؤسس الحزب على مستقبله؟ وهل هنالك قائد اخر يمكنه ان يحل محله؟ وكيف سيؤثر هذا الغياب على  وحدة الإسلاميين في السودان؟ و كيف سيؤثر علي وضعية حركة الاخوان المسلمين العالمية والإسلام السياسي عموما؟

ويجيب المحلل السياسي النور احمد النور علي بعض هذه الأسئلة بقوله ان حزب المؤتمر الشعبي لن يكون كما كان أثناء حياة الترابي وان وفاته ستؤثر سلبا على مستقبل الحزب. ويرى ان الترابي كان يمثل المرتكز الفكري/ المعارض للطرف الاخر من الإسلاميين وانه بوفاته فانه لا وجود لاي مرتكز فكري ” وبالتالي أتوقع ان يغادر الكثير من القيادات وقواعد المؤتمر الشعبي الحزب الى جهات اخرى من بينها حزب المؤتمر الوطني واخرون سيتجهون الي شؤونهم الخاصة ويتركون السياسة”. ويعتقد النور ان خلافة الترابي ستثير ازمة داخل اروقة الحزب بسبب عدم وجود البديل المعروف وارتفاع حدة التنافس بين الآخرين من القيادات ” في عهد الترابي لا يجرؤ احد على الترشح لمنصب الامين العام بالرغم من وجود الرغبة لدى البعض  والآن بات الباب مفتوحا للتنافس بين القيادات واعتقد ان التنافس سيكون حادا لدرجة التأثير على تماسك الحزب”.     

  

اما بالنسبة لتأثيرات غياب الترابي على وحدة الإسلاميين فيري الدكتور خالد عبد الرحمن  من جامعة بحري انه لن تكون هنالك حوجة لوحدة الإسلاميين خاصة لدى حزب المؤتمر الوطني الحاكم. ويشرح موقفه بالقول ” اعتقد ان اكبر المستفيدين هو الرئيس البشير الذي لن يجد صعوبات كبيرة في إقناع وإغراء قيادات الحزب الفاعلة بالانضمام الى المؤتمر الوطني  خاصة وان هنالك ارهاصات بدأت تظهر في العلن”. ويضيف عبد الرحمن الذي كان يعمل في احدي مراكز الدراسات الخاصة بالاسلاميين ان الحوار الوطني الذي يجري الان سيتأثر ايضا بوفاة الترابي الذي  كان من الأصوات العالية داخل الحوار ولديه طموحات حقيقية بالعودة الى الواجهة للحياة السياسية عبره وهذا كان واضحا من الأوراق والمقترحات التي قدمها عبر منسوبيه. والآن سيتحول الحوار الوطني الي حوار بين الوطني وبعض الانتهازيين الحقيقيين ولن يجد البشير اي معارضة في تنفيذ ما يريد”. 

 

 

حرصت دولة قطر التي مازالت تحتفظ بعلاقات مع الترابي و مع قيادات الاخوان المسلمين في العالم العربي والإسلامي على  إرسال وفد برئاسة وزير الأوقاف للمشاركة  في عزاء الراحل والذي قال انه يحمل تعازي دولة وشعب قطر واميرها الشيخ تميم بن حمد. كما حرص القيادي  الابرز في حركة حماس خالد مشعل على الحضور الى الخرطوم وتقديم واجب العزاء ومخاطبة مجلس العزاء متحدثا عن مآثر الفقيد.

وفي هذا الصدد يقول عبد الرحمن ان الترابي مازال يحتفظ بعلاقات دولية مع بعض الدول والجهات المرتبطة بالاخوان المسلمين. ويرى ان مشاركة هؤلاء في عزاء الراحل وبالرغم من كونه أمرا متوقعا الا انه يحمل في طياته رسائل عدة من بينها ان ” تنظيم الاخوان المسلمين العالمي مازال موجودا بالرغم من الحرب التي تشن عليه من جهات عدة”.    

 

وتوفي  زعيم الإسلاميين بعد ساعات فقط من إصابته بنوبة قلبية صباح السبت نقل بعدها الى احدي مستشفيات الخرطوم قبل ان يفارق الحياة بشكل مفاجئ وغير متوقع خاصة وانه كان يتابع عمله من مكتبه بمقر الحزب كالمعتاد. ولكن لوحظ في الآونة الاخيرة ان نشاطه السياسي والاجتماعي قد قل الا من بعض الظهور من فترة لآخرى ، كما حدث عندما خطب من على المنبر في مسجد القوات المسلحة ظهيرة الجمعة وبحضور البشير. 

 

ويرى مراقبون ان غياب الترابي عن المشهد سيربك صفوف الإسلاميين ويبرز كثيرا من الخلافات والصراعات المكتومة.