* الدكتور ناصر يوحي بأنَّ جبهة الدستور الإسلامي تمتلك "شريعة صحيحة" ودستور إسلامي أفضل * مفهوم "حاكمية الله" يُعتبرُ من أخطر المفاهيم وأكثرها إلتباساً وتمويهاً وغموضاً  *  "..لا يكفي أن يقول لنا الدكتور ناصر أنَّ "الحكومة عبارة عن مجموعة من الانتهازيين   

بابكر فيصل بابكر

في حواره مع صحيفة “آخر لحظة” الأسبوع الماضي سُئل الدكتور “ناصر السيد” الأمين العام لجبهة الدستور الإسلامي السؤال التالي : هل يُمكن أن تصل الحكومة إلى دستور إسلامي ؟ فأجاب “منفعلاً” ( الحكومة لا تستطيع أن تقيم حزب خليك من أنها تصل إلى دستور إسلامي).

وفي إجابته عن السؤال : هل تري أن النظام يقوم بتطبيق الشريعة داخل الدولة ؟ قال الدكتور ناصر : طبعاً لا, القانون العام قانون العدل دا الحكومة لا تقوم بتطبيقه , النظام يتاجر بالدين و (يدغمس الشريعة).

إتهام الدكتور ناصر للحكومة بتطبيق “شريعة مدغمسة” و بالعجز عن الوصول ل”دستور إسلامي”, يوحي بأنَّ جبهة الدستور الإسلامي, تمتلك الحل الذي يتوفر على “شريعة صحيحة” ودستور إسلامي أفضل من الدستور الذي تطبقه الحكومة.

أمَّا الشريعة فقد تناولناها مراراً وقلنا أنَّ دُعاة تطبيقها بمختلف مدارسهم لا يملكون تصوراً لماهيتها, حتى أنها أضحت شيئاً غامضاً غير قابل للتعريف, فإذا كان المقصود بها “الحدود” فهذه موجودة منذ عام 1991 وإذا قيل الشريعة ليست الحدود فقط, فليقدموا لنا تعريفاً لها نستطيعُ الإمساك به خلافاً للتبسيط الذي يختصرها في كونها “نظاماً للحياة” فبعد تجربة الحكم المُستمرَّة منذ أكثر من ربع قرن لم يعُد هناك مجالاً آخر للتجريب.

لم يعُد الشعب السوداني يحتملُ أن تخرج عليه كل صباح جماعة تحمل صفة إسلامية تقول له أنَّ نظام الإنقاذ لم يُطبق “الشريعة الصحيحة” وأننا نحن من سنطبقها وذلك دون أن تُبيِّن لنا ما تعنيه بالشريعة الصحيحة وما هى الضمانات التي تجعلها أفضل من “الشريعة المدغمسة” التي يقول الدكتور ناصر انها مطبقة الآن. 

كانت جبهة الدستور الإسلامي التي ينتمي لها الدكتور ناصر قد نشرت في العام 2011  مشروعاً  “للدستور الإسلامي” الذي تطمحُ أن يتبناهُ الشعب السوداني وكنتُ قد أسميتهُ في حينها “دستور جمهورية طالبان السودان”, لأنه إحتوى على العديد من المصطلحات والمفاهيم التي لا تمت للعصر الذي نعيشه بصلة فضلاً عن الغموض والإلتباس الذي يعتري الكثير منها.

ومن ذلك ما قال به حول “دار الإسلام” و “الأمة الإسلامية” و” الحاكمية” و “الولاء والبراء”, كما أنه ناقض الكثير من المفاهيم المرتبطة بالدولة الوطنية الحديثة وعلى رأسها مفهوم المواطنة والحقوق المتساوية.

يقول مشروع الدستور في ” الدولة والمبادىء الموجهة” عن طبيعة الدولة وهويتها : ( السودان دولة إسلامية موحدة ذات سيادة على جميع الأقاليم الواقعة تحت حدودها, وتجري عليها أحكام دار الإسلام ). إنتهى

من المعلوم أن مصطلح ” دار الإسلام” ومقابله ” دار الحرب” مصطلحان أفرزهما الفقه الإسلامي قبل عدة قرون في ظرف تاريخي كان يستدعي هذا التقسيم ولا وجود له في عالم اليوم وفي ظل العلاقات الدولية المتشابكة وارتباط الشعوب ببعضها البعض وتبادل المنافع وانتقال المسلمين إلى بلاد الغرب ودخول كثير من الغربيين في الإسلام حتى أصبحت بلاد الغرب زاخرة بملايين المسلمين.

ولا يخفى على القارىء أنَّ أكثر خطاب التنظيمات العنيفة  يبني أفعاله على الفقه المتولد من هذا المصطلح.

ويقول مشروع الدستور عن “دين الدولة” : ( الإسلام دين الدولة عقيدة وشريعة ومنهاج حياة ). إنتهى

وكنا قد قلنا وكررنا في العديد من المناسبات أنَّهُ لا يمكن أن يكون للدولة دين فهى كيان “إعتباري” وهى مؤسسة سياسية بالأساس ولا تمتلك أن تعتقد في أية دين أوتمارس شعائرهُ ولن يبعثها الله يوم القيامة ليحاسبها على أعمالها.

ويقول مشروع الدستور عن ” إنتماء الدولة” : ( دولة السودان جزء من الأمة الإسلامية وتتمتع بعضوية الكيانات الإقليمية والدولية). إنتهى

وهنا أيضاً يستدعي المشروع مفهوماً مثيراً للجدل وهو مفهوم ” الأمة الإسلامية” الذي يتعارض في كثير من جوانبه مع مفهوم الدولة الحديثة, فهو مفهوم “عقدي – سياسي” يثيرالعديد من الإشكالات المرتبطة بالدعوة الأممية و بالمواطنة ويتضمن أيضاً عدم الاعتراف بحدود ثابتة, فحدود الدولة متحركة، تمتد مع إمتداد أو تمدد المسلمين في أرجاء المعمورة و هذا يُمثل أحد الإشكالات التي تتفرع عن مفهوم الأمة وتتتعارض مع مفهوم الدولة الحديثة.

ويقول المشروع في الحاكمية والسيادة : ( الحاكمية لله الكبير المتعال, والسيادة للشرع الحنيف, والسلطان للأمة). إنتهى

إنَّ مفهوم “حاكمية الله” يُعتبرُ من أخطر المفاهيم وأكثرها إلتباساً وتمويهاً وغموضاً , هو خطير لأنه بتعميمه الشديد ومعياريته المطلقة يفتح الباب لإستخدام إسم الله وسلطانه بشكل تعسفي واعتباطي, وهو مفهوم لم يرد في القرآن ولا سند له في السنة وكان أول ما ظهر في الفقه السياسي الإسلامي في خلاف الإمام على (رض) مع الخوارج في قضية التحكيم عنما قالوا : “لا حكم الا لله”, وأدرك الإمام على خطورة هذه المقولة عندما رد عليهم بالقول : ” كلمة حقٍ يُرادُ بها باطل”.

لقد ذاع مفهوم “حاكمية الله” حديثاً على يد الداعية الهندي “أبو الأعلى المودودي” ثم إلتقطه “سيد قطب” وبنى عليه نظريته حول جاهلية المجتمعات الإسلامية والتي تطورت عنها أفكار التكفير والعنف والقتل وإراقة الدماء التي تبنتها الحركات الجهادية.

أما فيما يختص بمبادىء السياسة الخارجية فإنَّ المشروع يقول : ( تضبط عقيدة الولاء والبراء الدولة في علاقاتها الخارجية). إنتهى

الولاء بحسب فهم أصحاب مشروع الدستور يعني حُب الله ورسوله والصحابة والمؤمنين الموحدين ونصرتهم, والبراء هو بغض من خالف الله ورسوله والصحابة والمؤمنين الموحدين من الكافرين والمشركين والمنافقين والمبتدعين والفساق وأصحاب المذاهب الهدامة ( و العلمانيين عند البعض).

لقد نقل مشروع الدستور مفهوم “الولاء والبراء” من حيِّز التعامل بين “البشر” إلى حيز “العلاقات الدولية” وهذه كارثة حقيقية لأنَّ ما يترتب على هذا الفهم سيجعل الدولة تعيش في عُزلة مؤكدة ذلك لأنَّ دول العالم في معظمها هى دول  “مشركين” و “كفار”, وهؤلاء تترتب عليهم الكثير من أحكام البراء ومنها عدم الإقامة في بلادهم, وعدم السفر إلى بلادهم لغرض النزهة ومتعة النفس, وعدم إتخاذهم- أى الكفار والمشركين- بطانة ومستشارين,وعدم التأريخ بتاريخهم خصوصاً التاريخ الذي يعبر عن طقوسهم وأعيادهم كالتاريخ الميلادي.

أمَّا فيما يتصِّل بالحقوق والواجبات في الدولة فإنَّ مشروع الدستور يقول بوضوح لا لبس فيه : ( ترعى الدولة الحقوق والواجبات وتضبط بأحكام الشريعة الإسلامية التي تعتمد مبدأ العدالة لا مطلق المساواة ). إنتهى

وهذا نصٌ واضحٌ و صريح على أنَّ المواطنين غير متساويين في الحقوق والواجبات, وأنَّ ” المواطنة” ليست هى الأساس الذي تنبني عليه تلك الحقوق والواجبات,وإنما “الإسلام” هو شرط المواطنة الكاملة.

وهذ النص فضلاً عن مخالفته لكل مواثيق وعهود حقوق الإنسان الدولية, والدساتير الحديثة, فإنه يُخالفُ العديد من الإجتهادات الإسلامية المعاصرة التي قال بها مفكرون إسلاميون مثل الإمام الصادق المهدي والدكتور محمد سليم العوَّا وفهمي هويدي وراشد الغنوشي, والتي أقرتها جماعات إسلامية مثل جماعة الإخوان المسلمين وحركة النهضة الإسلامية,والتي تحكم دساتير دول إسلامية مثل ماليزيا وإندونيسيا.

وهو كذلك يتجاهل حقيقة موجودة على الأرض وهى أنَّ سكان السودان – حتى بعد إنفصال الجنوب – ليسوا جميعاً مسلمين, فهناك مسيحيين أقباط و هناك مسيحيين ولا دينيين في جبال النوبة والنيل الأزرق, ولا تكفي الحجة التي يسوِّقها أصحاب مشروع الدستور عن أن هؤلاء أقلية لأنَّ موضوع الأكثرية والأقلية لا ينطبق على فكرة ” الحقوق” في الدولة الحديثة و التي تقتضي المساواة بين جميع المواطنين مهما كان عددهم.

إنَّ فكرة المواطنة المنقوصة يترتب عليها بالضرورة نقصاً في الحقوق وهو ما أورده مشروع الدستور في شروط أهلية الترشح لرئاسة الجمهورية و الولاية العامة.

ويقول مشروع الدستور عن أهلية الرئيس:( يكون أهلاً لرئاسة الدولة كل سوداني توفرت فيه الشروط الآتية : العدالة الجامعة والضابطة لأحكامها وهي أن يكون : مسلماً , ذكراً, عاقلاً, بالغاً من العمر أربعين سنة, مستقيماً في دينه وسلوكه ). إنتهى

يُعبِّر هذا النص عن إغتراب كبير و عميق تجاه مفهوم الدولة القومية الحديثة رغم أنه مفهوم ثابت ومستقر في الفكر والخبرة الإنسانية منذ أكثر من ثلاثة قرون, فهو بجعله “الإسلام” و “الذكورة” شروطاً لأهلية الترشح لرئاسة الدولة إنما يحرم المرأة وغير المسلم من هذا الحق و ينسف من الأساس مفهوم المواطنة الذي يعني المساواة بين جميع المواطنين بصرف النظر عن الإختلاف في اللون أو الجنس أو الدين أو العرق.

ولا يكتفي مشروع الدستور بحرمان المرأة وغير المسلم من الترشح لرئاسة الجمهورية بل يحرمهما كذلك من الترشح لمنصب الوالي حيث ينص على أنه : ( يشترط فيمن يرشح لمنصب الوالي ذات شروط أهلية  المرشح لرئاسة الدولة).إنتهى

 ولا يسمح مشروع الدستور كذلك للمرأة بتولي سلطة “القضاء” حيث ينص في بند شروط خدمة القضاة على أن : ( تختار الدولة للقضاء أصلح المؤهلين له من الرجال). إنتهى

هذا الإستعراضُ لمشروع الدستور الذي نادى به الدكتور ناصر وجماعته يُبيِّنُ بما لا يدعُ مجالاً للشك – بلغة القانونيين – أنَّ الدستور الإنتقالي لعام 2005 أو حتى الدستور الذي تبنتهُ الإنقاذ في العام 1998 أفضل بألف مرَّة (نظرياً على الأقل) من ناحية مواكبة الحياة العصرية وأفكارها المتعلقة بالدولة والمواطنة والحقوق.

ومن المؤكد أنَّ مثل هذا الدستور لن يُنتج “ديموقراطية” مُستدامة تضمن التداول السلمي للسلطة, وتوفر الحرُيات وتحترم التباين الثقافي, وهذا هو بيت القصيد, وليس بالضرورة أن تكون كل جماعة إنتقدت سياسات وممارسات حكومة الإنقاذ ووضعت على إسمها لافتة إسلامية قادرة على تقديم بديلٍ أفضل منها.

لا يكفي أن يقول لنا الدكتور ناصر أنَّ ( الحكومة عبارة عن مجموعة من الانتهازيين وأصحاب الأجندات الخاصة) وأنّ جبهة الدستور الإسلامي اليت ينتمي إليها تتكون من ( الجماعات الاسلامية الطاهرة النظيفة ) كما ذكر في الحوار المُشار إليه, فأهل الإنقاذ عندما كانوا خارج السلطة كانوا أيضاً يقولون أنهم أطهار وأنقياء وروَّادٌ لا يكذبون أهلهم, ولكنهم بمُجرَّد أن إستلموا الحُكم تحولوا لشىء آخر يعلمهُ الجميع.

 

ولا حول ولا قوة إلا بالله