عيسى إبراهيم * * مضاعفة السعودية استثماراتها في السودان من 7% عام 2013 إلى 50% عام 2015 بالتزامن مع مشاركة السودان في "عاصفة الحزم" التي قادتها السعوديّة ضدّ الحوثيّين في اليمن شكل قلقاً لدى القاهرة 

في ضوء تقارير أعدت من قبل وزارتي الري والزراعة ورفعت إلى مؤسسة الرئاسة المصرية حيث أقرت تقارير الوزارتين المصريتين حسب رأيهما أنّ السودان يستخدم كامل حصّته من النيل حاليّاً، وفي ضوء حجم الاستثمارات  الزراعيّة التي تضخّ في السودان وبصفة خاصّة الاستثمارات الزراعيّة السعوديّة التي تتضمّن بناء سدود على النيل في السودان تهدّد بالجور على حصّة مصر وأمنها المائيّ، وذلك وفقاً لما أكّده مصدر حكوميّ لصحيفة “المونيتور“، (التغيير الالكترونية 8 يناير 2016 – المونيتور)!. وأكّد وزير الريّ والموارد المائيّة الأسبق الدكتور محمّد نصر الدين علام أنّ السودان يستخدم كامل حصّته المائيّة حاليّاً على الرغم من أنّه يعلن مراراً عكس ذلك.  

* ويمضي خبر المونيتر ليقول: “وقّعت المملكة العربيّة السعوديّة مع السودان في 3 نوفمبر 2015، في الرياض على أربع اتّفاقيّات بين الحكومتين في حضور العاهل السعوديّ والرئيس السودانيّ بقيمة ملياري وربع المليار دولار توجّه لتمويل بناء ثلاثة سدود على النيل في شمال السودان هي كجبار والشريك ودال، تنفّذ خلال خمس سنوات، مع توفير تمويل لمشاريع للمياه بقيمة خمسمائة مليون دولار، واستزراع مليون فدّان جديد على ضفاف نهري عطبرة وستيت في شرق السودان”، (المصدر السابق).

* يمتلك السودان – حسب المصدر السابق – نحو 200 مليون فدّان صالحة للزراعة، أي ما يعادل نحو 45 في المئة من الأراضي الصالحة للزراعة في الوطن العربيّ، لم يستثمر سوى 30 مليوناً منها.

* وحول إمكان فتح حوار مصريّ مع الدول العربيّة صاحبة الاستثمارات الزراعيّة في السودان وعلى رأسها السعوديّة، ضماناً لتوفير بدائل مياه غير نيليّة ومراعاة حصّة مصر، اعتبر علام أنّ هذا الأمر لن يكون سهلاً وأضاف: ” من الممكن أن يعتبر السودان ذلك عملاً عدائيّاً ضدّ التنمية على أراضيه، وعلينا التحدّث مع السودان مباشرة قبل اللجوء إلى مثل هذه الخطوة“.

* دلائل كثيرة تدل على أن التخوفات المصرية ليس لها علاقة بالواقع المعاش، فالسودان الآن يعيش أسوأ لحظاته الانتاجية في مجال الزراعة، إذ أن السودان خرج من زراعة القطن في مشروع الجزيرة (2.200.000 فدان ري انسيابي) بعد أن كان أكبر دولة عالمياً في زراعة القطن طويلة التيلة وقصير التيلة، السودان الآن يعتمد في اقتصاده على الاقتصاد الريعي وليس الانتاجي فكيف يكون قد استنفد حصته المائية؟!.

* لسنوات تخرج عن الحصر كان السودان وفق احصائيات المياه السودانية المصرية لا يستهلك حصته المائية وكان الفائض من حصته يذهب إلى غير رجعة إلى الاحتياطات المصرية ببحيرة ناصر، فلماذا لا تعتبرها مصر الجارة والشقيقة، أمانة لديها يمكن استردادها حين الحاجة؟!، وهو أمر ممكن لو تطايبت النفوس!.

* لعل ميل السودان للموافقة على مشروع سد النهضة الاثيوبي وشعوره بأن هذا السد يرمي في كفة صالحه – حسب خبير اتفاقيات مياه النيل الدكتور  سلمان محمد أحمد سلمان، إذ في رأيه أنه يمكن من خلال التفاوض والاتفاق يمكن أن تصبح بحيرة سد النهضة مكاناً لتخزين مياه السودان الفائضة على استهلاكه السنوي بدل هدرها “ساهي”، كما تساءل الخبير سلمان: هل سيعرض السودان كمية المياه التي ظل يفشل في استخدامها سنوياً مساهمة منه لملء بحيرة السد مقابل كهرباء من السد لصالح السودان، (المصدر صحيفة المستقلة – الخميس 7 يناير 2016 صفحة 5) – هل يمكن اعتبار كل هذا هو ما أثار حفيظة مصر لتتحرك للضغط على السودان بطرق غير منطقية لاعادته إلى “بيت الطاعة” القديم؟!.

* حينما يقول وزير الموارد المائيّة والريّ المصريّ حسام مغازي أنّ أيّ أراضٍ ستزرعها مصر في السودان ستكون على مصادر مياه بديلة عن النيل سواء مطريّة أم جوفيّة، ويستبعد أن تكون استثماراتهم الزراعية في السودان على حساب حصة مصر من مياه النيل، ألا يعتبر ذلك تهويلاً للأمر أكثر من اللازم؟!، مصر تريد فائدة بلا مقابل، والسؤال الذي يفرض نفسه ألا يعتبر اعتماد الاستثمار الزراعي المصري في السودان على مياه مطرية أو جوفية هو استغلال لموارد سودانية خالصة؟، مالمصر تفكر هكذا؟!. أمر آخر باعتبار المياه المخزنة في بحيرة ناصر وامكانية استغلالها، كيف تصبح زيادة 10 آلاف فدّان (كما يقول د. هيثم عوض رئيس قسم الريّ وهيدروليكا المياه في جامعة الإسكندريّة) كأراضٍ جديدة في السودان، خارج نطاق حصّته المائيّة، سيكون على حساب تدمير 7 آلاف فدّان زراعيّ في مصر؟!.

* ينبغي أن تعلم مصر وفق الاحصائيات المعلنة، وكون السودان يملك ما يعادل نحو 45 في المئة من الأراضي الصالحة للزراعة في الوطن العربيّ بكامله، أن اتفاقية مياه النيل للعام 1959 كانت جائرة في حق السودان خاصة وأنها عقدت في عهد عسكري (عهد عبود) وليس عهداً ديمقراطياً من ما يشير إلى شبهة عدم الكفاءة وعدم اشتراك العالمين ببواطن الأمور في توقيع الاتفاقية!، (لمصر حسب اتفاقية 1929 في عهد الاستعمار الانجليزي 48 مليار متر مكعب، ونصيب السودان وفق الاتفاقية 4 مليارات متر مكعب، وبعد توزيع الفائدة المتأتية من السد العالي صار نصيب مصر 55.5 مليار متر مكعب والسودان 18.5 مليار متر مكعب وفق اتفاقية 1959).

* قليل من الانصاف يا مصر المؤمَّنة بي أهل الله، خاصة وان هناك اهمالاً في حساب مياه السيول المتدفقة من كل صوب وحدب من “خيران” السودان الشاسعة الواسعة نحو حوض النيل ولم يسعف الفهم ولا الحكمة ولا الوقت حكوماتنا المتعاقبة لعمل سدود وحواجز لاستغلال مياه هذه السيول والخيران  المهدرة “ساهي” في زراعة أفدنتنا المليونية المهملة، هل تم حساب مياه نهر أتبرا التي تغذي النيل الرئيسي عند مدينتي أتبرا ودامر المجذوب؟!!..   

* eisay@hotmail.com