خالد فضل ،،تمت عمليات التسجيل والتوضيب الإعلامي للبيان باستوديوهات منظمة الدعوة الإسلامية الكائنة بضاحية الرياض شرقي الخرطوم وتحت الإشراف المباشر لمسؤول الإعلام بالمنظمة وقتها الأستاذ عوض جادين محي الدين،،

هذا مقال استعادي , لا يدخل بالضرورة في دائرة النوستالجيا التي تجتاح الأجيال السابقة كلّما أدلهمت دروب حاضرها ووعرت سكة تالي الأجيال , فقط للذكرى نقول إنّ البيان الأول هو بيان الانقلابي العميد عمر حسن أحمد البشير , ببزة قوات الشعب المسلحة الخضراء و قد تمت عمليات التسجيل والتوضيب الإعلامي للبيان باستوديوهات منظمة الدعوة الإسلامية الكائنة بضاحية الرياض شرقي الخرطوم وتحت الإشراف المباشر لمسؤول الإعلام بالمنظمة وقتها الأستاذ عوض جادين محي الدين , لاحقا تولى مناصب إعلامية عديدة وما يزال , ومن أشهر المواقف التي ارتبطت به صراعه مع وزير الإعلام عبدالله مسار حول مسألة شركة تتبع للهيئة القومية للإذاعة والتلفزيون , ومن ثمّ صدور قرار من الوزير بإيقافه ريثما يتم التحقيق حول الأمر , ولكن وزيرة الدولة بالإعلام سناء حمد ناصرت أخاها في التنظيم عوض جادين واشتبكت مع وزيرها القادم من كادر حزب الأمة القومي ضمن موجات التهافت نحو السلطة التي عمّت معظم القوى السياسية السودانية وما تزال , وتدخل قائد الإنقلاب عمر البشير منتصرا لمن أعدّ له المسرح الإعلامي في 1989م , وألغى قرارات عبدالله مسار وأقال سناء حمد بعد قبول إستقالة مسار لعمل موازنة صورية , فسناء بت المصارين البيض ولا يمكن أن يتم  اقصاءها من أجل المؤلفة قلوبهم (مش كده يا عبدالله؟) .

  عندما أذاع العميد (النكرة) وقتها عمر البشير بيانه ناعيا للشعب السوداني نظامه الديمقراطي التعددي الذي لم يكن قد مضى على استعادته سوى بضع سنوات إثر انتفاضة أبريل1985م الماجدة , نعى العميد البشير للشعب السوداني حياته ممثلة في : برلمانه المنتخب عبر انتخابات حرّة ونزيهة شاركت فيها كل القوى السياسية بما فيها حزب الجبهة الاسلامية القومية صاحبة ال52مقعدا في الجمعية التأسيسية كثالث أكبر القوى التي شكّلت ذلك البرلمان , (الحزب الوحيد الذي لم يشارك فيها الحركة الشعبية لتحرير السودان التي كانت تقاتل أنظمة الخرطوم السابقة ولم تذعن لحكومات الانتفاضة بعد), نعى العميد البشير  رئيس الوزراء المنتخب , ومجلس سيادة يمثل رمزية الدولة , وقوات مسلحة مهنية لم تؤشبها مليشيات الجنجويد , وجهاز شرطة منضبط مهمته خدمة الشعب , وجهاز أمن مهمته حفظ الأمن وليس ترويع الآمنيين ,نعى جهاز خدمة مدنية مستقر ومهني وقومي نسبيا , ومؤسسات حكومية عامرة تقدم خدماتها لشعبها كالسكة الحديد  التي كانت تمتد قضبانها وورشها وصنفوراتها من أقصى شمال البلاد الى تخوم أويل في الجنوب , ومن بورتسودان الى نيالا مرورا بكل حواضر الأقاليم السودانية تقريبا ووديانها وقراها وفرقانها , والنقل الميكانيكي والنقل النهري والمخازن والمهمات والأشغال العامة والخطوط الجوية  سودانير التي كانت تحلق طائراتها فوق سحاب العالم شرقا وغربا ,والخطوط البحرية بسفنها تمخر عباب البحار والمحيطات محمّلة بالصادرات والواردات ومشروع الجزيرة ومشاريع النيل الابيض والنيل الأزرق ودلتا طوكر والقاش التي كانت ضمن مقررات الجغرافيا لتلاميذ المدارس في السودان أين هي الآن ؟  كل ذلك نعاه البشير في بيانه الذي نعيش  في ظل مخرجاته البائسة  منذ 26 عاما . فقد نعى البشير بلسان الترابي الوطن الكامل الأرض , مساحته مليون ميل مربع , لا توجد فيه بقعة محتلّة من دول الجوار , ولم تطأه بوت جندي أجنبي واحد منذ جلاء جيش الاستعمار  وشعبه الشمالي والجنوبي لم يندق بينه عطر منشم , ولم تستعر حربه على العقيدة والعرق والهوية بصورة سافرة كما سنرى لاحقا وما نزال نعيش البؤس الماحق . مخرجات بيان البشير الأول ومن ثمّ أفعاله التالية هو وشراذم الأشرار من شذّاذ الآفاق الحقيقيين  هي ما أوصل السودان الى مستنقع التفكيك والانهيار التام , ولا يغرنّك من هؤلاء المجرمين تبجحهم الفارغ بما حققوه من انجاز و وشكرا مولانا سيف الدولة حمدنا الله عبد القادر فقد ألجم بالفعل ألسنة الكذب والنعيق العاجز بمقاله الرصين المنشور الاسبوع الفائت عبر الاسافير , وفيه مقارنة موضوعية وبالمعلومات مع دولة اثيوبيا التي يعتبر نظامها السياسي ندّا لنظام الإنقاذ من حيث العمر ولكن نظام الانقاذ  قزم ضئيل  أمامه في مضمار المقارنة بالإنجاز . هذه هي الحقائق الدامغة التي تدحض عبث ما يتداولون وما تغرغر به ألسنتهم الكاذبة . فدارفور التي أبادوا شعبها وفرقوا شملها كانت حاضرة قبل بيان البشير عبر أكبر الأحزاب السياسية في البرلمان وفي السلطة , لم يسبق لمسؤول سوداني أنْ أتهم بجرائم الحرب والابادة والتطهير العرقي كما هي حالة شلة الانقاذيين الهاربين من العدالة الآن كواحد من أكبر مخرجات بيان البشير الأول . أمّا الجنوب فقد ذهب مغاضبا وحزينا و ولن تعيده طبطبة البشير ووعوده الجوفاء ( الوحدة جاية ) فأصغر طفل غرير سيسأله السؤال المحرج . وماذا فعلت فيه  وبه يا فالح قبل أنْ يغادر ؟وجحافل الجنجويد تواصل الإبادة في جبل مرّة وجبال النوبة والنيل الأزرق , وحسبو يتوعد بإزالة معسكرات النازحين فيما تترى البيانات من الأمم المتحدة وهيئاتها المتخصصة تؤكد بالأرقام أعداد النازحين الجدد من النساء والأطفال والشيوخ الفارين من أتون حرائق الجنجويد في جبل مرّة , وإعلام الدعاية الفجّة يلوك بلسان مضطرب وذهن شارد وحبكة ممجوجة أحاديث مخرجات مؤتمر الحوار الوطني المزعوم ! فهل من ضمنها مخرج واحد ينضح بالصدق والحق و هل من ضمنها بند واحد هو اساس كل حل مأمول , كنس الإنقاذ ومحاسبة المجرمين على كل قطرة دم وحشرجة روح , هذه هي المخرجات التي لن يأتي بها مونولوج التناجي الذاتي الذي ابتدأ وانتهى والحال تزداد ضغثا على إبالة ,وليرحم الله د. حسن الترابي ؛ فقد بلغني نبأ رحيله قبيل اتمامي لهذا المقال , وهو إذ صار بين يدي الخالق العادل لا نملك إزاءه في هذه اللحظات سوى الترحم عليه والتعازي لآله وذويه ولا حول ولا قوة الا بالله فكل من عليها فان .