التغيير: الخرطوم عندما شعرت حليمة عبد الله والبالغة من العمر ٥١ عاما ببعض الآلام في صدرها  نادت على بنتها الكبرى وطلبت منها ان تنقلها الى مستشفى الفتح بغرب امدرمان حيث تسكن لمعرفة أسباب هذه الآلام. 

اضطرت البنت ان تستقل احدى عربات ” الكارو” التي تجرها الحمير للوصول الي المستشفى لعدم وجود مواصلات عامة حيث تسكن الى المستشفى ، ولكن زادت محنتها – كما تقول – عندما اكتشفت ان المستشفى عبارة عن مبان قديمة فقط ويفتقر لابسط مقومات تقديم الخدمات ” وجدنا طبيبا واحدا يلتف حوله عشرات المرضى وليس لديه شيء ليفعله سوى كتابة روشتات التحويل الى مستشفى النو أو مستشفى امدرمان لان مستشفى الفتح ليس به قسم أشعة او قسم للقلب او قسم للطوارئ “. 

 

وتضيف ابنة حليمة وهي تتحدث ” للتغيير الالكترونية” ان الطبيب طلب منهم التوجه الى مستشفى امدرمان لشكوكه حول إصابة والدتي بمرض القلب” طلبنا من ادارة المستشفى ان يوفروا لنا سيارة اسعاف لنقل والدتي والتي أصبحت حالتها تسوء شيئا فشيئا فاكتشفنا انه لا توجد سيارات اسعاف ولا غيرها ، فاضطررنا الى تأجير امجاد من الفتح الى مستشفى امدرمان بمبلغ ١٥٠ جنيه ووصلنا الي المستشفي بعد اكثر من ساعة ونحمد الله ان والدتي لم تتوفى في الطريق بعد ان تدهورت حالتها تماما وفقدت الوعي للحظات”. 

 

وتلخص قصة حليمة وغيرها من عشرات قصص المرضى القاطنين  في أطراف العاصمة السودانية الخرطوم مثل مناطق دار السلام وجبل أولياء والكدرو والوادي الأخضر وغيرها من المناطق الطرفية حيث تنعدم خدمات الرعاية الصحية الأولية بالرغم من مرور ٤ أعوام على قرار وزارة الصحة بولاية الخرطوم بنقل الخدمات الطبية الى الأطراف بعد العمل على تجفيف وإغلاق المستشفيات الكبيرة في وسط الخرطوم. 

 

وآثار القرار وقتها،   والذي اتخذه وزير الصحة بولاية الخرطوم واحد اكبر المستثمرين في القطاع الطبي في البلاد  مأمون حميدة جدلا كثيفا ومعارضة شديدة من  عدد كبير من الأطباء والمختصين والمواطنين على حد سواء باعتبار ان تطوير الخدمات الطبية في الأطراف لا يعني بالضرورة تجفيف المستشفيات العاملة في وسط الخرطوم. وصعد المعارضون من حملتهم بتنظيم العديد من الوقفات الاحتجاجية والندوات التي كانوا عبرها يريدون إرسال رسائلهم لكن الوزير والذي يجد تشجيعا شخصيا من رئيس الجمهورية عمر البشير ، مضي فى مشروعه دون ان يرمش له جفن. فقام بتجفيف مستشفي جعفر بن عوف للأطفال الشهير ومستشفى الشعب ومستشفي العيون  وغيرها من المرافق الخدمية في وسط الخرطوم. 

 

ويبدو ان هنالك رضا حكومي من مشروع نقل الخدمات الصحية الى الأطراف بعد مرور السنوات الأربع ، ذلك ان رئيس الجمهورية نفسه قد اشاد بالتجربة خلال افتتاحه قسم للطوارئ بأحد المستشفيات في منطقة الصحافة جنوب الخرطوم وقال انه راض عن التجربة تماما وان منتقديها لديهم اجندة اخرى ” والمستشفى بيساعد الما عندوا حق التاكسي والركشة”.

يرى الطبيب والناشط في المجال الطبي سيد قنات ان افتتاح مستشفى او قسم للطوارئ في منطقة الصحافة ليس معناها نقل الخدمة للاطراف ” وهذا هو مربط الفرس واعتراضنا على طريقة تنفيذ نقل الخدمة الطبية للاطراف .. فمثلا منطقة الصحافة لا تبعد كثيرا عن مستشفى الخرطوم ولا يمكن اعتبارها من مناطق الخرطوم الطرفية باي حال من الأحوال”. 

 

ويوضح قنات وهو يتحدث ” للتغيير الالكترونية” ان المناطق الطرفية المعنية هي المناطق النائية والتي لا يستطيع سكانها ان يصلوا الى منطقة وسط الخرطوم بسهولة مثل مناطق الكدرو وجبل أولياء والجخيص وعد بابكر وغيرها من المناطق البعيدة. ويقول ان التجربة وبعد مرور اربعة سنوات على تنفيذها اثبتت فشلها ولم تحقق اهدافها ” لم يتم افتتاح المستشفيات في المناطق الطرفية وحتى تلك التي توجد بها مستشفيات فهي غير مهيئة لاستقبال المرضي الذين يحتاجون للرعاية الصحية الأولية وبالتالي فان المواطنين يذهبون الى المستشفيات الكبيرة”. وزاد ” حسب الإحصائيات التي نمتلكها فان عدد المرضى الذين يترددون على مستشفى امدرمان فان أكثرهم من المناطق الطرفية ولم تشر الإحصائيات الى ان هنالك انخفاضا في نسبة المرضى الذين يأتون من مناطق بعيدة .. وهذا يعني ببساطة هزيمة للتجربة “. 

 

الأكثر من ذلك ، يرى قنات ان الفكرة بها خلل أساسي وهي ان نقل الخدمات للاطراف لا يعني بالضرورة تجفيف المستشفيات الكبيرة الموجودة ” لا ارى مبررا لتجفيف المستشفيات او اغلاقها كان يجب ان تظل قائمة ومستمرة وتكون مرجعية كبيرة وفي نفس الوقت يمكن ان يتم انشاء المستشفيات في الأطراف ويتم بها تقديم الخدمات وبذا نكون قد أسسنا لوضع صحي أفضل”. 

 

في الأثناء اعتبرت اللجنة التنفيذية لنقابة الاطباء بالمملكة المتحدة وإيرلندا ان المشروع نفذ بطريقة عشوائية ومضرة بمصلحة المرضى. وقالت في بيان لها صدر مؤخرا – اطلعت عليه ” التغيير الالكترونية ” ان الوزير وحتى خلال تنفيذه لهذا المشروع لم يقم باستشارة اصحاب المصلحة ” رفض وزير الصحة الولائي التشاور مع  نقابة الاطباء والمهن الصحية  بالداخل  و اصحاب المصالح الحقيقية من الكوادر الصحية والمواطنين المتأثرين  قبل اتخاذ هذه القرارت العشوائية”. 

 

ويمضي بعض منتقدي مشروع نقل الخدمات الصحية الى الأطراف الى اكثر من الحديث عن سلبياتها عندما يقررون ان الهدف الرئيس من المشروع هو تهيئة البيئة في وسط الخرطوم للوزير ومعه مجموعة من النافذين للاستثمار في المجال الصحي خاصة وانه يمتلك العديد من المؤسسات الصحية والتعليمية ذات الصِّلة. وَمِمَّا زاد من هذه المخاوف هو إصدار وزير الصحة قرارا تم بموجبه إغلاق مستشفيين في الخرطوم وأحدهما يقع بالقرب من احدى المستشفيات التي تتبع له بدعوى وجود مخالفات .

ومن بين هؤلاء نقابة الآطباء السودانيين بالمملكة المتحدة وإيرلندا عندما أكدوا وجود تضارب للمصالح واضح  في هذا المشروع في بيانهم سالف الذكر ”  المصالح فيما يخص وزير الصحة الولائي ، فهو من ناحية  يدير الملف الصحي بولاية الخرطوم ويفترض فيه  ان يقوم بتوفير العلاج المجاني والمتاح لكل المواطنين ومن ناحية اخرى يمتلك المستشفيات الخاصة التي تبيع العلاج للمواطنيين بأغلي الاسعار ،  كما سعى في الاونة الاخيرة الى إغلاق المستشفيات الخاصة  الاخرى  التي تنافسه  حتى  يتحقق له الانفراد بالقطاع الصحي الخاص” 

 

وفي هذا الصدد ، يعود قنات ويقول انه لا يريد الخوض في النوايا ، ولكنه يؤكد ان المشروع لن يحقق النجاحات بالطريقة التي يمضي بها وزير الصحة بها. ويلفت الانتباه الى نقطة مهمة وهي ” هنالك هجرة خيالية وبطريقة متسارعة للكوادر الطبية بسبب قلة المردود المادي وسوء بيئة العمل ، وعلي الوزير الانتباه الى ذلك أولا لأنه حتى ولو بني مستشفيات فانه لن يجد من يديرها له في ظل الهجرة المستمرة”.