د. سلمان محمد أحمد سلمان1 ظلّتْ السدودُ منذ منتصفِ القرنِ الماضي من أكثر مشاريع التنمية في العالم إثارةً للجدل. فمن جانبٍ ترى معظم الحكومات في السدود المولّدَ الأكبرَ للطاقة الكهربائية الرخيصة والنظيفة، والمصدرَ الموثوق به لمياه الري والشرب، وخطَ الدفاع الأول والمأمون ضد الفيضانات المدمّرة، والمستودعَ المائي الآمن لمواجهة أيٍ من سنوات الجفاف.

كما تشير تلك الحكومات إلى دور السدود في تنظيم انسياب الأنهار طوال العام مما ينتج عنه تعدّد الدورات الزراعية، وتنظيم التوليد الكهربائي، وتغذية المياه الجوفية على مدى العام. 
2
لكن من الجانب الآخر يركّز المعارضون على الآثار البيئية السالبة للسدود المتمثّلة في إغراق أراضي خصبة كثيرة وغابات غنيّة تحت بحيرات السدود، والتأثيرات السالبة على تحركات وتوالد الأسماك والحيوانات المائية. كما يشيرون إلى أن الأعشاب المائية التي تتكاثر وتنتشر على بحيرات السدود قد أصبحتْ مصدراً رئيسياً للغازات التي تساعد على الانحباس الحراري والتغييرات المناخية. ويعزون الأمراض المعدية والقاتلة مثل الملاريا والبلهارسيا إلى الطفيليات التي تتوالد بكثرة في بحيرات السدود. كما يثيرُ المعارضون مشكلةَ الآثار والمعالم التاريخية الهامة التي تمّ ويتمّ إغراقها تحت بحيرات هذه السدود، وإلى الأبد. 
ويركّز المعارضون بصورةٍ أكبر على الآثار الاجتماعية السالبة، ويورِدون الأرقامَ الهائلة للقوميات والمجموعات القبليّة والأسر والأفراد (ومعظمهم من الشرائح الفقيرة والضعيفة والمجموعات القبليّة والشعوب الأصليّة) الذين تمّ ترحيلهم قسريّاً بعد أن نُزِعتْ أراضيهم. وقد تمّ ذلك الترحيل القسري بدون أدنى درجة من العدالة والإنصاف لأولئك المهجرين قسريّاً، لكي يتسنّى بناء السدود التي تمتد بحيراتها لمئات الأميال وتُغرِق مساكنهم ومزارعهم ومدارسهم ودور عبادتهم وحتى قبور أحبائهم، دون تعويضاتٍ عادلة، ودون أدنى استفادة من أيٍ من منافع هذه السدود المتعدّدة. 
3
وقد أوضحت عدّةُ دراساتٍ أعدّها البنك الدولي والمفوضية الدولية للسدود وبرنامج البيئة التابع للأمم المتحدة أن إعادة التوطين القسْريّة في إطار مشروعات التنمية، خصوصاً مشاريع السدود، تؤدّي في أحيان كثيرة، إذا لم تُخفّفْ آثارها، إلى حدوث مخاطر اقتصادية واجتماعية وبيئية حادة: إذ تُزال أنظمة الإنتاج؛ ويواجه الناس العوز والفقر لفقدانهم أصولهم الإنتاجية أو مصادر دخلهم إذا لم يتم تعويضهم بأصول ومصادر دخلٍ لها نفس الإمكانيات الإنتاجية؛ ويُنْقل الناسُ إلى بيئاتٍ قد تكون مهاراتهم الإنتاجية أقل ملاءمةً لها وتكون المنافسة أكبر على الموارد؛ وتُصاب المؤسساتُ المجتمعية والشبكات الاجتماعية بالضعف؛ وتتشتّت المجموعات التي ترتبط بأواصر القُربى؛ وتتضاءل أو تضيع الهويّةُ الثقافية، والتراث، والسلطة التقليدية، وإمكانية تقديم المساعدة المتبادلة بين أفراد المجتمع الذي تم تهجيره قسْريّاً. كما أن التهجير قد يتمُّ إلى مناطق تختلف من حيث البيئة والطبيعة والمناخ من مناطق عيشهم الأصلية، وقد لا تُرحِّب بهم المجموعات التي سيُشاركونها أراضيها ومواردها. ويُصاب الكثيرُ من المُهجّرين بالاكتئاب لسنواتٍ طويلة بسبب فراقهم لمراتع طفولتهم وشبابهم، ورؤيتهم ذكرياتهم ومنازلهم ومزارعهم وقبور أحبّتِهم وهي تغرق إلى الأبد تحت بحيرة السدّ.
4
وعلى هدي هذا المنوال فقد أشارتْ المفوضيّةُ الدولية للسدود في تقريرها الذائع الصيت الذي صدر عام 2000 بعنوان “السدود والتنمية – إطارُ عملٍ جديد لاتخاذ القرارات” إلى منافع السدود من ناحية، والتكلفة البيئية والاجتماعية من الناحية الأخرى. غير أن التقرير أشار إلى أن السدود الكبيرة التي تمّ بناؤها حتى الآن حول العالم، والتي تجاوزر عددها 45,000 سدّاً، لم تفِ بوعودها ومنافعها، وكانت تكلفتها البيئية والاجتماعية والاقتصادية أعلى بكثيرٍ من نتائجها الإيجابية. وأوضح التقرير أنه في حالاتٍ كثيرة كان هناك ثمنٌ غير مقبول وغير ضروري تمّ دفعه، وأن العبء الأكبر وقع بصورةٍ غير مناسبة على الفقراء والمجموعات الضعيفة وأجيال المستقبل. وقد تضمّن التقريرُ سبعَ اسبقياتٍ استراتيجية تشمل 26 مؤشراً رأت المفوضية ضرورة الالتزام بها لمعالجة الآثار السالبة المتوقّعة من السدود، ولضمان أن تُنجِزَ السدودُ ما وعدت به الحكوماتُ شعوبَها. وتضمّنت هذه المؤشرات أُسساً لإنهاء أو الحدِّ من التأثيرات السلبية على البيئة، ووقف الظلم والإجحافٍ على المجوعات القبليّة والقوميات التي ستُقام السدود على أراضيها، بما في ذلك ضرورة الحصول على موافقتها المسبقة والحرّة والمبنيّة على المعلومات المتكاملة على قيام المشروع.
5
مثل بقية العالم فقد كانت سدود السودان منذ بداية القرن العشرين وحتى اليوم موضوعَ جدلٍ ونزاعاتٍ حادة، خصوصاً في قضايا المهجّرين الذين نُزِعت أراضيهم لتقام عليها السدود وتمتد فيها بحيراتها. غير أن ما يُميّز بعض سدود السودان، أو التي تأثّر بها السودان، عن غيرها من سدود العالم أن اثنين منها قد تم إنشاؤها لمصلحة مصر الحصريّة، بينما دفع السودان ثمناً باهظاً تمثّل في التأثيرات البيئية والاجتماعية السالبة، ونزعِ الأراضي والتهجيرِ القسري لعشرات الآلاف من السودانيين. 
كان خزان سنار الذي بدأ بناؤه عام 1919 واكتمل عام 1925 أول سدٍّ يقام في السودان. وقد كانت تأثيراته الاجتماعية محدودةً بسبب صغر حجم البحيرة وقلّة السكان في منطقتها في ذلك الوقت. غير أن الثمن الذي دفعه السودان لقيام السدّ كان كبيراً وغيرَ مناسب. فقد اشترطت مصر على موافقتها لقيام خزان سنار، ومشروع الجزيرة الذي سيُروى من الخزان، موافقة السودان على قيام خزان جبل أولياء لمصلحة مصر الحصرية. كانت تلك أول مرةٍ في التاريخ البشري يُقام فيها سدٌّ في دولةٍ للمصلحة الكاملة لدولةٍ أخرى. 
6
بدأ العمل في خزان جبل أولياء في عام 1933 واكتمل العمل عام 1937. وقد كانت تأثيرات الخزان البيئية والاجتماعية كبيرة، وغمرت مياه بحيرة الخزان آلاف الأفدنة من الأراضي الزراعية الخصبة. وقد دفعت مصر مبلغ 750,000 جنيه استرلينى فقط كتعويضاتٍ لآلاف السودانيين الذين اضُطروا للنزوح بسبب إغراق أراضيهم الزراعية ومنازلهم، وكذلك لتغطية الأضرار التى أصابت بعض المباني والمنشآت الحكومية في تلك المنطقة. وقد رفض سكان بعض القرى حول مدينة القطينة النزوح وآثروا البقاء قرب البحيرة رغم التحذيرات من الأثار السالبة مثل أمراض الملاريا والبلهارسيا. وهذا الخيار أصبح شبيهاً بما عُرِف لاحقاً بـ “الخيار المحلّي.” ولأنه لم تكن هناك خطّة للري في السودان عموماً أو في منطقة القطينة تحديداً من خزان جبل أولياء فقد وافقت سلطات الحكم الثنائي على ذلك الخيار. لكن الجهات الرسمية التي وافقت على الخيار المحلّي في حالة المناصير وسدّ مروي عادت وتنصّلت منه، مما زاد من حدة النزاع والاحتقان بين المناصير والحكومة. 
ولأن خزان جبل أولياء كان سيخزّن مياه النيل الأبيض لمصلحة مصر أثناء فترة فيضان النيل الأزرق، فقد أصبح بإمكان مصر أن تروي أراضيها الزراعية خلال كل العام وليس فقط في فترة انسياب النيل الأزرق. وأصبح خزانُ جبل أولياء أول سدٍّ في العالم يُبنى في دولةٍ للمصلحة الكاملة لدولةٍ أخرى، إذ أن الخزان لم يشمل ولم تنتج عنه أيّة منافع للسودان. بل كانت هناك الكثير من الآثار السلبية على السودان، بما في ذلك الأراضي الزراعية الشاسعة الخصبة التي غرقت تحت بحيرة خزان جبل أولياء.
7
لكن خزان جبل أولياء أطّر وأكّد مبدأ “سدّ مقابل سدّ” – خزان جبل أولياء لمصلحة مصر مقابل خزان سنار لمصلحة السودان. 
عليه فعندما بدأت مفاوضات مياه النيل بين مصر والسودان عام 1954 وعرضَ السودانُ طلبَه بناء خزان الروصيرص لري امتداد المناقل لمشروع الجزيرة، كان ردُّ مصر الموافقة على خزان الروصيرص شريطة موافقة السودان على قيام السدّ العالي الذي سيغرق أراضي سودانية شاسعة. قدّمتْ مصرُ طلبَها ذلك بلا أدنى حرجٍ، مستندةً على سابقة خزان جبل أولياء. وقد وافق السيد خضر حمد وزير الري في أبريل عام 1955 في جولة المفاوضات الثالثة مع مصر على هذا الربط بين السدّين، على أن يتم تعويض أهالي حلفا الذين سيُغرِق السدُّ العالي أراضيهم تعويضاً كاملاً.
في 8 نوفمبر عام 1959، أي بعد أربعة أعوامٍ ونصف من موافقة السيد خضر حمد وحكومة السيد إسماعيل الأزهري على قيام السدّ العالي، وقّعت حكومة الفريق إبراهيم عبود على اتفاقية مياه النيل لعام 1959 مع مصر. وتضمّنت الاتفاقية موافقة السودان على الترحيل الكامل لأهالي حلفا في أقل من أربع سنوات، ووافقت مصر بعد لأيٍ وجهد، وبعد وساطة الرئيس عبد الناصر، على دفع مبلغ 15 مليون جنيه كتعويضاتٍ شاملة لأهالي وادي حلفا ولحكومة السودان.
8
بلغ عدد المهجرين قسريّاً من أهالي وادي حلفا 50,000 فرد، وبلغت القرى التي غرقت تحت بحيرة السدّ 27 قرية بالإضافة إلى مدينة وادي حلفا. غرقت مع هذه القرى مدارس ومستشفيات ومكاتب ومنشآت حكومية، وفنادق ومباني أندية رياضية واجتماعية، وخطوط سكك حديدية ومقابر أحبّاء المهجّرين وضرائح أوليائهم. واختفتْ تحت بحيرة السدّ التي امتدت لمسافة 150 كيلومتر داخل السودان أراضي زراعية خصبة فاقت مساحتها 200,000 فدان، بالإضافة إلى أراضي أخرى بنفس هذه المساحة كان يمكن استصلاحها وزراعتها، وغرقتْ معها أكثر من مليون شجرة نخيل وحوامض كانت في قمة عطائها.
كما غمرت مياه بحيرة السدّ، وإلى الأبد، آثار ومعالم تاريخية لاتُقدّر بثمن، لحضاراتٍ امتدت من شمال السودان وحتى ضفاف البحر الأبيض المتوسط. واختفى تحت البحيرة الشلال الثاني الذي كان يمكن أن يولّد أكثر من 650 ميقاواط من الكهرباء، كافيةً لإضاءة المديرية الشمالية وقتها بكاملها. وقد فاقت تكلفة ترحيل وتوطين أهالي وادي حلفا 37 مليون جنيه، أي حوالي 250% مما دفعته مصر للسودان وهو مبلغ 15 مليون جنيه. ولم يحظ السودان بأي نصيبٍ من الكهرباء التي ولّدها السد العالي والتي تجاوزت 2,000 ميقاواط. 
وهكذا أصبح السدُّ العالي السدَّ الثاني (بعد خزان جبل أولياء) الذي تمتد تأثيراته الكارثية في دولةٍ للمصلحة الحصرية لدولةٍ أخرى. من الجانب الآخر كانت التكلفة الاجتماعية والبيئية لخزان الروصيرص محدودةً نسبة لصغر الخزان الذي اكتمل عام 1966، ونسبةً لضعف الكثافة السكانية في المنطقة. 
9
تمّ تهجير أهالي حلفا إلى بيئةٍ تختلف اختلافاً تاماً عن بيئتهم، وفي منطقةٍ تبعد أكثر من 700 كيلومتر من موطنهم الأصلي، وبين مجموعاتٍ قبلية تختلف اختلافاً كبيراُ عنهم، ولم يكن لهم تداخل أو معرفة بها، وفي طقسٍ ماطرٍ راعدٍ لم يكونوا على درايةٍ به أو بآثاره إطلاقاً. وقد تعرّضوا بسبب ذلك الطقس لمشاكل صحية وأمراض لم يكونوا على معرفةٍ بها من قبل. وكانت الحكومة السودانية قد رفضتْ خيارات المهجّرين لمناطق إعادة التوطين التي اقترحتها عليهم بنفسها، وفرضتْ عليهم منطقة خشم القربة التي لم تكن ضمن أولويات خياراتهم. وقد قابل المهجّرون ذلك الإجراء التعسفي بالرفض، وأدّى ذلك بدوره إلى زيادة حدّة النزاع وتحويل عملية التهجير القسري إلى إجراءٍ استبداديٍ تعسفيٍ ظالم. 
ورغم أن السدّ العالي لم يكتمل حتى عام 1970، إلّا أن اتفاقية مياه النيل لعام 1959 ألزمت حكومة السودان “بأن تتخذ اجراءات ترحيل أهالي سكان حلفا وغيرهم من السكان السودانيين الذين ستُغْمَرْ أراضيهم بمياه التخزين بحيث يتم نزوحهم عنها نهائياً قبل يوليو سنة 1963.” عليه فإن الاتفاقية كانت قاطعةً ولم تترك أيّة مساحةٍ من المرونة للسودان إذا حدث أي طارئٍ أدّى إلى بعض التأخير. كما أن الوقت كان ضيقاً، ووضح هذا فى العجالة التي كان السيد حسن دفع الله، مفوّض الهجرة، مضطراً للتعامل بها لإنجاز مسئولياته بذلك التاريخ. 
كما لم تكن هناك اتصالاتٌ وتنسيقٌ بين المسئولين عن عملية التهجير فى السودان وبين منفّذي السدّ العالي فى مصر لضمان الربط بين التقدم فى بناء السدّ وتنفيذ عملية التهجير كما تقضي بذلك المعايير الدولية لإعادة التوطين القسري. وقد رفضتْ الحكومةُ المصرية الطلب السوداني بتأجيل برنامج التخزين فى بحيرة السدّ العالي لمدة ستة أشهر لإكمال بناء المنازل للمهجّرين بعد نشوب خلافاتٍ حادة مع شركة “تيرف” التي كانت تتولّى عملية البناء. عليه فقد تعثّرت عملية التهجير، وبدأ التخزين فى البحيرة، وبدأ إغراق الأراضي السودانية قبل إخلاء كل السكان المتأثرين، وقبل ترحيل الممتلكات الحكومية من المنطقة.
10
بالإضافة إلى مشاكل الطقس والبيئة التي تعرّض لها المُهجّرون، فقد تعالت الشكاوى أن التعويضات لم يتمْ تقديرها بطريقةٍ عادلة، ولا بالصورة التي تمّ الاتفاق عليها. كما برزت أيضاً مشكلة علاقات الإنتاج فى مشروع حلفا الجديدة الزراعي التي كانت مختلفةً تماماً عن الحرية التي كان يتمتع بها المزراعون فى حلفا القديمة. فقد كانوا في حلفا القديمة مُلّاكاً للأرض يتّخذون كافة قرارتهم بأنفسهم ويتحمّلون تبعاتها. لكن الزراعة فى مشروع حلفا الجديدة تخضع لعلاقات إنتاجٍ معقّدة ونظامٍ سلطويٍ مركزيٍ تحدّد فيه الشركة الزراعية نوع ووقت زراعة المحاصيل، ووقت حصادها، وتسليمها للشركة (مثلما كان النظام الزراعي وعلاقات الإنتاج فى مشروع الجزيرة)، مما جعل الزرّاع يحسون بأنهم مُستأجِرون وليسوا مزارعين أحرار كما كانوا فى منطقة حلفا القديمة.
وقد قلّت المساحة التي كانت تُروى من خزان خشم القربة (الذي اكتمل بناؤه عام 1964) في مشروع حلفا الجديدة الزراعي بصورةٍ كبيرة بسبب كميات الطمي الضخمة التي يحملها نهر عطبرة كل عامٍ من الهضبة الاثيوبية. فقد ترسّبتْ تلك الكميات من الطمي بمرور السنين في بحيرة السد وأضعفتْ إمكانيات تخزين المياه وتوليد الكهرباء بما يفوق النصف. وقد اضطر هذا الوضع الحكومات المتعاقبة في التفكير في حلٍ لمشكلة خزان خشم القربة. ونتج عن هذا الوضع مشروع سدّي عطبرة – أعالي سيتيت اللذين تقوم الحكومة حالياً ببنائهما، واللذين لم يخلوا من المشاكل الاجتماعية والبيئية، رغم قلة السكان المتأثرين مقارنةً بالسد العالي وسد مروي. 
كما زادت الشكوى من المهجرين أن أراضي المشروع (سهل البطانة) هي أراضي رعيٍ ولا تصلح للزراعة. عليه فقد أصبح لزاماً على الكثير من المهجّرين البحث عن وسائل كسب عيشٍ أخرى غير الزراعة. وقد حزم الكثيرون أمتعتهم وعادوا إلى مناطقهم التي أتوا منها، منضمّين إلى الآلاف الذين رفضوا التهجير القسري منذ بدايته، وأقاموا تحت ظروفٍ في غاية القسوة حول بحيرة السد العالي المتزايدة كل فترةٍ من الزمن، مما فرض عليهم رحيلاً دائماً. 

11
وقد أعاد التاريخُ نفسَه مرةً أخرى بعد قرابة نصف قرنٍ من الزمان بتكرار الظلم الاجتماعي والاقتصادي في التهجير القسري الذي ارتبط بسدِّ مروي للمجموعات المتأثّرة بالسدّ، وبتكرار المآسي التي تعرّضت وتتعرّض لها الأسر والمجموعات التي تمّ ترحيلها قسرياً – كما حدث للنوبيين السودانيين – جراء بناء سدّ مروي.
يقع سدّ مروي أو خزان الحماداب في نهاية الشلال الرابع الذي يغطي المنطقة من شمال مدينة أبو حمد وحتى جنوب مدينة نوري، عند منتصف المنحنى الجنوبي لنهر النيل. وهو أولُ سدّ على مجرى نهر النيل الرئيسي في السودان. وقد قسّمت إدارة السدّ المتأثرين إلى ثلاث مجموعاتٍ يمثّل الحماداب حوالي 7% (ويتمُّ إعادة توطينهم في مشروع الملتقى)، ويمثل الأمري 28% (ويتمُّ توطينهم في مشروع وادي المقدم)، بينما يمثل المناصير 65% من المتأثرين (ويتمُّ توطينهم في مشروع المكابراب جنوب شرق الدامر، ومشروع الفداء شمال مدينة أبو حمد حوالي 40 كيلومتر في صحراء النوبة). ويبلغ عدد المهجّرين قسرياً بسبب سدّ مروي حوالي 70,000 فرد، أي أنه تجاوز كثيراً عدد المهجّرين السودانيين بسبب السدّ العالي الذين بلغوا 50,000 فرد. 
وقد تعالتْ شكاوى المهجرين قسرياً بسبب سد مروي منذ البداية عن الوعود والاتفاقيات التي تم إبرامها مع المتأثرين وقامت السلطات بنقضها، وعن التقديرات والتعويضات الشحيحة والتي لم يتم دفعها بالكامل، وعن اللجان التي تمَّ تكوينها ثم تمَّ تجاهلها وإضعافها وحلّها، وعن الضغوط التي تعرض لها المهجّرون والتي شملت إغراق مزارعهم ومنازلهم قبل بدء عملية التهجير، وعن المعاناة والعوز والحاجة التي تعرضوا لها. وتعالت الشكوى عن الخيار المحلي الذي طالب به المناصير، وهو البقاء في مناطقهم الأصلية قرب بحيرة السدّ، والذي وافقت السلطات عليه قبل أن تعود وتتنصّل منه وترفض تطبيقه. 
كما أن سد مروي قد فشل لأسبابٍ يضيق المجال عن مناقشتها في هذا المقال في الوفاء بالوعد الذي قطعه المسئولون بإنتاج السد لأكثر من 1,250 ميقاواط من الكهرباء، ستكفي السودان وسوف يُصدّر يعضها لدوا الجوار. وقد هبط إنتاج كهرباء السد في بعض الشهور الماضية إلى حوالي النصف لتلك الكمية الموعودة. لهذه الأسباب فقد بدأ السودان في استيراد الكهرباء من إثيوبيا، كما سنناقش لاحقاً. 
12
كثيراً ما يُثار السؤال إن كانت هناك قواعد في القانون الدولي تتعلّق ببناء السدود وبالتهجير وإعادة التوطين القسرية الذي ينتج عنها، وعن السياسات والمعايير الدولية التي نتجت عن ممارسات المنظمات المالية الدولية. 
نعم، هناك قوانين وسياسات ومعايير دولية لبناء السدود ولعملية التهجير القسري الناتجة عنها نوجزها في الآتي: 
لقد أجازت الجمعيّة العامة للأمم المتحدة في 10 ديسمبر عام 1948 الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. ورغم أن الإعلان ليس معاهدةً دولية تقوم الدول بالتوقيع ثم التصديق عليها، إلّا أنه حَظِي بقبول دوليٍّ لا سابقة له أعطاه مكانةً لا تقِلُّ عن أيِّ معاهدةٍ دولية، وأصبحت نصوصه وروحه المصدرَ الأساسي للتشريعات العالمية والإقليمية والوطنية المتعلّقة بحقوق الإنسان، ومُكوِّناً أساسياً لمبادئ القانون العرفي فيه. وقد أشارت الديباجة إلى أن تناسي حقوق الإنسان وازدراءها قد أفضيا إلى أعمالٍ همجيةٍ أساءت إلى الضمير الإنساني، وكان غاية ما يرنو إليه عامة البشر انبثاق عالمٍ يتمتع فيه الفرد بحريّة القول والعقيدة ويتحرّر من الفزع والفاقة. كما أشار الإعلان إلى ضرورة أن يتولّى القانون حماية حقوق الإنسان لكيلا يضطر المرء آخر الأمر إلى التمرد على الاستبداد والظلم. 
وتُشير المادة 17 من الإعلان إلى حق كل شخصٍ في التملك سواءٌ كان بمفرده أو بالاشتراك مع غيره، وأنه لا يجوز تجريد أحدٍ من ملكه تعسّفاً. وقد أوضحت التعليقاتُ القانونية على هذه المادة وتفسيراتُ المحاكم لها حقَّ الدولة في الاستيلاء على أراضي الأفراد أو الجماعات شريطة أن يكون هذا النزع للمصلحة العامة، وأن يصاحبه دفع التعويض العادل والفوري لأصحاب الأراضي التي تمَّ نزعها.
13
بعد حوالي العقدين من صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أجازت الجمعية العامة للأمم المتحدة في 16 ديسمبر عام 1966 العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وقد دخلت هذه المعاهدة حيّز التنفيذ في 3 يناير عام 1976. وقد صادقتْ عليها حتى اليوم 161 دولة من بينها السودان. وتمّت موافقة الجمعية العامة للأمم المتحدة في نفس اليوم على العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. 
وقد أشار العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية إلى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وأكد أن السبيل الوحيد لتحقيق المُثل العليا التي تضمّنها الإعلان في أن يكون البشر أحراراً ومتحررين من الخوف والفاقة هو تهيئة الظروف الضرورية لتمكينِ كلِ إنسانٍ من التمتّع بحقوقه الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وكذلك بحقوقه المدنية والسياسية. وأكّدتْ المادة 11 إقرار الدول الأطراف في العهد بحق كل شخصٍ في مستوى معيشي كافٍ له ولأسرته، يوفّر ما يفي لهم بحاجتهم من الغذاء والكساء والمأوى، وبحقّه في تحسينٍ متواصلٍ لظروفه المعيشية، كما أكّدتْ أيضاً تعهّد هذه الدول باتخاذ التدابير اللازمة لإنفاذ هذا الحق. وهذا التعهد يتمُّ بإصدار الدول الأطراف في العهد القوانين المتضمنة لالتزاماتها، ورصد الميزانية التي تفي بتنفيذ هذه الالتزامات. 
وقد تمّت مصادقة السودان على العهدين في 18 مارس عام 1986، في أخريات أيام حكومة انتفاضة أبريل.
14
وكما ذكرنا من قبل فقد أصدرت معظم المنظمات المالية الدولية وعلى رأسها البنك الدولي، وبنك التنمية الأسيوي، وبنك التنمية الأفريقي، والبنك الأوروبي للإنشاء والتعمير، وبنك الأمريكتين للتنمية، سياساتٍ للعمليات تنظّم مسألة إعادة التوطين القسْريّة التي تنتج عن المشاريع التي تقوم هذه المنظمات بتمويلها (خصوصاً السدود)، وحقوق المجموعات التي يتم ترحيلها قسْريّاً والتفاصيل المتعلّقة بإعادة توطينها. ورغم أن هذه السياسات جاءت متأخرةً، إلّا أنها، وبسبب ضغوط منظمات المجتمع المدني والمؤسسات الأكاديمية، جاءت شاملةً ومتكاملةً.
وكما أشرنا أيضاً من قبل فقد أصدرت المفوضية الدولية للسدود التي تمّ تكوينها عام 1997 تقريراً مفصلاً عام 2000 بعنوان “السدود والتنمية – إطار عملٍ جديد لاتخاذ القرارات.” وقد تعرّض هذا التقرير إلى كافة المسائل المتعلّقة بالسدود شاملةً الاقتصادية والتمويلية والهندسية والبيئية والاجتماعية والقانونية ومسائل الأنهار المشتركة، وتضمّن التقرير نقداً قاسياً للطريقة التي تمّ بها بناء السدود. وشمل التقريرُ توصياتٍ عديدة في كلٍ من هذه المجالات، أهمها حق المجموعات المتأثّرة بالسدود في رفض المشروع. وقد حظي التقرير بقبولٍ ومكانةٍ وشرعيّةٍ كبيرة لأن اللجنة التي قامت بإعداده مُثِّلتْ فيها قطاعاتٌ واسعةٌ من المجتمع شملت حكومات الدول المتقدمة والنامية، والمؤسسات الدولية والأكاديمية ومؤسسات المجتمع المدني والقطاعين الخاص والعام. كما أن اللجنة قد ترأسها أكاديميٌ وقانونيٌ وسياسيٌ من الدول النامية، يحظى باحترامٍ دوليٍّ كبير، وهو الدكتور كادر أسمل والذي كان وقتها وزيراً للموارد المائية في جمهورية جنوب أفريقيا.
عليه فإن المبادئ التي تضمّنها الإعلان العالمي لحقوق الانسان، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وسياسات المنظمات المالية الدولية وعلى رأسها البنك الدولي، وتقرير المفوضية الدولية للسدود تُرسِي معايير وقواعد أساسية ومتكاملة للكيفيّة التي يجب أن يتم بها بناء السدود وإعادة التوطين القسْريّة للمجموعات المتأثرة بالسدود.
15
ويمكن تلخيص المبادئ والمعايير الأساسية والإجراءات الوقائية التي تضمّنتها سياسات المنظمات المالية الدولية، وتوسّعت فيها المفوضية الدولية للسدود لمعالجة وتخفيف المخاطر التي يتعرّض لها الأشخاص والمجموعات التي يتمُّ ترحيلها قسْريّاً، في الآتي: 
أولاً: يجب تجنّب إعادة التوطين القسْريّة حيثما كان ذلك ممكناً عملياً، أو تقليلها إلى أدنى حدٍ ممكنٍ، وبحث جميع تصميمات المشروعات البديلة من جميع النواحي، وبالتشاور الجاد مع المجموعات المتأثّرة. وقد ركّزت المفوضية الدولية للسدود على مبدأ البدائل للسدود لأن موقفها كان ناقِداً لطريقة بناء السدود. بل إن المفوضية طالبتْ أن تحصل الحكومة على الموافقة المسبقة والحرة والمبنية على المعلومات المتكاملة للمجموعات المتأثّرة بالسد قبل الشروع في بناء ذلك السد. 
ثانياً: حيثما لا يكون ممكناً عملياً تجنّب إعادة التوطين، يجب تخطيط وإعداد وتنفيذ أنشطة إعادة التوطين باعتبارها برامج تنمية مستدامة، تُوفِّر موارد استثمارية تكفي لتمكين الأشخاص الذين يُهجّرون قسْريّاًّ بسبب المشروع من المشاركة في الاستفادة الكاملة من منافع المشروع من مياه ريٍ وشربٍ وكهرباء، وكذلك فرص العمل في المشروع، وتكون لهم الأسبقية في ذلك. 
ثالثاّ: يجب إجراء مشاوراتٍ جادّةٍ مع المهجّرين بشأن خيارات إعادة التوطين شاملةً المواقع المُقترحة لإعادة توطينهم. كما يجب أن تُتاح لهم فرص للاشتراك في تخطيط وإعداد وتنفيذ برامج إعادة التوطين.
رابعاً: يجب مساعدة المهجّرين في جهودهم لتحسين مصادر أرزاقهم ومستويات معيشتهم التي كانوا عليها قبل التهجير، أو على الأقل إعادتها، بالقيمة الحقيقية، إلى مستوياتها السابقة للتهجير.
خامساً: تتضمّن خطة إعادة التوطين إجراءات لضمان أنّ المُهجّرين:
(1) يحصلون على معلوماتٍ كاملةٍ عن الخيارات المتاحة لهم وحقوقهم المتعلّقة بإعادة التوطين، بما في ذلك خيارات التوطين حول المشروع لضمان الاستفادة منه (الخيار المحلي). 
(2) يُسْتشارون وتُعْرض عليهم وتُقدّم لهم بدائل إعادة توطين ممكنة التنفيذ فنياً واقتصادياً. 
(3) يُقدّم لهم تعويضٌ فوريٌ وفعّال على أساس تكلفة الإحلال الكاملة عن الخسائر في الأصول (الأراضي والمباني والمحاصيل وأشجار الثمر) التي يُعزى فقدانها إلى المشروع. 
(4) يحصلون على مساكن أو مواقع إسكان، ومواقع زراعية (إذا نُزِعت منهم أراضي زراعية) يكون مجمل إمكاناتها الإنتاجية ومزايا موقعها والعوامل الأخرى معادلةً على الأقل لمزايا الموقع القديم، إضافةً إلى الخدمات الأساسية من تعليم وصحة وطرق ومياه وكهرباء.
(5) يحصلون على مساندةٍ بعد تهجيرهم، لفترةٍ انتقاليةٍ، على أساس تقديرٍ معقولٍ للوقت الذي يحتمل أن يكون لازماً لاستعادة مصادر أرزاقهم ومستويات معيشتهم.
(6) يحصلون على مساعداتٍ إنمائية مثل إعداد الأراضي، أو التسهيلات الائتمانية، أو التدريب، أو فرص العمل.
سادساً: تُحدِّد خطة إعادة التوطين الإطار التنظيمي لتنفيذ عملية إعادة التوطين، بما في ذلك تحديد الهيئات المسئولة عن تنفيذ إجراءات إعادة التوطين وتقديم الخدمات، وترتيبات ضمان التنسيق الملائم بين الهيئات وجهات الاختصاص المشتركة في التنفيذ وتمثيل مجموعات المهجرين تمثيلاً حقيقياً. وتشمل الخطة جدولَ تنفيذٍ يُغطّي جميعَ أنشطة إعادة التوطين من الإعداد وحتى اكتمال التنفيذ. ويجب أن يبيّن الجدولُ كيفيةَ ربط تنفيذ إعادة التوطين بتنفيذ المشروع ككل بحيث يسيران في خطى متناسقة، لمنع أن يكتمل المشروع قبل أن تكتمل عملية إعادة التوطين.
سابعاً: تشمل خطة إعادة التوطين الجداول التي تبيّن تفاصيل بنود تقديرات تكاليف جميع أنشطة إعادة التوطين، والجداول الزمنية للنفقات، ومصادر التمويل، وترتيبات تدفق الأموال في الوقت الذي تحتاجها الأنشطة. 
ثامناً: تُحدّد خطة إعادة التوطين إجراءاتٍ معقولة التكلفة وسهلة لقيام طرفٍ ثالثٍ مستقلٍ وله مصداقيته بتسوية النزاعات الناشئة عن إعادة التوطين، شاملةً حق اللجوء إلى القضاء. 
16
هذه معاييرٌ ومبادئ أساسية تؤكّد حق الدولة في نزع أراضي مواطنيها للصالح العام (بتعريفٍ دقيقٍ ومتكامل)، ولكنها تضع قيوداً صارمةً على الدولة لاستعمال هذا الحق حتى تنال المجموعات المتاثّرة حقوقها كاملةً. وتجعل هذه المبادئ من عملية إعادة التوطين القسْريّة مشروعاً تنموياً يكون المُهجّرون أولَ مستفيدٍ منه. وتضع هذه المبادئ قاعدةً أساسيةً وهي أن تكون نتيجة إعادة التوطين هي تحسين مصادر أرزاق المهجّرين ومستويات معيشتهم، أو على الأقل إعادتها، بالقيمة الحقيقية، إلى مستوياتها السابقة للتهجير.
لقد احتضنت الكثير من الدول في أوروبا وآسيا وأفريقيا والأمريكتين هذه المعايير وأصدرت تشريعاتٍ وسياساتٍ لإعادة التوطين القسْريّة عكستْ هذه المعايير والمبادئ. وقد لعبتْ منظماتُ المجتمع المدني والمؤسسات الأكاديمية دوراً بارزاً وفعّالاً في ترسيخ هذه القِيم والمعايير وضمان الالتزام بها وتنفيذها. 
17
نصل بعد هذا السرد والتحليل إلى السدود الثلاثة المقترحة والتي تنوي الحكومة السودانية بناءها على نهر النيل الرئيسي في السودان: كجبار على الشلال الثالث، الشريك على الشلال الخامس، ودال على ما تبقّى من الشلال الثاني. وقد بدأت الحكومة السير قدماً في ذلك الطريق، ووقّعت على مذكرات تفاهم لتمويل هذه السدود مع حكومة المملكة العربية السعودية وصناديقها المالية.
غير أن أصوات الذين سوف يتأثرون بهذه السدود والمتعاطفين معهم داخل وخارج السودان، تعالت في الأسابيع الماضية، رافضةً رفضاً قاطعاً لهذه السدود. وقد وصلت هذه الأصوات إلى دوائر الحكومة السعودية ومنظماتها وصناديقها المالية، مثلما حدث مؤخّراً خلال الاجتماع الخاص بالتمويل، والذي تمّ عقده في فندق السلام روتانا في الخرطوم. 
كان واضحاً أن تجربة التهجير القسري بسبب السد العالي وسد مروي وما صاحبهما من مراراتٍ وظلمٍ ونقضٍ للوعود والاتفاقيات التي عقدتها الحكومتان المركزية والولائية، وكذلك وحدة بناء السدود، مع مجموعات المتأثرين وممثليهم قد غذّى ذلك الرفض القاطع. كما غذاها أيضاً إطلاق مجموعات الأمن النار على المتظاهرين في شهر يونيو عام 2007 احتجاجاً على سد كجبار، ومقتل أربعةٍ وجرح سبعةٍ منهم.
18
لا بُدّ من الإشارة هنا إلى أن النوبيين السودانيين الذين تمّ تهجيرهم بسبب قيام السد العالي، وكذلك المجموعات التي تم تهجيرها بسبب سد مروي، كانت قد وافقت صراحةً في البداية على قيام السد وما سيتبعه من التهجير. وقد انبنت تلك الموافقة على تقديم الفائدة العامة من السدين على السودان على التأثيرات القاسية المتوقّعة على المهجّرين. بمعنى آخر، فقد قدّم المهجّرون المصلحةَ العامة على مصلحتهم الخاصة. وقد كان ذلك قراراً وطنياً شجاعاً وكريماً أشادتْ به غالبية الشعب السوداني وقتها. 
غير أن الحكومة في الحالتين تراجعتْ لاحقاً عن اتفاقياتها والتزاماتها مع المهجّرين، ونشب بسبب ذلك صراعٌ حاد، تعقّد وتحوّل إلى معارضةٍ للتهجير القسري، ثم للسدين نفسيها. لكن تلك المعارضة أتت متأخرةً، وقامتْ بعد أن قطع العمل شوطاً كبيراً في بناء السدين. وهذا يوضّح ويعضّد ويقوّي حجج المعارضة المسبقة هذه المرة، ورفضها للسدود الثلاثة المقترحة، وبهذه الصورة القوية والصوت العالي، وفي هذا الوقت المبكر.
من الواضح أن حالة الاحتقان حول السدود الثلاثة المقترحة هذه في طريقها إلى التزايد والتطور. عليه فلا بد للمسئولين من التوقّف ودراسة البدائل ومشاركة المتأثرين والخبراء مشاركةً فاعلة في اتخاذ القرارات المتعلّقة بهذه السدود هذه المرة، بما في ذلك الاعتراف بأن تشييد أيٍ من هذه السدود الثلاثة يجب أن ينبني على موافقة المتأثرين المسبقة والحرة والمبنية على المعلومات المتكاملة، كما أوصت بذلك المفوضية الدولية للسدود، ولتفادي التجربتين الكارثيتين السابقتين. وكما ذكرنا أعلاه، قد كانت هناك الموافقة المسبقة للسد العالي وسد مروي من المتأثرين، غير أن الالتزامات والاتفاقيات التي انبنتْ عليها تلك الموافقة لم يتم الالتزام بها من الجانب الحكومي في الحالتين. 
19
ذكرت الحكومة السودانية أن الغرض من هذه السدود الثلاثة سيكون توليد الكهرباء التي يحتاجها السودان بشدّة لتغطية عجزه الذي يفوق 40% من إنتاجه، وأضافت أن هذا العجز يتزايد كل يوم. 
إذا كان هذا فعلاً هو الغرض من هذه السدود، فإن سدود إثيوبيا وإنتاجها الكهربائي الكبير والمتزايد يمكن أن تمثّل بدائل واقعية وعملية واقتصادية لسدود السودان، ويجب دراسة هذه البدائل والتفاوض مع إثيوبيا حولها بجدّية وعناية. فكهرباء إثيوبيا أرخص في تكلفتها المالية كثيراً من كهرباء سدود السودان. كما أن سدود السودان ستكلف السودان أموالاً لا يملكها، وأراضي خصبة لا يسهل ضياعها، وعملية إعادة توطين قسريّة سوف يصعب كثيراً تنفيذها، وآثار تاريخية سوف يحاسبنا التاريخُ على إغراقها حساباً عسيراً هذه المرّة. 
ولا بُدَّ من إضافة أن التبخّر من سدود إثيوبيا يقِلُّ كثيراً من التبخّر الضخم من سدود مصر والسودان بسبب اعتدال الطقس في إثيوبيا وعمق بحيرات السدود هناك (سوف يتبخر ملياران فقط من المياه من سد النهضة الذي يُتوقّع أن ينتج 6,000 ميقاواط من الكهرباء، مقابل 17 مليار من سدود مصر والسودان التي تنتج نصف هذه الكمية). وهذا بدوره سيوفر قدراً كبيراً من مياه النيل الضعيفة أصلاً، والمهدرة في بحيرات سدود مصر والسودان. 
وسيصل إنتاجُ إثيوبيا من الكهرباء إلى 17,000 ميقاواط في نهاية عام 2017، مع اكتمال سد النهضة وسدود نهر أومو الثلاثة. وسوف يزداد ذلك الإنتاج الكهربائي مع البناء المتواصل في إثيوبيا للسدود على أنهارها الاثني عشر. ولن تحتاج إثيوبيا إلى أكثر من نصف هذه الطاقة الكهربائية في الوقت الحاضر لمقابلة احتياجاتها المحلية. وقد دخلت إثيوبيا في تعاقداتٍ ومذكرات تفاهم وتفاوضات لبيع كمياتٍ من هذه الكهرباء مع السودان وجيبوتي وجنوب السودان وكينيا ويوغندا وتنزانيا واليمن ومصر، وحتى الصومال. 
ويستورد السودان حالياً 250 ميقاواط من الكهرباء من إثيوبيا عبر خط نقل الكهرباء الذي تمّ تشييده وتغطية تكلفته الكاملة بمنحةٍ (وليس قرض) من مموّلي مبادرة حوض النيل التي أشرف عليها البنك الدولي. وقد كان خط الربط ذاك واحداً من ثمرات التعاون تحت مظلّة المبادرة، وحافزاً للعمل الجماعي بين دول الحوض. ويمكن تقوية هذا الخط بتكلفةٍ متواضعة لن تزيد عن 10% من تكلفة السدود الثلاثة المقترحة، لنقل المزيد من الكهرباء الإثيوبية إلى السودان. 
وكانت إثيوبيا قد قرّرت في منتصف العقد الماضي أن تستغل طاقتها الكهربائية من أنهارها والتي تزيد عن 45,000 ميقاواط، منها 30,000 ميقاواط من مياه النيل، استغلالاً تاماً، وأن تصبح قوّةً إقليمية في هذا المجال. ومن الواضحٌ أن إثيوبيا سائرةٌ بخطى حثيثة، وبلا تردّد، في هذا الطريق، وسيكون لديها الكثير من الطاقة الكهربائية للبيع لدول الجوار. 
هناك التخوّفات التي يثيرها البعض من أن إثيوبيا قد توقف المدَّ الكهربائي للسودان متى أرادتْ ذلك. لكن يجب التذكير هنا أن هذه المسائل تحكمها اتفاقيات قانونية دولية، ولا يمكن لأية دولة التعامل معها بهذه البساطة والاستخفاف. كما تحكمها أيضاً المصالح المشتركة واحتياجات إثيوبيا إلى السودان في مسائل أخرى كثيرة. 
20
توضّح الفقرات السابقة من هذا المقال بجلاء أن مشكلة السدود في السودان منذ بداية القرن الماضي ومروراً بالأحداث الجسام التي وقعت هذا القرن هي قضيةٌ قومية سودانية تحتاج إلى نظرة ودراساتٍ علمية متكاملة ومتأنيّة. ولا بُدّ أن تشمل هذه النظرة والدراسات المعاييرالدولية لبناء السدود والتعامل مع المتأثرين بها بمقتضى تلك المعايير التي أصبحت تتطلّب موافقتهم الحرة والمسبقة. كما لا بُدَّ أن تشمل أيضاً حلولاً علمية منها الهندسة والاقتصاد فيما يتعلق بالبدائل للسدود. 
كما يجب أن تشمل النظرة والدراسات أيضاً العدلَ الاجتماعي والتوزيعَ المنصفَ بين كل الفئات لما قد تحقّقه هذه السدود من فوائد في الكهرباء ومياه الري والشرب. إذ كيف يعقل أن يولّدَ خزانُ الروصيرص والسدُّ العالي وسدُّ مروي الكهرباء وتكون قرى الدمازين وما تبقّى من قرى وادي حلفا ومدن ومعسكرات المهجرين قسريّاً من سدّ مروي ترزح في الظلام؟ وأيّة عدالةٍ أو شريعةٍ تلك التي تسمح بأخذ أراضي المهجرين قسريّاً وريّها من السدّ الذي أفضى إلى تهجيرهم، ثم تقوم الجهات الحكومية بتوزيع تلك الأراضي نفسها على شركاتٍ أو جهاتٍ أو أفراد من خارج دائرة المهجرين قسرياًّ؟
حقّاً إن قضيّة السدود في السودان قضيّة قومية وعلمية عاجلة، لأن تأثيرات وتعقيدات هذه السدود سوف تتمدّد أفقياً ورأسياً، ولأجيال وأجيال قادمة، كما حدث جراء كارثة السد العالي قبل أكثر من نصف قرنٍ من الزمان. ومن الواضح والمؤكّد أنه لا مجال ولا عقلانية في التعامل السياسي والأمني فقط مع مسألة السدود، أو التسرّع في التنفيذ. 

Salmanmasalman@gmail.org