سيف الدولة حمدنا الله كل من شاهد مقطع الفيديو الذي ظهرت فيه الطبيبة الشابة إسراء أحمد وهي تخطب في زملائها الأطباء وطلبة الطب وتحكي عن همومها بقضايا الوطن، كل من شاهد هذا المقطع لا بد أن تكون عروقه قد عادت تنبض بالأمل في مستقبل قادم للبلاد، ويشعر بأن الوطن لا يزال بخير، 

وأن أجيالنا القادمة واعية وقادرة على حمل الراية، وأن شباب الجِل وكريمات تفتيح البشرة وأغاني وأغاني ما هو إلاّ هو قشرة تحجب الضوء عن ملايين الشباب من أمثال “إسراء” الذين يأكلون النار.

قيمة خطاب هذه الطبيبة الكَلَسة أنه تجاوز النظر إلى مشكلة زملائها الأطباء من كونها إحتجاج على قرار أرعن لوكيل نيابة قام بتقديم ثلاثة من زملائها للمحاكمة بتهمة القتل العمد، وبما يكشف عن إفتقار وكيل النيابة لإدراك ما هو معروف لرجل الشارع من قواعد القانون، فالوكيل السفري لا وكيل النيابة يعرف أن الطبيب إذا إرتكب خطأ طبياً (بإفتراض حدوثه)، لا توجّه إليه مثل هذه التهمة، فقد تجاوز خطاب الطبيبة إسراء الحديث عن هذه الواقعة وقالت بأن ما يشغل همها هو مشكلة الوطن لا مشكلة الأطباء، وأن الذي يؤرقها ليس سوء حال وظيفتها التي تجعلها تتقاضى خمسة جنيهات للمبيت في عمل الوردية الليلية، أو لأنها هي وزميلاتها يقضون الليل “شمّاعة” بإستراحة المستشفى لعدم وجود مكان للنوم، وأن الذي يفطر قلبها كطبيبة أنها تجد نفسها عاجزة عن خدمة المريض وهي ترى روحه تتسرب من بدنه أمامها، ولأنها تضطر لأن تطلب من المريض أن يُجري الفحص لتشخيص حالته في عيادة خارجية بمبالغ كبيرة وهو مُعدم وفقير، ونفس الأجهزة مُعطّلة بالمستشفى ولا يوجد من يهتم بصيانتها، وأن الفحوصات التي تُجرى بالمستشفى تعطي قراءات خاطِئة ومُضلِّلة. 

لا شيئ يضير بالمستشفيات العامة ويجعلها بمثل هذا المستوى التعيس سوى أن أصحاب السلطة وذويهم لا يتعالجون فيها، وقد عجبت لما ورد على لسان رئيس الجمهورية من حديث تمسخر فيه من تردّي الحال بمستشفيات الدولة بحسب ما أبلغته به إبنة شقيقته التي راعها ما رأته بمستشفى عمومي وقالت له – بحسب تعبيره – أن الذي يدرس الطب ستة سنوات في هذا البلد يكون زول مجنون، ومضى الرئيس لمقارنة حال الأطباء بإبنة شقيقته وقال بأنها خريجة كلية الإعلام درست أربعة سنوات وتجلس على مكتب نظيف ومكندش، وكأن هذا حال بقية أمثالها من الخريجين أو أن مسئولية تصحيح هذا الإختلال تقع على دولة الجيران.

ليس هناك من أهل النظام وأنجالهم من يذهب إلى قسم الحوادث بمستشفى عمومي أو يرقد بعنبر باطنية أو ولادة، وقد طالعت قبل أيام وثيقة بتوقيع مدير مكتب نائب والي الخرطوم تتضمن أسماء عيال معاليه وزوجته وتطلب إعتمادهم للعلاج بمستشفى “رويال كير” على حساب الولاية، وهذا فضل من نائب الوالي فهناك غيره من رتق طبلة أذن إبنه بمستشفى (ماي كلينيك) بالولايات المتحدة، ومثله كثيرون وزراء وولاة يطببون أسنانهم بمستشفيات بمستشفيات أوروبا وتركيا وماليزيا والأردن ..الخ.

كلما جاء الحديث عن بؤس المستشفيات، ذهب بصري نحو سخاء الدولة في تشييد مئات المباني للمحاكم على النحو الذي تراه العين في كل مدن السودان، وهي مباني أبّهة وعلى أحدث طراز، طراز البيت الأبيض الأمريكي، وما توفّره الدولة بها من أثاث ونظم تقنية حديثة وسيارات ..الخ، برغم أن العدالة لا يلزمها مبنى لأن تسود – كخدمة عامة – بين الناس، فالقضاة الأفذاذ الذين قام على أكتافهم إرث العدالة الذي يفتخر به السودان بين الأمم، فعلوا ذلك وهم يجلسون على كراسي خيزران بمكاتب تتم تهويتها بفتح الشبابيك، وحتى قيام الإنقاذ، كان هناك ما يُسمّى “قاضي المرور” وهو قاضٍ يطوف بين المدن والقرى في المناطق النائية بعربة بوكس بكابين واحد ليس معه غير كاتب الجلسة وحاجب، وكانوا يعقدون جلسات المحاكم الكبرى للنظر في جرائم القتل والحروب القبيلة ..الخ بديوان العمدة أو تحت شجرة جُمّيز، وكانت الأحكام التي يُصدرونها في غاية الدقّة والتجويد، وبلغة رصينة تأخذ الألباب.

نعم، لا يحتاج تطبيق القانون لقصور عدالة بحسب التسميات السائدة اليوم، فالعدالة لا يلزمها غير ورقة وقلم، بخلاف خدمة علاج المرضى التي تلزمها مثل هذه المباني ليرقد عليها المرضى في العنابر وتقام بها غُرف العمليات الجراحية وغرف الإستراحة للأطباء المُناوِبين..الخ.

ثم، أين العدالة التي يُقام لها قصر وهي لا تُقام إلاّ على البسطاء والمساكين فيما تترك القتَلة واللصوص الحقيقيين، ما بال النيابة تريد أن تُرسل أطباء إلى حبل المشنقة (عقوبة القتل العمد) بتهمة خطأ طبي مشكوك فيه، وهي لا تريد أن تُحرّك ساكناً في قضايا المال العام الذي يقوم اللصوص بتقاسمه أمام عيون الأشهاد !! وقصورهم ودِعة عيشهم تحكي عن حالهم، ماذا فعلت النيابة في الشكوى التي تقدم بها  عدد من المحامين منذ شهور طويلة ضد وكيل ديوان النائب العام ومدير الأراضي السابق والتي تضمنت إتهامه بالحصول عن طريق غير مشروع على أراضي الدولة !! ثم، ما الذي قامت به النيابة حيال جريمة التأثير على سير العدالة التي ضُبطت وزيرة الدولة بوزارة العدل مُتلبسة بإرتكابها !!

أي عدالة هذه التي يقوم بتنفيذها قضاة لا يزالوا يعملون – على مستوى المحكمة العليا – بنظام المقطوعية الذي أدخله رئيس القضاء السابق جلال محمد عثمان !! وهم قانونيون من أرباب المعاشات يتعاقد معهم رئيس القضاء معهم ليقوموا بالفصل في القضايا من منازلهم في مقابل مبلغ مقطوع شهرياً دون أن يكونوا أعضاء بالسلطة القضائية !!

أي قضاء الذي يستحق أن تُنشأ له هذه القصور وهو لا يُدرك دوره فينصرف للقيام بمهمة تفريغ تكدّس النزلاء بالسجون، تماماً مثلما يفعل يوسف عبدالفتاح بميناء بورتسودان !! وهو عمل – تفريغ السجون – ليس من مهام القضاء، فدور القضاء ينتهي بصدور الأحكام التي تتولى أمرها بعد ذلك السلطة التنفيذية،  واللجنة التي قامت بتفريغ السجون قام بتشكيلها رئيس القضاء برئاسة نائبه محجوب الأمين الفكي (محجوب الأمين واحد من بين سبعة قضاة كانوا قد تخاذلوا عن زملائهم في إضراب القضاة 1983)، واللجنة تقوم بهذا العمل على نحو “الأوكازيون” الذي تقوم به المحلات التجارية في مواسم الركود، فليس هناك سند في القانون يتيح لأي جهة مراجعة الأحكام بعد سريانها فوق مدة معلومة، ثم، أي عقل يقبل أن تستطيع لجنة النظر في الأوراق والبت فيما يجاوز ألف وثمانمائة حالة أفرجت عنها وتقول أن ذلك قد تم وفق ضوابط وأسس سليمة ولماذا لم تُفرج عن بقية المحكومين !!

لا شك أن ما قام به الأطباء صحوة سوف تعود بها الروح ليقوموا وغيرهم من المهنيين بإحياء العمل النقابي للدفاع عن مصالحهم، ومصالح الوطن، ومن ثم يحدث التغيير الذي لا ريب آتٍ.

شكراً دكتورة إسراء ،،

سيف الدولة حمدناالله

saifuldawlah@hotmail.com