صلاح شعيب عزف الصديق الدكتور حسن الجزولي سيمفونية كروية رائعة عن الراحل المحينة الذي فضحتنا حالته في أيامه الأخيرة، وأوجدت الدمع السخين. 

لقد أعادتني حروف الجزولي إلى أيام خلت في الصحافة الرياضية التي تعلمنا أبجدياتها على يد الأساتذة عمر عبد التام، وأحمد محمد الحسن، وحسن مختار، وعبده قابل، وعوض أبشر، ومصطفى عالم، وحسن عز الدين، ومحمد أحمد دسوقي، ومحمود شمس الدين، ومحمد محمود هساي، وعيسى السراج، وآخرين. وأولئك هم أكابر نقاد الرياضة الذين كانوا يموسقون الحرف، ويلتزمون بحيادية، ومهنية كبيرة. ما كتبه الجزولي يندرج تحت باب الأدب الرياضي الذي كانت أندية القمة تنتجه عبر مشجعيها المثقفين. كان هناك أدباء الهلال بقيادة الشاعر أبو آمنة حامد، ودياب إدريس، وعبد الرازق سعيد “ود الهلال”، وعبد المنعم شجرابي، وأحمد دولة، وأحمد الطيب المحينة، ومحمد الساري إبراهيم، وسيد أحمودة. وهناك أدباء المريخ أمثال الأستاذ حاج حسن عثمان، وشاعر العربية والإنجليزية البارع مرسي صالح سراج، والأديب علي المك، والأستاذ أدهم علي، والإداري طه محمد طه، والأديب الصوفي صالح بانقا ابن البان، والشاعر عمر محمود خالد، والمهندس المثقف سيف الدين حسن بابكر، والشاعر الأريب فتح الله إبراهيم، وفوق كل هؤلاء كان هناك الشاعر محمد عبد القادر كرف الذي كتب:
عشت يا مريخ موفور القيم، ناهض العزة خفاق العلم
خطوك الوثاب في ركب الأمم جناح النسر يجتاح القمم
بصورة ما كان كل أولئك القباطنة هم المثقفون الرياضيون، أو الرياضيون المثقفون الذين زينوا الحقل الرياضي بجماليات الكلم، ونثروا فيه ثقافة رياضية لا بد أن قد وقف مثقفو اليوم عليها. كانوا كعارفين بجواهر الكلم لا يتعالون على الرياضيين كما هو شأن مثقفين كثر. ولعل أكثر نموذج للتواضع أمام مبدعي الرياضة تمثل في ارتباط الطبيب والأديب محمد عبد الحليم الذي كتب “موت دنيا” مع قريبه محمد أحمد المحجوب. ولكن تمثلت المساهمة بالكتابة الرياضية أكثر ما تمثلت في شخص الأديب المريخي علي المك، والذي كان يغشى تمارين أستاد المريخ في العرضة بانتظام. وفي يوم أتى صاحب “مدينة من تراب” مبكرا، وجلس في مقعده في المقصورة، إذ تجده يتبادل القفشات مع شاخور تارة، ومع بقية حجاج المريخ تارة أخرى، وهم حاج زروق، وحاج مزمل، وحاج التوم الجرق، وحاج حسن عثمان. ولكن بعد هنيهات انتبه علي المك إلى هدير الأستاد بعد وصول اللاعب الأسطورة برعي أحمد البشير الذي جلس في المسطبة الجنوبية وسط تصفيق الجمهور له. لم يهدأ ذهن البروف الذي تذكر مجد برعي، وزميليه جاد الله، وقرعم. وما لبث أن هبط من المقصورة، وذهب مباشرة إلى حيث يجلس برعي. حياه بحرارة ثم صعد به إلى المقصورة وسط هتاف المشجعين المريخاب. أجلسه في كرسيه، وقال له مكانك هنا في العلالي يا أستاذ برعي. والحقيقة أنه لم تكن تلك حالة فريدة من حالات الرياضة العاصمية ونواميسها. ففي كل مدن السودان كانت هناك نماذج للتراتبية الرياضية التي لا يتجاوزها أحد بقليل، أو كثير، من تنطع كما هو حال بعض متسلقين كثر في مجالات عديدة. لقد كان هناك شعراء، وأدباء، يعمقون التربية الرياضية المثقفة في بورتسودان، ومدني، والقضارف، ونيالا، وكسلا، وكادقلي، والأبيض، وعطبرة، والفاشر، وجوبا، والمناقل، والدمازين، ودنقلا، وغيرها من المدن الكبيرة. كانت سوح الرياضة تستقطب كل فئات المجتمع، بأجياله، وتنوعاته الشاملة. ولعلها السوح الوحيدة التي تحقق فيها مفهوم السودان الجديد الذي حلم به الشاعر سعد الدين فوزي في الخمسينات. والملاحظ أن هذا التنوع الكثيف الذي انعكس على أروقة الرياضة بكل ضروبها لم يتحقق إلا على مستوى الأدب، والغناء. ولكن شمول التعدد في الرياضة يفوق التنوع الذي انعكس على مستويات الحكم، أو أجهزة الإعلام، أو التمثيل الدبلوماسي، إلخ.
-2-
وهكذا، كنت تجد على المستطيل الأخضر معظم كباتن الفريق القومي، وأندية الهلال، والمريخ، يتحدرون من منطقة جبال النوبة، والذي كان أشهرهم حامد بريمة، فضلا عن أميز لاعبي الدفاع والهجوم الذين هم من أبناء النوبة. أما اللاعبون الآخرون فكانوا يشكلون حقا في العاصمة، والأقاليم، لوحة جميلة للإثنيات السودانية. كما أن مجالس إدارات الإتحادات، والأندية، ولاعبيها، في فرق الروابط، والناشئين، والأشبال، يعبرون عن السواد الأعظم من قبائل السودان. ولم يكن هناك تمييز إثني، أو اختلاف، لدواعٍ سياسية أو جهوية، بل لا يمكن أن تجد تكتلات من هذا القبيل البتة. فأندية كرة القدم، والمناشط الرياضية الأخرى، كانت تضم أيضا لاعبيين، وإداريين، ومشجعين، من كل الخلفيات السياسية، والصوفية، والاجتماعية، والطبقية. وقد انصهرت مجمل هذه التمايزات السودانية في المستطيل الأخضر، أو ميادين السلة، والملاكمة، التي كان يبدع فيها أبناء الجنوب، وفي الطائرة، والسباحة، والعدو، وحمل الأثقال. وبمناسبة حمل الأثقال كانت هناك فزورة طريفة للملحن عبد الملك إبراهيم الضو، والذي كان يعلم المكفوفين قراءة النوتة الموسيقية الذي يعدها بنفسه، وذلك اعتمادا على نظام برايل. كان الضو يمتحن كثيرا من أصدقائه الذين يمرون بمقر “اتحاد الخرطوم لحمل الاثقال”. فيقول لهم إن هناك خطأ لن تكتشفوه في لافتة الاتحاد التي تقبع فوق بابه. الذين يراهنون يعطيهم الضو وقتا كافيا لاكتشاف الخطأ في اللافتة، وحين يعجزون يقول لهم: “كان ينبغي أن تكون اللافتة باسم “اتحاد حمل الأثقال ورفعها”!. كذلك كان الضو يمارس تندره على الرياضيين من زاوية التفكير النقدي الذي برع فيه، ولديه فيه مُلح، وطرائف، وطرائق قددا.
-3-
سليمان دفع الله المحينة هو ابن هذا الوسط الرياضي، وأحد الذين سطروا صفحات بامتياز في كتاب نادي الموردة الذي يعود تأسيسه إلى عام 1927. والمحينة معروف بإجادته التامة اللعب بقدميه اليسرى واليمنى، وتلك حالات نادرة لدى الموهوبين في هذا المنشط، وحقا لم أر لاعبا يجيد الأداء بقدميه مثل عبد المنعم الصياد، والذي لعب للموردة، والزمالك. كما استمتعت بفنون الصياد الذي كان يقفز في الهواء ليستلم الكرة العالية، ويقف بها لثوانٍ قبل أن يهبط بها للأرض. وعرف الصياد أيضا بالتمريرات التي يسميها الجمهور “موزة مقشرة” للتهديف، ولعل الذي لم ير الصياد كيف أنه يدلل الكرة، ويخضعها لمشيئته وسط غابة من السيقان كأنه لم ير عز الدين الدحيش. أما المحينة فكان يمتاز بالرشاقة في الأداء، وسرعة المراوغة، والأداء القوي، وتابلوهاته الرائعة التي كان ينافس بها تابلوهاته التي سبق أن أدهش بها الجمهور. وقد تعرفت عليه بنادي الموردة في النصف الأول من الثمانينات. إذ كنت قد أجريت معه حوارا ذات مرة تناول مجده الذهبي، ومنذ ذلك الوقت صرت قريبا منه. نتلاقى في عصريات، وأمسيات، نادي الموردة وأحيانا يناقشني حول ما كتبت. ويلومني مرات عندما أهاجم مجلس الإدارة عبر انحيازي الدائم لرابطة المشجعين الذين كان أعضاؤها أقرب إلي سني. ومرات يأتيني بمقالة يطلب مني تحريرها ثم نشرها في صحف الفترة الديموقراطية. أتذكر أنه كان يأتي إلى النادي بعجلته التي كان يرعاها حق الرعاية. تجده من فرط قوته يحمل جردلا من عصير الكردكدي في يده اليمين، ويقود العجلة بيده اليسرى، عابرا خور أبو عنجة حتى يصل إلى النادي. 
أثناء تمارين النادي التي تبدأ عند العصر يكفكف المحينة أيادي جلابيته الناصعة البياض ثم يمر ليسقي حضور المران، واللاعبين بتواضع جم. كلما يجدني متابعا للتمرين يمنحني كوبين ويقول لي: “شان تكتب لينا كويس يا أستاذ” فيضحك بجديته التي تسيطر على قسمات وججه، ثم يمر ليسقي الآخرين. كان المحينة الجموعي إنسانا وديعا جدا، وجادا في ذات الوقت، ويهتم بمظهره، وإناقته بشكل لافت. ولو لاقيته آنذاك دون أن تعرفه لخِلت أنه واحد من رموز فن الغناء الشعبي. في تلك الفترة كان المحينة في علياء روحه المعنوية. إذ كان ناديه في قمة تحديه لأندية المقدمة فيما تتعهده بالرعاية مجموعة من الإداريين، والأقطاب، هم ممن وصلوا إلى مراتب عليا في الخدمة المدنية، والعسكرية، خلافا لما هو حادث الآن. فقد صار ناديا القمة نهبا للطفيلية الرأسمالية الجديدة. كان هناك البروفيسير محمد هاشم عوض، والأستاذ مختار التوم، والفريق محمد عثمان هاشم، والبروفيسير عبد الهادي عمر تميم، الأستاذ كمال الفيل، والأستاذ حسن شمت، والأستاذ عمر التوم، والأستاذ عبد المحمود الحاج أبو صالح، والأستاذ السر محمد إبراهيم، واللواء شرطة صلاح النور مطر، والأستاذ زاهر محمد جابر، والأستاذ عوض عثمان، وآخرون. بجانب ذلك كانت هناك أقوى رابطة مشجعين للنادي ضمت عددا كبيرا من أبناء الحي بقيادة الأساتذة محمد حامد الجزولي، وأزهري عثمان، وحيدر مورقن، وصلاح الدسوقي، ومدثر الباهي، وخالد الجزولي. 
ولعلها هي الرابطة الأولى في السودان التي أنتجت أعمالا غنائية هائلة لتشجيع الفريق في مبارياته، واستذكار تاريخه. كان محمد حامد حينها قد عاد من جامعة ناقبور التي تحصل فيها على الماجستير فجلب الغناء الهندي عبر جيتاره. يغني للاعبين في الرحلات، ويحمل جيتاره في الإستاد، ثم يلحن الأشعار التي يكتبها بنفسه: “بريش انفرد أطلع يا يور” يا صبابي يا عكسات جننت الرشاشات” يا عصام يا ود عباس أبو نورة زول حساس”. كانت تلك ترنيمات يغنيها محمد فتجد المحينة يعرض بثيابه البيضاء، وينتشي بها كثيرا. وهكذا كان بريش، والصبابي، وعوض دوكة، والمغربي، والمرحوم ضربة، وعصام عباس، وحسن حامد، ومتوكل، والثيردباك مجدي، يشكلون موردة تلك الأيام حتى فازوا بكأس السودان، متأهلين لكأس الأندية الأفريقية بقيادة المدرب الراحل بكري عثمان شقيق لاعب الموردة الفنان عمر موسكو، والذي راح ضحية اغتيال في مسجد الجرافة الشهيرة. 
-4-
تلك الصورة الموردابية الباهية التي كان المحينة في قلبها ناشطا وفرحا هي التي طافت بخاطري حينما رأيته وهو بذلك الوضع المأسوي. حينذاك لم يخطر ببالي شئ إلا لوم جميع أهل الموردة الفريق والحي، قبل لوم الوسط الرياضة، أو المسؤولين عن الرياضة في البلاد. كانت صور سليمان، وهو يزحف في أزقة الحي الذي عاش فيه تطعن الفؤاد بغلظة. ولم تهدأ نفسي إلا بعد أن رأيت نفرا من الرياضيين ينتبهون لمسؤولياتهم تجاهه. فقد تحركوا بعد أن جأرت الصحف ووسائل التواصل الاجتماعي، وكل مشجعي الرياضة بالشكوى من هذا الإهمال الكبير لواحد من أعظم لاعبي الموردة، والسودان عموما. لقد كنت أقارن المحينة الأنيق بصوره الأخيرة التي تبدو فيها ملابسه مرتوية بالاتساخ، وجسمه مكلل بالغبار، والشعر الكث يحيط برأسه. فيما اختفى ذلك الوجه الصبوح ليرسم الزمن تأثيره المؤسف عليه. 
تلك كانت مأساة يتحمل كل المورداب مسؤوليتها، ولكن يتحمل كل الوسط الرياضي المسؤولية الأكبر، والذي كان حتى منتصف التسعينات معروفا بالتضام الاجتماعي. ذلك هو الوسط الرياضي الذي عرفناه، إذ لا تحدث نائبة دهر للاعب إلا وهب الرياضيون من كل حدب، وصوب، لإغاثته. وأحيانا كان الرياضيون إلى وقت قريب يتداعون بكل ألوان طيفهم لتكريم نجم قدم عصارة جهده للرياضة السودانية. وأحيانا أخرى يحافظون على سُنة التباري على كأس البطولة ليخلدوا أحد الراحلين الأماجد. ولكن كيف فات على الوسط الرياضي أن ينسى تاريخ المحينة الذي كان نجما من نجوم الكرة السودانية، وعبر الموردة أدى مساهامات كبيرة في مواسم التنافس؟. 
لا بد أن ظروف حياة الناس في سودان اليوم انعكست على تضامن الوسط الرياضي سلبيا، وانشغل الرياضيون بصعوبات الحياة التي أنستهم المحينة بتاريخهم المشرف، وما قدمه من جماليات وتابلوهات رياضية رفهت برواد دار الرياضة أمدرمان. وربما كان تسييس الرياضة، وقصر الدعم على أندية القمة قد أفقر الموردة. وكذلك الفرق الأخرى، التي لم تجد من يعينها ماديا لتسيير شؤون النادي والاهتمام بقدامى اللاعبين. قال الدكتور حسن الجزولي في مقاله الممتع: “تمر السنوات، وتكر كر المسبحة، تتعاقب الأجيال، ويرث الملاعب آخرون، وإدارات الأندية كذلك تمتلئ مقاعدها الوثيرة بإداريين آخرين، لهم شركاتهم القابضة وتجارتهم الرابحة، ولهم ياقاتهم البيضاء وأربطة العنق الأنيقة والعطور الباريسية الفواحة والسيارات الفارهة وتسريحات الرأس، التي قال عن باروكات شعرها حبيبنا الشاعر أمل دُنقل ما قال، كما تمتلئ الملاعب بجماهير تحل محل تلك التي كانت تستمتع بتمريرات المحينة وزملاء المحينة، وهكذا ورويداً رويداً يتغير الزمان، فيتحول (المحينة) ليعيش (محنته) الأبدية”. رحم الله عبده سليمان الذي سقانا بصنع يده، وليسقه الله كأسا كان مزاجها زنجبيلا.