د.  فيصل عوض حسن احتَفَتْ بعض الأقلام الإسلاموية بتصريحاتٍ منسوبة لمُسْتَوْزِر الموارد المائية والكهرباء، حول سدود الشريك وكجبار ودال، وقالوا بأنَّها كانت في جلسة (محدودة الحضور)!   

وشَمِلَ الاحتفاءُ (شخص) المُسْتَوْزِرْ وأمطروه بعباراتِ الإطراء، رغم التناقُضات الفاضحة التي حَمَلَتْهَا التصريحات. وأرجأتُ التعليق عليها (عَمْداً) لأتيح الفرصة كاملةً للمُستوزِر الإسلاموي لنَفْيْ ما نُسِبَ إليه من تصريحات أو تعديلها، ولم يعُدْ أمامي غير عرضها وتفنيدها لتناقُضها مع أحاديثه السابقة بجانب المُعطيات العلمية والواقعية الماثلة، ليَسْتَبْيِنْ السودانيين الحقيقة ولا ينساقوا خلف تضليلات المُتأسلمين.

ذَكَرَتْ الأقلام أنَّ المُسْتَوْزِرْ لم يترك (شارِدَة أو واردة) أو مُبرراً لرفض السدود وتعَهَّده بعدم فَرْضْها بالقوة، وسعيهم لإقناع الأهالي بفائدتها للدولة ولهم كمواطنين، ورفع الضرر استناداً لما أسماه (رصيد تجارُبهم) بكلٍ من مروي والروصيرص. حيث قال بأنَّهم قاموا بتهجير (22000) أسرة بالروصيرص، و(23000) أسرة بسيتيت وأعالي عطبرة دون علم أحد أو حدوث مشاكل! وفي قمة تناقُضاته، أقرَّ المُسْتَوْزِرْ بسلبيات سد مروي، وأثنى على سد كجبار واعتبره من أفضل السدود تبعاً لحجمه الصغير وإنتاجه الكبير (360 ميقاواط)، وكفاءته التي تجعله يستفيد من سدي مروي والنهضة الاثيوبي! ثمَّ دافع عن سد مروي، ووصفه بأنَّه ينتج ثلث حاجة البلاد من الكهرباء وما يُقارِب استهلاك الخرطوم، حيث قال نصاً (لولا عناية الله ثم سد مروي لما جلسنا الآن تحت سقف هذه المكيفات)! وفي ذات السياق، أفاد بأنَّهم سيُقيمون متاحفاً للآثار النوبية على غرار مروي، التي أقاموا لها متحفاً كبيراً بقيمة (14.5) مليون دولار!

وفي لقاءٍ سابقٍ لـ(سونا) مع نفس هذا المُسْتَوْزِرْ بتاريخ 17 أبريل 2014، كانت إفاداته بشأن سد مروي مُختلفة تماماً عن الحالية، حيث قال أنَّ تصميمه (ممتاز) و(خالي من العيوب)، وأنَّه تَجَاوَزَ طاقته القُصوى البالغة (1250) ميقاواط، وحَقَّقَ إنتاجاً فعلياً بلغ (1260) ميقاواط! وفي حديثه للمجهر السياسي بتاريخ 11 يوليو 2015، قال أنَّ إنتاج سد مروي لا يغطي احتياجات الخرطوم البالغة (2500) ميقاواط، حتى لو عمل بطاقته القصوى، فانظروا لهذه التناقُضات التي احتفت بها الأقلام المأجورة أعلاه! كيف سيستفيد سد كجبار من سد مروي الذي تارةً يصفه بالممتاز وأخرى بالعَجْز؟ وإذا كان سد مروي ممتازاً ويُحقِّق إنتاجاً يفوق طاقته التصميمية كما ورد في حديثه لسونا بتاريخ 17 أبريل 2014 المُشار إليه أعلاه، لماذا يشترون الكهرباء من إثيوبيا منذ عام 2012؟ وعلى أي أساس قاموا بإنشاء خطوط نقلها لتشمل كل السودان، بدءاً بوادي حلفا التي سيُقام بقُربها سد كجبار، مروراً ببابنوسة وعديلة والضعين والفاشر وانتهاءً بالدمازين والكرمك، وذلك وفقاً لإفادات مدير الشركة السودانية لنقل الكهرباء آنذاك (وهي مُوثَّقة أيضاً)! وكيف يُمكننا تصديق أنَّ إنتاج سد كجبار الصغير يُوازي ثلث إنتاج سد مروي الذي وصفوه سابقاً بـ(سد القرن)؟ ولو كان الأمر كذلك، فهذا يعني وجود أخطاء بسد مروي وأنَّ هناك تضليلاً رسمياً وإعلامياً قد صاحبه، فمن المسئول عن هذا؟ ولماذا لا يُحاسَب ويُعاقَب طالما كان سد كجبار الصغير يُنتج ثلث إنتاج مروي الكبير؟ ومن سيتحمَّل تكاليفه العالية بدءاً باستضافة الوفود الداخلية والخارجية وشراء الذمم وانتهاءً بقروض الإنشاء؟ وكيف سيُقنعنا المُسْتَوْزِرْ وآكلي الفتات التابعين له بجدوى (الفشل) كما أوردناها أعلاه؟!

أمَا آنَ للأقلام المأجورة الكَفْ عن التضليل وتزيين أفعال اللصوص والقَتَلَة؟ هل نسوا تصريحات مُدير الأمن السابق (قوش) الذي انتقد في 8 مايو 2012 سد مروي ووصفه بعدم الجدوي؟ أم أنَّهم يستمعون فقط لِمَنْ يحملُ العصاة؟! وعن أي تنمية يتحدَّث المُسْتَوْزِرْ وما الذي فعلوه بالمياه المُتاحة حالياً؟ ولماذا اختفت جميع المشاريع المروية التي كانت قائمة وعلى رأسها مشروع الجزيرة؟ وأين الماء الذي سيُخزَّن بتلك السدود مع تناقُص المياه بشهادة المُسْتَوزِرْ نفسه؟ والذي سيتناقص مُستقبلاً سواء باكتمال سد النهضة أو تبعاً للتوقُّعات المُؤكَّدة بتغيير اتفاقيات مياه النيل! ألم يقل هذا المُسْتَوْزِر في لقائه مع سونا أنَّ الكهرباء المُشْتَرَاه من إثيوبيا أرخص؟ وإذا كانت كذلك فما جدوى إقامة سدود بقروضٍ نتحمَّل توابعها المالية والبيئية والحضارية؟! أليس من السَفَه صَرْف مبلغ (14.5) مليون دولار (إذا افترضنا صدقه) على إقامة متاحف لآثارنا وتعريضها لأخطار الدمار والنهب؟ ولماذا لا نستغل هذه المبالغ حاجات أخرى أكثر (إلحاحاً) لا سيما مع الأزمة الاقتصادية الماثلة؟!

من الواضح أنَّ المُتأسلمين مُصرِّين على أُسلوب الإدارة بالأزمات أو صناعتها، الذي أدخلنا في أزماتٍ مُتراكمةٍ يصعُب تجاوُزها، حيث يقومون بصناعة الأزمة وإيجادها من العدم، كإلهاء عن مُصيبة مُعيَّنة من مصائبهم المُتلاحقة في حق البلد، ثم يُطلقون أقلامهم المأجورة عبر وسائل الإعلام المُختلفة لتمُارس التضليل والتطبيل الأجوف، وهو أمرٌ أتقنه المُتأسلمون طيلة حكمهم المشئوم الذي (غَلُبَت) فيه أطماعهم وشهواتهم السلطوية والمالية على مصلحة البلد، وينتقلون من أزمةٍ لأُخرى بخُبثٍ ودهاء، وما هذه السدود إلا امتداد لتلك الأزمات والمصائب! ولقد استهدفتُ بمقالتي هذه، فَضْحْ تضليلات ذلك المُسْتَوْزِر وكَشْفْ انحطاط أقلامه المأجورة، ودحض تبريراتهم بالأهمية التنموية لهذه السدود، وتهليلاتهم المفضوحة لتناقُضات مُسْتَوْزِرهم.

والواقع لا توجد جدوى لهذه السدود، حيث هناك مصادر أُخرى للكهرباء أكثر كفاءة وأقلَّ تكلفة كالطاقة الشمسية وطاقة الرياح، ولا توجد أراضي زراعية خاصة كجبار ودال تتطلَّب قيام هذه السدود، مع تراجُع كميات المياه من أساسه، بخلاف تدمير المُتأسلمين للمشاريع المروية التي كانت قائمة! فضلاً عن المسافة الفاصلة بين سدٍ وآخر، فخزَّان الشّريك سيُقام بالشلاّل الخامس، على حافة بحيرة خزّان مروي بالشّلاّل الرّابع! فيما تُحاذي بُحيرة خَزَّان كجبار حدود بحيرة خَزَّان دال المُزمع إقامته جنوب الشلال الثّاني، مما يعني أنَّ سد دال داخل حدود بحيرة النّوبة التي بيعت لمصر، وجميعها مُعطيات تتقاطع وأكاذيب المُتأسلمين بشأن هذه السدود. بالإضافة لذلك، فإنَّ الإنسان هو أساس أي تنمية وهدفها، وهو العامل المُشترك الذي يجب مُراعاته في كل التوجُّهات والبرامج التنموية، وهذا يتقاطع مع هذه السدود لرفض إنسان المنطقة لها وتقاطُعها مع مصالحه، بجانب تدمير (ورُبَّما سرقة ونهب) الآثار القائمة، فضلاً عن الارتباط الوجداني (الذي يصعُب تقييمه) لإنسان المنطقة بأرضه، وهو أمرٌ لا يُدركه سَقَطَ المَتَاع ولا يعرفون قيمته!

إنَّنا أمام جريمة إسلاموية جديدة تُضاف لجرائمهم المُتواصلة ضد السودان وأهله، بدءاً بالتشريد والتجويع والنهب والسرقة، انتهاءً بالاغتصاب والحرق والقتل والصَمْت على احتلال البلاد وعرضها للبيع بأبخس الأثمان، ولن يتوقَّفوا إلا باقتلاعهم. وجميلٌ جداً المُناهضات التي جرت، ومن الأهمية المُبادرة بالهجوم وعدم انتظارهم، فمن الواضح أنَّهم مُصمِّمون على الخطوة وفق ما أشاعوا، وعلينا مُمارسة كل الأساليب التي تحفظ مُقدراتنا وحقوقنا الاقتصادية والإنسانية والحضارية والثقافية، ليس فقط بشأن السدود، وإنَّما في كل ما يتعلَّق بالسودان، وحتماً سننتصر لأنَّنا أصحاب حق وقضية، نحتاجُ فقط الإرادة والعزيمة والاتحاد.