خالد فضل في نهاية العام 2014م أعادت مدعيّة المحكمة الجنائية الدولية , ملف الإتهامات الموجهة للرئيس السوداني عمر البشير وزمرة من كبار معاونيه الى مجلس الأمن الدولي ؛ بعد قرار المحكمة وقف الإجراءات المتعلقة بالتهم . 

وقد بررت السيّدة فاتوبن سودا  تلك الخطوة بفشل المجتمع الدولي في تنفيذ أوامر المحكمة بجلب المتهمين للمثول أمامها , وأعتبرت تلك الخطوة بمثابة تنبيه قوي للأسرة الدولية للوفاء بإلتزاماتها تجاه إنصاف الضحايا في إقليم دارفور .

  الآن بعد مرور 7سنوات على صدور مذكّرة التوقيف تلك يمكن الزعم أنّ المتهمين باتوا أكثر اطمئنانا لإفلاتهم من العقوبة , لقد قامت حكومة الرئيس البشير بإجراءات شكلية يبدو أنّها كافية لإقناع المجتمع الدولي ظاهريا على الأقل , كما هناك شكوك معقولة أنّ خطوات استخباراتية من الدرجة الأولى وصفقات ما تحت الطاولة قد أبرمت مع أبرز الدول المهيمنة دوليا لتناسي أو تجاهل ضحايا دارفور .و من تلك الخطوات الشكلية إبرام ما عرف بوثيقة الدوحة في 2011م والتي بموجبها تم تكوين جسم صوري بمسمى السلطة الإقليمية لدارفور برئاسة د. تجاني السيسي أحد حكّام إقليم دارفور السابقين عن حزب الأمّة القومي إبّان حقبة الديمقراطية الثالثة (86__1989م), ولكن شهدت جبهة التحرير والعدالة التي وقّعت الوثيقة باسم ضحايا دارفور انقساما كبيرا فلقها الى جبهتين للتحرير والعدالة تفصل بينهما كلمة (قومي), ومؤخرا تم تداول أخبار عن انقسام جديد في الشق الذي يتزعمه السيد بحر إدريس أبو قردة وزير الصحة الإتحادي , ويذكر أنّ خلافا عاصفا واشتباكات قد حدثت في قاعة فندق السلام روتانا في قلب الخرطوم بين فصيلي السيسي /أبوقردة على خلفية فض مظاريف عطاءات بعض المشروعات التي خطط لإقامتها في الإقليم , وبلغ الأمر حدّ توجيه تقريع عنيف لأبي قردة من جانب أمين حسن عمر , رئيس مكتب سلام دارفور في قصر البشير بعبارته القاسية ( انت شنو نحن صنعناك )!! , توالت الإجراءات الصورية لإرضاء الملل الذي  أصاب المجتمع الدولي باطلاق دعوة الحوار الوطني في مطلع 2014م وانخراط مايربو على 80 لافتة حزبية شكلية في مداولاته إضافة الى 20 حركة مسلحة من اقليم دارفور اتضح لاحقا أنّها كلها موقعة على صفقة من صفقات ما يسمى باتفاقات السلام , عدا اثنتان منها تم طرد عضويتها من فعاليات الحوار المزعوم , مما أكدّ على تحفظات الرافضين للإنخراط في ذلك الحوار بإعتبارة أداة من أدوات العصابة المهيمنة للإفلات من العقاب , وبتواطؤ مع المجتمع الدولي .في الأثناء تواصلت العمليات العسكرية البربرية , وتم تشريد حوالي 100ألف نازح جديد في جبل مرّة منذ مطلع هذا العام, وتواصلت عمليات الإبادة وحرق القرى والتطهير العرقي , بل تواصلت عمليات الملاحقة والإغتيالات للشباب والطلاب الناشطين من أبناء دارفور في الجامعات السوانية المختلفة , كما أطلق السيد حسبو عبدالرحمن نائب البشير تهديداته المفزعة بتفكيك معسكرات النازحين حول مدن الإقليم في غضون خمسين يوما من بداية العام 2016م , دون أنْ يتم وقف الحرب أو هجمات الجنجويد ودون تهيئة الظروف لعودة النازحين الى قراهم ومزارعهم وأعمالهم وحياتهم الطبيعية التي كانوا يحيونها قبل الكارثة  ,وتواصلت الدعوات  لخروج قوات اليوناميد من الإقليم بدعاوي حلول السلام وانتفاء أسباب بقائها , وبالفعل فإنّ جنوب إفريقيا قد أعلنت سحب وحداتها المشاركة ضمن تلك القوات حسبما أذيع مؤخرا , وربما توالى انسحاب الوحدات تباعا , كما تمّ الشروع في اجراءات قيام استفتاء اداري في الإقليم تنفيذا لواحد من مقررات صفقة الدوحة كما تردد آلة الدعاية الحكومية , وهو الإجراء الذي قوبل برفض واسع وكبير من مختلف القوى السياسية والفصائل السياسية المسلحة في السودان ومن معظم الواجهات الدارفورية بما في ذلك نواب برلمانيون في كتلة دارفور بالمجلس الوطني , مع ذلك تسير إجراءات الإستفتاء كأن شيئا لم يحدث , ولم تصدر عن المجتمع الدولي أي مواقف قوية تناهض ما تقوم به سلطة المتهمين المطلوبين للعدالة الدولية , تبدو الصورة وكأنّ العالم بهيئاته ومؤسساته وحتى دوله  قد تخلى عن الضحايا , رغم فورة التضامن العارمة التي شهدتها القضية في السنوات الماضية , وبالطبع كلما أصمّ العالم أذنيه عن أنّات الضحايا وأشاح بوجهه عن مأساتهم إزدادت وتائر التنكيل والقمع التي يجيدها المجرمون , ولعل المراقب يلحظ الجرأة التي بات يتحلى بها  الرئيس البشير وهو يتحدى مذكرة توقيفه فيسافر شرقا وغربا في 74رحلة خارجية بعضها لدول موقّعة على ميثاق روما وبعضها أعضاء في المحكمة , ويتحدث بثقة عن قبر المحكمة الجنائية الدولية بل يطالب الدول الإفريقية المنضوية تحت ميثاقها بالانسحاب منها , فأي بجاحة هذه وأي (قوة عين) تجعل المتهم يتمطى فوق جثث وجماجم ضحاياه وهو سعيد بإفلاته من العقوبة !!

  على الجانب الآخر تبدو حالة الجبهة الثورية وقد أصابها العطب فعليا جراء الإنقسام الأخير حول منصب الرئيس , فإلى أي مدى أسهم هذا الإنقسام في ضعف الموقف الدولي المساند لمطالب الضحايا والثوّار ؟ ما هي أسباب الخلافات في الجبهة الثورية , وقبلا ما معنى الإنقسامات والتكاثر الأميبي في الحركات الثورية نفسها ؟ وما درجة المصداقية والإخلاص في التحالف السياسي العسكري الذي شكّل في لحظة ما بارقة أمل كبيرة لضحايا القهر والترويع ؟وهل من قبيل المصادفات ارتباط أكبر خسارة عسكرية تمنى بها حركة العدل والمساواة قبل بضعة شهور بما شاع عن خيانة بعض كبار قادتها الميدانيين , وما أصدرته الحركة مؤخرا عبر بيان منشور في الأسافير يشير الى خيانة أحد قادتها العسكريين الميدانيين وتسليمه لأسلحة وعربات جيش الحركة لمليشيات النظام ؟ هل لهذه الاتهامات أثر في رفض الحركة الشعبية لتحرير السودان تداول السلطة وتسليمها لقيادة حركة العدل والمساواة ؟ يبدو أنّ مأساة الضحايا ستطول , وأذرع السلطة وأساليب العصابات تنجح كل يوم في إلهاء العالم بمسرحية جديدة بينما يستمر ذات النسق الممنهج من سياسات الأرض المحروقة , والتطهير العرقي , والترحيل القسري للمواطنين الذين باتوا لا يجدون من يحميهم بعد إدارة العالم لظهره عنهم وتركهم يتامى بالفعل وسط متاهة لا يعلم أحدا مداها .