رشا عوض حسنا فعلت الدكتورة إشراقة مصطفى حامد عندما كتبت سيرتها الذاتية ونشرت الجزء الأول منها تحت عنوان"أنثى الأنهار سيرة الجرح والملح والعزيمة" عن دار النسيم للنشر  بالقاهرة، على ان ينشر لاحقا الجزء الثاني منها تحت عنوان "الدانوب يعرفني".

سعدت أيما سعادة بتقديمي للكتاب بدار الأوبرا في القاهرة، ليس فقط لأن تدشين ذلك السِفْر  كان سانحة طيبة لالتقاء إشراقة للمرة الأولى، وهي بحق من إشراقاتنا السودانية في عالم النجاح والتميز والصبر والمثابرة، وكذلك هي تلك “البت السودانية” الطيبة المتواضعة المعطاءة التي تشيع الطمأنينة والتفاؤل بعفوية ومحبة وتعزز الثقة في غد مختلف لنساء السودان.

أبدأ وقفاتي مع “سيرة إشراقة ” من سؤال بدأ به أستاذنا الحاج وراق تعقيبه، هل من دروس تربوية في هذه السيرة تجعلها فعلا جديرة بالتدوين – رغم ان البعض قد يرى كاتبتها ما زالت صغيرة عمرا على كتابة المذكرات؟ وكانت إجابته :نعم! في سيرة إشراقة درس كبير يحتاجه الشباب من الجنسين بشدة خلاصته:

Yes we can!

وبالفعل هذه هي الخلاصة :نعم نستطيع! لقد راهنت إشراقة على صبرها وعزيمتها ومثابرتها في قهر كل الظروف العصيبة  المحيطة بها، لتحقق ما تحلم به في وطنها، وعندما انتقلت إلى النمسا كانت نموذجا مشرفا للمهاجرة السودانية، التي لا تقنع من تلك البلاد بالاسترخاء الكسول على وسادة الضمان الاجتماعي والاكتفاء بمهنة “لاجيء سياسي” كما يفعل كثيرون للأسف، ولكنها أتقنت اللغة الألمانية، ودرست ونجحت وحاضرت في الجامعات وأصبحت عنصرا فاعلا في ذلك المجتمع بكل تعقيداته، فهي الآن ممثلة الأدب العربي في مؤسسة “القلم النمساوي” وإعلامية وناشطة وباحثة ، إذ لم تتوقف عند النجاح الأكاديمي بنيل الماجستير في الإعلام، والدكتوراة في العلوم السياسية من جامعة فينا، بل أسست منظمات مجتمع مدني مثل منظمة   “النساء السود في فينا” و”الكاتبات المهاجرات” كما تمتعت بعضوية عدد من المنظمات في النمسا، ونالت جائزة “الاعتراف والتفاعل الثقافي” من النمسا العليا عام 2007 ، كما تحصلت في نفس العام على جائزة الإنجاز الأكاديمي من وزارة الثقافة والتعليم والفنون ،كتبت في الصحف والمجلات النمساوية باقتدار، ولها مساهمات بحثية متميزة في مجال مشاكل المهاجرين واندماجهم في المجتمعات الغربية، وعملت مستشارة لمنظمة نمساوية تعمل في تعزيز المرأة المهاجرة من أفريقيا والوطن العربي، وصدر لها عدد من الكتب في الأدب باللغتين العربية والألمانية،  ومن إصداراتها تحت الطبع الآن ” النيل والدانوب مصبهما قلبي” وهو عبارة عن ترجمات  لعدد من النصوص الأدبية لكاتبات وكتاب سودانيين إلى اللغة الألمانية وترجمة نصوص أدبية لكاتبات وكتاب نمساويين إلى اللغة العربية، هذا ملخص صغير لما حققته “إشراقتنا” في النمسا، بعد ان كادت ظروف المشاكل الأسرية والصحية  والفقر والقهر في السودان أن تحجبها كما حجبت آلاف “الإشراقات” الواعدة.

* إن تفاصيل حياتنا الصغيرة والكبيرة، من المهد إلى اللحد، بكل ما فيها من علاقات بالذات وبالآخرين، من أحلام وأوهام، نجاحات وخيبات، أفراح وأحزان، عقل وجنون، حب وكراهية، هي نقطة الانطلاق إلى كل نظريات السياسة والاجتماع والاقتصاد والفلسفة، فتلك التفاصيل التي تبدو بسيطة ومكررة وعادية جدا تحمل في طياتها كل تعقيدات الإنسان! ذلك المجهول الذي كلما اقتربنا منه ازداد بعدا!

ولهذا السبب أتمنى ان تكون كتابة المذكرات تقليدا شائعا، خاصة وسط الشخصيات غير النمطية، وبشكل أكثر خصوصية النساء! لأنهن صمتن كثيرا! بل أُكرهن على الصمت فافتقدت الإنسانية نصف صوتها..نصف عقلها.. نصف قلبها.. نصف تجربتها… باختصار نصف إنسانيتها!

*أول ما استوقفني في “أنثى الأنهار” أن النص ينضح تلقائيا بمشاعر وانفعالات وتجليات أنثوية، لا تقف عند حدود اللغة الشاعرية الرقيقة، والعاطفة المتقدة الحاضرة بقوة في كل القضايا، بل تتجاوز ذلك إلى تأنيث تلقائي وغير متكلف لطريقة الحكي التي امتازت باهتمام فائق بالتفاصيل مهما صغرت! وبقوة الارتباط العاطفي بالأشخاص وتقدير العلاقات الانسانية واتساع الذاكرة حتى للأشخاص العابرين في حياة الكاتبة وهذا ينسجم مع طبيعة “الأنثى”.

أثناء سياحتي في “سيرة إشراقة” توقفت طويلا عند بعض التفاصيل، التي رأيت فيها تقاطعات بين الخاص والعام أو الذات والموضوع، فتلك التقاطعات هي مركز الثقل لأية سيرة ذاتية – من وجهة نظر قرائها – :

وقفة أولى: سؤال العدالة منذ الطفولة:

من ضمن ذكريات طفولة إشراقة سخرية رفاقها الصغار في مدينة كوستي من طفل يكبرهم كان يعمل في مهنة حمل “الجرادل” التي تحوي الفضلات الآدمية! “كنت أحس بمشاعر غريبة تقبضني حين أرى كوكو الأكثر فقرا يحمل ذلك الجردل والصغار يجرون خلفة ويهتفون:عيفونة سلطة بليمونة…. أنزل الجردل بكل عفونة الظلم والمهانة من رأسه وجرى خلفنا..” تساءلت إشراقة – الطفلة حينها -” لماذا هو بالذات ومن يشبهونه؟ لماذا ليس عبدالله جارنا أو أخي مثلا؟”

ذلك المشهد المأساوي المعتاد الذي لم يستوقف حتى”أولي الأمر” ناهيك عن عامة الناس هو البذرة التي أنبتت ما نحن فيه الآن من حروب ونزاعات وخيبات! فهو تجسيد حي للتخلف المركب في دولتنا ومجتمعنا! تخلف في العمران والمدنية حيث لا نظام حديث للصرف الصحي! وتخلف في القيم والاخلاق حيث العنصرية في تقسيم العمل! والاستعلاء على من يخدم المجتمع خدمة حيوية ومعاقبته بالسخرية والإزدراء بدلا من شكره او حتى تركه وشأنه!

لن تقوم لهذا السودان قائمة دون تنظيف هذه الجروح الغائرة في وجدان كثير من الإثنيات المكونة لشعب السودان وذات الحق الأصيل في أرضه وموارده وحقوق المواطنة فيه.

وقفة ثانية: مأساة الختان

روت إشراقة تجربتها مع “جريمة الختان” وهي تجربة ملايين النساء السودانيات، وما زالت هذه الجريمة مستشرية في المجتمع بنسب مخيفة رغم كل جهود مكافحتها، سردت إشراقة بشجاعة تفاصيل ذلك اليوم المشؤوم تحت عنوان”حشرجة الموس وبدايات الترويض” ووصفت بلغة  مؤثرة  لحظات الخوف والألم والقسوة ومن ثم طرحت الأسئلة البريئة حول أسباب تجرد “الحبوبات الحنينات” من حنانهن في تلك اللحظات وإصرارهن العنيد على استمرار مسلسل الألم هذا جيلا بعد جيل، تناولت كل ذلك في نص أدبي بديع يهز الوجدان هزا، وبقدر ما هو نص عذب ورقيق تكمن فيه بذور التحدي لكامل المفاهيم التي تقف خلف جريمة الختان إذ تقول إشراقة في ختام روايتها لمأساة ختانها” … هكذا بدأ الترويض وما عرفوا ان العناد كان وليد الترويض! ليمهد الطريق لفرسة تصهل بالحقوق الإنسانية … بحق النساء في الحياة المعافاة”

إن جريمة ختان الإناث تجسد انحطاط وبؤس النظرة لقضية الأخلاق في مجتمعنا، فمن يختنون الإناث بحجة الحفاظ عليهن من الانحراف لا يدركون أن الأخلاق لا يحميها بتر الأعضاء بل يحميها الضمير اليقظ والحر والعقل الواعي المختار، وما عدا ذلك تهافت لا يمكن ان يؤسس إلا لحالة النفاق الاجتماعي السائدة حاليا.

وقفة ثالثة: امتحان الشهادة السودانية وهدر المواهب

روت إشراقة كيف أنها جلست لامتحان الشهادة السودانية خمسة مرات حتى نجحت في إحراز النسبة التي تؤهلها لدراسة الصحافة والإعلام! وفيما روته من معاناتها النفسية واحباطاتها مع الشهادة السودانية ما يستوجب التساؤل حول مدى كفاءة هذا الامتحان في فرز أصحاب المواهب والقدرات وانتخابهم لدخول الجامعة على ان يكون هذا التساؤل في سياق تقييم النظام التعليمي ككل ومدى كفاءته في الاستثمار الذكي في أعز ما يملك الشعب: رأس المال البشري!

حسنا فعلت إشراقة بأن صبرت وثابرت حتى تتحصل على النسبة التي تريد ولكن كم من طلاب وطالبات خارت عزيمتهم من المرة الاولى او الثانية فصدتهم الشهادة السودانية عن تخصصات أكاديمية هم مؤهلون للتميز فيها؟ فهاهي إشراقة تميزت أكاديميا في الجامعة حيث تخرجت بمرتبة الشرف كما تميزت في الماجستير والدكتوراة .

وقفة رابعة: “الاكتئاب الوطني”

هذه العبارة لخصت بها إشراقة العهد الإنقاذي الممتد من 1989 م حتى الآن! وفي روايتها لتجربة الاكتئاب العصيبة التي مرت بها في بداية التسعينات بدت وكأنما عالمها الداخلي يحاكي وطنها الذي بدأ مع الإنقاذ عهدا من البؤس واليأس والانهيار ما زال ماثلا، فالإنقاذ كارثة جعلت تاريخ السودان المستقل يمكن تقسيمه إلى “ما قبل الإنقاذ” حيث كانت للسودان جغرافيا وديموغرافيا ومؤسسات خدمة عامة وقيم واخلاق مختلفة تماما عن مرحلة “ما بعد الإنقاذ” مرحلة الانقسام والانهيار والاكتئاب!

وقفة خامسة: بائعة السندوتشات واشتراكية السودانيين:

من التجارب الآسرة التي روتها إشراقة بشفافية وفخر مستحق، معاناتها مع الفقر! رغم انها ابنة موظف أي تنتمي إلى الطبقة الوسطى التي دمرت مع سبق الإصرار والترصد لتصبح طبقة مسحوقة! روت بفخر كيف كانت تستيقظ في الخامسة صباحا لإعداد سندويتشات الفول والطعمية التي تبيعها لتوفير منصرفات دراستها وإقامتها في الخرطوم، تحدثت عن حذائها الواحد واسكيرت الجينز اليتيم وعن اسكات الجوع بالفول المدمس وعن كل تفاصيل معاناة شاركها فيها كثيرون وكثيرات، وهذه التفاصيل مفيدة بقدر ما تكون محفزا للتفكير والعمل من اجل التغيير السياسي والاقتصادي والتنموي لهزيمة الفقر وبناء نظام ذي حساسية اجتماعية تجسدها مؤسسات للضمان الاجتماعي بحيث يصبح بالإمكان ان يتفرغ الطلاب والطالبات لدراستهم! والمفارقة أن المجتمع السوداني على مستوى العلاقات الأسرية وعلاقات الجيرة والصداقة على درجة عالية من التعاون والكرم والتكافل، وقدر روت إشراقة كيف انها وفرت تكاليف سفرها إلى النمسا بفضل تضامن الأصدقاء ودعمهم! ولكن رغم ذلك الدولة السودانية متوحشة وفاقدة تماما للحساسية الاجتماعية.  

وقفة أخيرة: صالة المغادرة .. الشريان الذي ما زال ينزف!

  غادرت إشراقة إلى النمسا بعد ان حصلت على قبول جامعي هناك ولكنها لم تعد بعد ان أكملت دراستها! وبقيت حيث هي! توقفت كثيرا عند عباراتها التي وصفت بها مشاعرها في صالة المغادرة بمطار الخرطوم وهي تهم بالرحيل من السودان! فصالة المغادرة هذه أصبحت جرحا وطنيا ما زال ينزف بلا توقف! أفضل الأطباء وأفضل المهندسين وأفضل الإداريين والصيارفة والاقتصاديين والصحفيين وأساتذة الجامعات وأصحاب الرؤى المستنيرة غادروا البلاد في أكبر عملية تجريف لرأس المال البشري! وهذا من أكبر التحديات أمام التغيير في البلاد! والسؤال هل من خطة للخلاص الجماعي بدلا من خطط الخلاص الفردي ممثلة في الهجرة؟ وكيف يمكن ان يساهم المهاجرون أنفسهم في عملية الخلاص الجماعي للوطن ولا سيما ان أكثريتهم أصحاب مصلحة في التغيير.؟

أخيرا .. تحية محبة وفخر واعتزاز ل”أنثى الأنهار” ! أشد على يدها بكل قوة وهي تقول:

أﻫﺪي ﺳيرة دﻣﻌﻲ وﻣﻠﺢ اﻟﺤﻴﺎة وعزيمتي ﻟﺒﻨﺎت ﻣﻨﺴﻴﺎت في  ذاﻛﺮة المدن واﻷرﻳﺎف اﻟﺒﻌﻴﺪة، ﻷوﻻد ﻇﻠﻮا ﻣﻤﺴﻜين ﺑﺠﻤﺮﺗﻬﻢ ﻧﺤﻮ اﻟﺨﻼص، ﻧﺤﻮ اﻟﻐد!

ﻟﻼتي واﻟﺬﻳﻦ وﻟﺪوا ﺑﻴﻮت اﻟﻄين، وﻇﻠﺖ اﻟﻘﻨﺎﻋﺔ زادﻫﻢ رﻏﻢ اﻟﻮاﻗﻊ القاسي، إﻧﻬﻢ ﺑﻌﺾ ﻫﻮﻳﺘﻲ.. وﻛﻞ آمالي”