خالد فضل 

 مما نُشر منسوبا للدكتور محمد علي الجزولي , أحد الوجوه  السودانية البارزة من أتباع دولة الخلافة الإسلامية في العراق والشام (داعش),ناعيا د. الترابي ؛إنّ الأخير أسس للدولة الإسلامية العميقة في السودان . وهو قول صحيح في مجمله إذا اعتبرنا أنّ بالسودان دولة بعد استيلاء الإسلاميين عليها وتحويلها في الواقع الى حيازة خاصة يتداولون شأنها فيما بينهم غير مكترثين لوجود مواطنين سودانيين على غير حزبهم السياسي الإسلامي ,بل على غير ملّة الإسلام أساسا , الواقع أنّ صفة الاسلامي والإنتهازي هي المؤهل الأساسي لشغل الوظائف في دولة السودان ولذلك يمكن الزعم باطمئنان أنّ جلّ إنْ لم يكن كل  شاغلي المناصب العليا والوسيطة وقيادات الوظائف الدنيا في كل جهاز الدولة السودانية هم من زمرة المنتظمين أو على الأقل المتعاطفين مع التنظيم الاسلامي وأشباهه من تنظيمات مثل الوهابيين وبعض طوائف المتصوفين الذين يلتحقون عادة بأي حكومة تحت زعم تصوفّهم الذي يبعدهم عن الخوض في السياسة , وهو قول مردود فقد ظهرت بصورة سافرة الصوفية المسيسة , وباتت لها مظاهر تأييد سياسي واضحة لعمر البشير , ومعظم زعماء الصوفية في السودان اليوم أتباع للمؤتمر الوطني تقية أو توافق مصالح , ولعل أبرز الوجوه الصوفية المعارضة للاسلاميين الشيخ أزرق طيبة يواجه دوما بحملات إعلامية دعائية جائرة ومحرضة من جانب منتسبي السلطة الاسلامية وكوادرها الاعلامية .

  ماذا كانت نتائج استيلاء الاسلاميين على الدولة السودانية العميقة ؟ هذا هو السؤال الذي يلجم ألسنة من يتبارون في مديح الظل العالي لشيخهم المرحوم الترابي .بل منذ متى كانت الدولة الاسلامية في السودان ذات قيمة في البناء البشري والمادي للدولة السودانية , فتاريخيا تأسست خارطة السودان الراهنة ( بما في ذلك الجنوب قبل انفصاله), جراء الغزو التركي المصري في القرن التاسع عشر , وهو غزو استند على خلفية ضم السودان لممتلكات الخلافة الاسلامية في تركيا والتي كان على رأسها سلطان المسلمين الذي كانت تتبع له مصر ولو اسميا , وعاشت القبائل والمجموعات السودانية فصولا مرعبة من القسوة والتسلط والاستبداد والقهر واستغلال الموارد تحت ذاك الحكم الاسلامي , رغم أنّه لم يشهر كرت الاسلامية وشعارها بصورة سافرة , لذلك لم يكن مهتما بصورة أساسية بتمكين وتعميق الدولة الاسلامية في السودان , لقد اكتفى بالنمط الاسلامي السائد بصوفيته ودراويشه , ولم يصبح معيار الاسلامية مؤهلا حاسما في تولي الوظائف القليلة التي اتاحها ذاك العهد للسودانيين . ثم انتفض السودانيون على ذلك النظام , الدافع الأساسي لم يكن المطالبة بتجويد اسلامية الدولة ولكنه كان التخلص من الظلم والعنت والقهر والاستبداد والضرائب الباهظة التي لم يستطيعوا لها دفعا . جاء المهدي رافعا شعار الاسلامية , ودون فحص فحوى ذلك الخطاب وصدقيته ومواكبته وتلبيته لحاجاتهم تدافعت القبائل والمجموعات السودانية خلف المهدي , وعندما تحقق الاستقلال وتم طرد المستعمرين وأكتملت عملية أسلمة الدولة السودانية وطبقّت الشريعة الاسلامية , حلّت بالبلاد الكروب , ولاقت مجموعات كبيرة وواسعة من صنوف الهوان والإذلال والقسوة ما تقاصرت دونه ممارسات دولة السلطان الاسلامي المندحرة , لم يشفع لدولاب الدولة السودانية اكتسائه بجبة خضراء أو عمامة صغيرة أو سروال قصير , فانهار التماسك الإجتماعي الهش , وتنافرت القبائل , وتفاخرت بأنسابها وأحسابها , والدولة الاسلامية تنحاز لهولاء ضد أولئك , وتبطش بهولاء بيدي أولئك , وبالنتيجة سادت الحروبات الأهلية , وتخرّبت الزراعة البدائية فجاع الناس مجاعة مشهورة (سنة ستة) , وتحطّمت الخدمات القليلة التي كانت سلطة الاستعمار قد أنشأتها في البلاد مثل بعض المدارس والهاتف والمشروعات الزراعية وعادت تجارة الرقيق بقوة بعد أنْ بدأت محاولات القضاء عليها في الحكومة التركية الاسلامية السابقة , لقد تمّ تطبيق الحدود الاسلامية من قطع للأيدي وصلب ورجم , فيما غابت دولة المؤسسات وقيم العدالة والنزاهة والكفاءة . حتى صاح شاعر شعبي معبرا عن لسان مجموعات عريضة من السودانيين (يا أبوي النقز يا الإنجليز ألفونا ) ولم يكن الانجليز من دعاة اسلامية دولة الساكسون على كل حال .

  شمّ السودانيون العافية بعد القضاء على الدولة الاسلامية المهدوية , فظهر دولاب الدولة الحديث , بمؤسساته المدنية والعسكرية وسلطاته التنفيذية والقضائية والتشريعية بل ظهرت الصحافة لأول مرّة في بلاد السودان , صار السودانيون يتطلعون الى المستقبل بعد أنْ عرفوا منجز الإنسان على مستوى العالم , قرأوا الأدب العالمي والفكر الإنساني , وشاهدوا بلادهم على يدي الإنجليز العلمانيين تتحضّر رويدا رويدا , فيدخل الأطفال الى المدارس ويترقى الناجحون الى الكليّة ويتخرج المتعلمون الى الوظيفة , وجاءت السكة الحديد والقطار ومشروع الجزيرة والميناء البحري والنقل النهري والتلغراف والهاتف والورش والمصانع , ونشأت الجمعيات الأدبية والحركات السياسية وكتبوا في الصحف وانتقدوا الاستعمار وطالبوا بالاستقلال وأسسوا الأحزاب السياسية ووزعوا المنشور بل مارسوا العصيان المدني والإضراب , وانتخبوا ممثليهم في الجمعية التأسيسية , ورفعوا أصابعهم مطالبين بجلاء الإستعمار وميلاد الدولة السودانية المستقلة . كلّ هذا حدث ولم يزعم الحاكم العام أسلمة الحياة , أو صوغ الانسان على قالب الإخوان المسلمين , دون تقصير جلباب أو إرسال لحية , فكان للإسلام قدسيته ورمزيته ومكانته الروحية العميقة والسليمة , لم يكن هنالك دواع للنفاق , وتلبّس بالمظاهر , فشغل وظائف الدولة السودانية يشترط التأهيل والتدريب والتعليم والكفاءة كمعايير , ولم يكن من ضمن المعايير مبايعة الترابي أو البشير أو التزلّف لصلاح قوش أو نافع ومحاباة علي عثمان والقربى من الزبير , وكانت القوات العسكرية السودانية محل انضباط وبوتقة تضم كل الاثنيات والأعراق والأديان , ولم تتحول الى مليشيات حزبية وقبلية وإثنية وجهوية , ولم تكن الشعارات تصمّ الأذان أن حيّ على الجهاد ضد أبناء البلاد الآخرين , لم تغتصب سيّدة واحدة على مدى 57عاما قضاها الاستعمار العلماني ومن خلفه من حكّام علمانيين , ولم يقل حاكم عام انجليزي أو سوداني (غير اسلامي ) قولا بغيضا عن (شرف المرأة الغرباوية ) فيما رواه المرحوم الترابي إبّان المفاصلة بين دهاقنة الدولة الاسلامية العميقة في السودان , وقد صدق المرحوم ياسين عمر الإمام في قولته المشهورة (أخجل من دعوة أحد للإسلام في المسجد المجاور ), فالدولة الاسلامية العميقة قد أخرجت الناس عن الإسلام كمكون روحي إعتقادي وجعلته جزءا من البزنس واقتناص المصالح , فلم تنشأ في دارفور الخلاوي والمساجد تحت ظلّ دولة الاسلام العميقة بل نشأت معسكرات النازحين واللاجئين بعد أنْ شلّع جنجويد الدولة الاسلامية العميقة المساجد والخلاوي والمدارس بتهمة تخريجها للمتعلمين من أبناء الزُرقة , وتحت ظل الدولة الاسلامية العميقة انفصل جنوب السودان , وينادي سكان جبال النوبة والنيل الأزرق بالحكم الذاتي وربما تقرير المصير وكذا دارفور .في ظل الدولة السودانية (سطحية الإسلام) كانت الخدمة العامة تقوم أعمدتها وركائزها على القدرة والنزاهة والكفاءة , وفي ظل الدولة الإسلامية العميقة أنهارت الخدمة العامة وأنهارت البلاد , فمن ذاك الماجد الذي يأسى على المشروع الاسلامي إن كان ربّانه المرحوم الترابي أو خلفه الجزولي الداعشي ؟فالدولة السودانية صارت غميسة مغموسة حتى النخاع في أسوأ خصائص الدول , الفساد والإرهاب والقهر والإستبداد .