صلاح شعيب ،،برغم اكتشاف الحركة الإسلاموية المتأخر لأثر الأغنية المربح في الحفاظ على سلطتها إلا أنه دلالة على أن التطريب بالنغم والإيقاعات الأفريقية الحارة والراقصة ينم عن فهم جديد بحقيقة الوجدان السوداني والتنازل لإرضائه. ،،

صلاح شعيب

هناك حاجة لدراستين حفريتين للحصول على فرضيات قد تُخصِب حوار الهوية. الأولى يتعهدها باحثون موسيقيون لمعرفة ما إذا كان سقوط السلم السباعي، وإيقاعات الجزيرة العربية من وجدان عرب الوسط قد تم بفعل فاعل، أم أن الحقيقة هي أن الوجدان بعلاقته القوية بالموسيقى ـ كما نعرف ـ أظهر بعده الجيني الأفريقي المتمثل في السلم الخماسي والإيقاعات الأفريقية معا. أما الحفرية الثانية فتتعلق بدور من سمتهم الباحثة اليابانية يوشيكو كوريتا ـ المنبتين ـ في ترسيخ أساس السلم الخماسي في السودان. وهنا نحن آخذون في الاعتبار الدراسات التي تُرجع تشكل الغناء السوداني إلى القوميات التي تُعيد أصلها إلى المحيط العربي.
الحقيقة أن هذين الاقتراحين نبعا من حالة تأمل في الجدل الدائر حول تفضيل الانتلجنسيا الحاكمة، والطبقات الثقافية المؤثرة، ماكنيزمات معرفية دون غيرها في خفة ظاهرة لحسم سباق الهوية السودانية بغير اعتبار لنتائج المحمول الموسيقي. إذ دائما ما يتم تجاهل الأثر الغنائي في بناء، وتشكيل، ذلك الوجدان. بل إن ذلك التجاهل حرم المشرعين، والتنفيذيين، السياسيين من الاستفادة من تراثنا الموسيقي لفهم التنوع الذي تقوم عليه هوية البلاد غير المتفق بشأنها، ولم تحظ بمؤتمر معترف به يناقش جذورها.
والأمر هكذا، ربما لاحظنا في سجالات أطراف حوار الهوية تركيزا على خامات الدين، واللغة، لتبييعنا بضاعة الهوية مع إقصاء نتائج مباحث الفن التشكيلي، والغنائي، والحفريات التاريخية، في الحوار السوداني – السوداني لفك معضلة الاختصام الشرس حول السلطة، والذي أدى إلى نبوع أنهار من الدماء.
والملاحظ هنا أن الغناء بطابعه الخماسي الذي نشأ في الوسط ظل العامل الوحيد الأقوى الذي يصيغ الوجدان الجمعي السوداني، بينما فشلت بقدر كبير محاولات اتخاذ الدين، والتوجه العروبي، كوسيلة لبناء البلاد بعد الاستقلال. وعلامة ذلك انفصال الجنوب، وتعرض البلاد لتحديات تكاد تعصف بوحدتها نهائيا، فضلا عن الاستقطاب الكثيف الذي بات يغذي جدل نخبة البلاد. ومع كل هذه الدماء التي سالت ما يزال مركز السلطة يتجاهل هذه المعطيات الثقافية الماثلة. بل إنه يسعى بحيلة ماكرة إلى الاعتماد على تكثيف الغناء مقابل التخلي عن السماء، ذلك رغم أن الغناء يناقض سلفية الفهم الأصولي حول مصاحبات الدفوف، والمعازف. وبرغم اكتشاف الحركة الإسلاموية المتأخر لأثر الأغنية المربح في الحفاظ على سلطتها إلا أنه دلالة على أن التطريب بالنغم والإيقاعات الأفريقية الحارة والراقصة ينم عن فهم جديد بحقيقة الوجدان السوداني والتنازل لإرضائه.
ما يبرر ذلك الاقتراح الدراسي الحفري أكثر هو وجود المقامات العربية في غرب السودان مع غيابها في المركز السوداني الذي يؤكد وجود رباطات عرقية بين المكونات القبلية المتساكنة وبين عرب الجزيرة العربية. وما دمنا بغير توفر بعد على نتائج الدراستين لنقرر حول مإذا كانت الموسيقى، وإيقاعاتها، يمكن أن تثري جدل المستعربين، وغرمائهم، حول حقيقة جذور الثقافة الشعبية السودانية، أو قل حقيقة هويتنا على المستوى الأشمل، فإن الثابت هو غياب المقامات والإيقاعات العربية لدى أكثر الناس اعتزازا بالرباطات العربية الإثنية.
-2-
أذكر أنه في ندوة كنت قد أشرفت على إقامتها في نادي الضباط عام 1991 على شرف زيارة الفنان الليبي الغدامسي أن الأستاذ عبد القادر سالم قال إن في غرب السودان نغمات عربية أصيلة منها النهاوند، والسيكا. وأن ذلك يتبدى في غناء إبراهيم موسى أبا، وكذلك في الموتيفات التي وظفها هو من خلال تجواله في بادية كردفان إجمالا، إضافة إلى تجارب الفنان عبد الرحمن عبدالله، والفنان الراحل صديق عباس، وعمر إحساس، وأحمد شارف، وغيرهم. وفي ذات العام كنا في زيارة إلى البحر الأحمر لحضور مهرجان غنائي كبير أقيم هناك. وقد شارك فيه عدد كبير من الفرق الغنائية، ومطربون من مختلف الاتجاهات الغنائية، فضلا عن الحضور الإثيوبي، والأريتري. ولدهشتي وجدت أن هناك فرقة شعبية تسمى السماكة، إذ هي تقدم غناءً جميلاً بمقامات عربية. وعرفت لاحقا أن مصطلح السماكة يشمل مكونا إثنيا يمتد على كل ساحل البحر الأحمر وأنهم يجدون في حرفٍ بحرية. وأثناء تقديمهم ذلك النوع من الغناء الجميل عبر فقرات المهرجان فإن جمهورهم يرقص ويتموج كما هو حال السمكة في اختراقها لجسد الماء، ويمثلون في مسرحهم الغنائي حركة جذب الأسماك حين تقع في فخ الشباك. وعندما يستبد الطرب بمجموعة السماكة يطلقون صفقات تشبه الصوت المهرمن. وكما نعلم أن قبيلة الرشايدة المحصورة في سهول البحر الأحمر لديها مقامات عربية ولكنها لم تطور بعد أو تعرض عبر الموصلات الإعلامية.
ولكننا حين نتحدر من هناك مرورا بالدالي والمزموم، ومنطقة الشكرية إلى رفاعة، إلى الشرق والغرب المجاورين للنيل، نلحظ أن كل هذه القبائل تقدم أعمالها بمقامات خماسية لا شك فيها. غير أن الإيقاعات الحارة التي تستخدمها تخلوا من أي صلات ببيئة الجزيرة العربية الغنائية، أو مصر. أما الشمال الأقصى فإنه رغم ارتباطه بالثقافة المصرية المطبوعة في لهجة بعض سكانه، وبرغم تأثير الغناء المصري والسينما، إلا أن كل الأغنيات التي تضمها منطقة النوبة ذات جرس خماسي. وأذكر أن الاستاذ محمد وردي، رحمه الله، قال لي في حوار منشور إن السودانيين لن يقبلوا المقامات العربية، مستنكرا في ذات الوقت محاولات ما سماه تشويه الأغنيات السودانية عبر نغمات أنصاف التون. أما العبدلابي خضر بشير فقد زجرني مرة حين سألته عبر حوار عن السلم السباعي. فقال لي: “يعني عايز غناننا يكون زي غنا اليمانية..يا ولد..؟! ثم جر بيده عددا من حبات سبحته لأدنى ثم استلقى في سريره لا يبالي.
وددت بهذه الأمثلة أن أبرهن أن غناء القبائل ذات الجذور العربية في وسط وشمال السودان لا يحفل كثيرا بالمقامات والإيقاعات العربية. كما أن فناني أمدرمان برغم التأثر بالثقافة المصرية والعربية عموما لم يثنوا، أو يدعموا، تجارب العاقب محمد حسن الذي كان قد عاد من مصر متأثرا بالموسيقى الشرقية التي درسها. وكان حينها قد قدم أعمالا وظف فيها مقامات عربية، ومن بينها أغنيته الرائعة “حبيب العمر”. ولهذا السبب ظلت الأغنية السودانية أقرب إلى الإثيوبية، والإريترية، والصومالية، منها إلى المصرية. ولعلها تطورت أكثر من متشابهاتها الأفريقيات هذه بأن استفادت من المدرسة الغنائية المصرية في هيكليتها، مستعيرة مقدمتها، ومتنها، وقفلتها، ومادتها الشعرية فقط. بيد أن المقامات العربية تتكثف أكثر كلما يممنا بشطرنا نحو الغرب، وهكذا دواليك إلى المحيط. ففي تشاد هناك عدد كبير من القبائل تصدر موسيقاها عن مقامات عربية. والأمر كذلك عند عرب النيجر، وبنين، ومالي، إلى موريتانيا. والمدهش هو أنه رغم التصاهر الكبير لقبائل الحزام الأفريقي العربية إلا أنها استطاعت أن تحافظ على مقاماتها العربية دون أن تذوب في المقامات الأفريقية، وإن استندت إلى إيقاعات ليست هي عربية على إطلاقها.
-3-
لكل هذا الأسباب نرجو أن نتوفر على عمل أكاديمي حفري سوداني رصين يوضح لنا أسباب سقوط المقامات العربية من ذاكرة قبائل وسط شمال السودان، ومعرفة إلى مدى ظل هذا الوجدان مرتبطا بالبيئة الأفريقية نغما وإيقاعا فيما يناقضه التوجه العقلاني للمركز السوداني الذي يضع أفريقيا خلف ظهره. يحدث ذلك بينما كان من المتاح للسودان أن يؤسس مهرجانا غنائيا سنويا، إن لم يكن ثقافيا شاملا، يشمل ثقافة الحزام الأفريقي، والقرن الأفريقي. ولعلها تلك دبلوماسية شعبية لا يستوعب مردوداتها المشرع الإسلاموي. بيد أن هذا المهرجان كان يمكن أن يجعل من الخرطوم عاصمة لأنغامها التي عبرت الحدود وظلت تاريخيا تؤثر في أفريقيا جنوب الصحراء حتى إن هناك من يأخذون الغناء السوداني ويخرجونه بشكل لا قبل لنا به. ربما يساعدنا هذا الحفر المعرفي المقترح في معرفة مستوى التناقض في الاعتداد بالبعد الإفريقي في ما خص العاطفة الغنائية الخماسية مع عدم الانجذاب إلى التأليف وفق شروط المركزية الغنائية العربية بمقاماتها الحجازية والحسينية، والبياتية، والصبائية. هذا برغم أن عددا كبيرا من الفنانين يتذوقون السماع إلى فيروز، وحليم، وأم كلثوم، وفايزة أحمد، ومن دار في فلكهم. أما في ما يتعلق بصحة فرضية تأثير المنبتين في تأسيس الغناء السوداني أو عدمه، فإننا ندرك أن المؤسسين للقالب الموسيقي الذي لم يخرج عنه الملحنون حتى يوم الناس هذا يتحدرون من أسر عاشت في الوسط ولكن جذورها تعود إلى المنبتين، ذلك المصطلح الذي اشتقته كوريتا وأثار ما أثار من جدل حول دور المؤسسين لحركة اللواء الأبيض. والافتراض أن هؤلاء المنبتين ساقوا، وصاغوا، الوجدان الخماسي نحو الاتجاه الذي قبلته القوميات السودانية بمختلف مشاربها، ليس ذلك فحسب فإن هؤلاء المنبتين قد ساهموا في تنمية مفهوم القومية السودانية على مستويات ثقافية وفكرية. بل أكثر من ذلك أنهم ساهموا في تخليق بذور منظمات المجتمع المدني التي نشأت في بداية العشرينات والثلاثينات عبر الجمعيات الثقافية والإعلامية، والفنية.

نقلا عن مجلة الحداثة، العدد الأول، فبراير 2016