خالد فضل ،،استمر النظام 27 عاما رغم عزلته عن الشعب لأنه يدير البلاد بتدابير العصابات المجرمة التي يمكن أن تحافظ على بقائها عقودا مثل تنظيم القاعدة وبوكو حرام وجيش الرب و المافيا وتجار المخدرات،،

عندما يتكلّس النظام الحاكم في أي بلد وعلى مرّ التاريخ , تقوم أفعاله كلّها على العشوائية وتبدأ ممارسة التخبط وإعادة تجريب المجرّب من الممارسات الفاسدة والخطط العقيمة , تتحول سياسة وفنون الحكم والإدارة الى نمط رتيب من التدابير قصيرة الأجل , إذ يصير الشغل الشاغل للحاكم العاجز عن تقديم أي شئ مفيد لشعبه هو الحفاظ على موقعه تحسبا لحساب آت لا ريب إنْ هو فرّط في مقعده الذي يحتمي به , وهكذا تتحول البلاد المنكوبة بهذا الحكم وهذا الصنف من الحكّام الى غيتو معزول , والشعب الى قطيع يسومه الحاكم مرّ العذاب . هذه الصورة مع الأسف يعيشها السودان وشعب السودان , فإذا كانت الحكومات تشيخ وتفلس بعد مرور وقت طويل أو قصير فمن الملاحظ أنّ سلطة الاسلاميين السودانيين قد ابتدأت عهدها بالعجز والشيخوخة . وجدت أوضاعا مأزومة فزادتها تأزيما , وسياسة لاهية فمارست العبث السياسي على أصوله , وإقتصادا يترنّح( فحنكلته) من رجليه حتى أسقطته , بل وجدت ترابا وطنيا كاملا منذ فجر الاستقلال فقسّمته .

  سلطة شاخت من بيانها الأول ؛ لأنّها اعتمدت الكذب والتضليل قولا وفعلا, والكذب قصير الأجل كما هو معلوم , قالت انحاز الجيش للشعب , فإذا الجيش أول الضحايا , تصفية لأنبل كوادره وأكفأها , وإعداما لفرسانه وشجعانه ,وحولته لآخر عهدها الى مليشيات حزبية عرقية وقبلية بل عرضته في سوق الإرتزاق جريا وراء الريال السعودي فصار الجنود السودانيون عبيدا يباعون ويشترون في حروب العرش الملكي صيفا في الشام وشتاء في اليمن .

أمّا الشعب فقد كبّلته سلطة الاسلاميين من يومها الأول بقانون الطوارئ , وفرضت عليه حظر التجوال , ثمّ انهالت عليه في عمليات انتقامية بربرية لم يشهد مثلها الشعب السوداني منذ أن وجد على هذه الأرض , مئات الآلاف من الموظفين والعمال والمهنيين والعسكريين تم فصلهم وتشريدهم عن وظائفهم وقطع سبل كسب عيشهم , ثمّ فتحت الزنازين وأسست بيوت الأشباح لتعذيب المعتقلين وإذلالهم والحط من كرامتهم , أشاعت الرعب والخوف وبدّلت حياة الناس الى هواجس وظنون , ثمّ أقلقت مضاجعهم بالفتك والضراوة في اشعال الحروب وتخريب العلاقات وبتر الصلات بين أبناء الشعب الواحد بل والبيت الواحد بممارسة المحسوبية والموالاة وسياسة فرّق تسد المنقولة نصّا وروحا من توجيهات كتاب الأمير لميكافيللي , مع رفع المصحف والقرأن لزوم إحكام لعبة التضليل ومواراة سوءة الفعل القبيح والعجز المبين.

 أمسكت بمؤسسات البلد ومشروعاته ومصانعه وهيئاته وكل مفاصل النشاط البشري فجعلته بؤرا من القبح والقيح التي يفوح منها ما يزكم الأنوف من روائح الفساد والإفساد , فبهتت سمعة مؤسسات الدولة تحولت الى أوكار أمنية تحرسها الشكوك وتجوس فيها الرّيب , صار القرار السياسي والإداري تبعا لرغبة ومصلحة الفاسدين من ربائب السلطة والمتحلقين حولها , وأصبح المال العام نهبا لأطماع المتلهفين للثراء من المنحطين أخلاقيا العاجزين مهنيا والقاصرين , بإختصار أعلن نظام الاسلاميين عن عجزه وافلاسه الأخلاقي وخوائه الفكري من أول يوم في السلطة , وهو على مدى 27عاما يدير البلاد بتدابير العصابات المجرمة الني يمكن أن تظل موجودة بالفعل لعشرات السنوات , وليس هذا بالأمر الغريب , فقد ظلّ تنظيم  القاعدة مثلا يمارس الارهاب لعشرات السنوات , وبوكو حرام وجيش الرب ومنظمات المافيا وعصابات المخدرات كلّها ما تزال موجودة وعمرها عقود من الزمان , وهاهو بشار الأسد ونظامه يقاتل حتى الآن وقبله كم من ديكتاتور باطش حكم لسبعين وخمسين وستين عاما .

  ومن اليوم الأول لم يركن الشعب لممارسات تلك العصابة المجرمة , تواصل النضال الشاق والجسور من فئات عديدة من السودانيين وبصور مختلفة , فمنهم من حمل السلاح ومنهم من قاوم بالكلمة والموقف والمظاهرة والندوة وغيرها من سبل النضال المشروعة , وظلّ النشطاء في حقل الدفاع عن حقوق الإنسان يثابرون في نضالهم بهمة عالية كأفراد ومنظمات ومجموعات , ورغم ضراوة القمع الممنهج والمتصاعد ضد حقوق الإنسان السوداني لم تفتر العزيمة لدى هولاء النشطاء الذين ظلوا أهدافا ثابتة للإنتقام الهمجي والبربرية المفرطة ,والدعاية الاعلامية البغيضة والحرب النفسية واغتيال الشخصية , والسبب واضح , فهولاء النشطاء أفرادا ومنظمات ؛ يرصدون ويوثقون لوقائع الفجائع اليومية , ويناضلون عبر الطرق المدنية لرفع الضرر ولجم غلواء العصابة المجرمة , ويبثون الوعي بالحقوق . وينيرون الدروب المعتمة بالاستبداد , والناظر الى قائمة المدافعين عن حقوق الإنسان يجد أنّها تشمل طيفا واسعا من السودانيات والسودانييين من عرقيات متعددة وثقافات مختلفة وديانات ومهن متبابينة , يجمعهم همّ الدفاع عن حقوق الإنسان كل من زاوية نشاطه , فهناك الصحفيون في مختلف ضروب العمل الصحفي والإعلامي , والمحامون , وتجمعات النساء , والطلبة , والمهنيين , وبعض القوى السياسية والأحزاب يمكن إعتبار مواقفهم الجادة في منازلة الانتهاكات الفظيعة لحقوق الإنسان في عداد المدافعين , لذلك نجد إشتداد وتائر القمع ضد المراكز والمنظمات المدنية والثقافية , فخلال العامين الماضيين تم إغلاق عدة مراكز مدنية , تجمعها صفة المافعين عن حقوق الإنسان مثل إتحاد الكتّاب السودانيين , مركز الخاتم عدلان , مركز الدراسات السودانية , بيت الفنون , مركز علي الزين الثقافي , مركز الأستاذ محمود محمد طه الثقافي , مركز التدريب والتنمية (تراكس), مركز سالمة لدراسات المرأة , كما يواجه منتدى شروق الثقافي بالقضارف مضايقات ومصادرات مستمرة , إضافة الى إلغاء كثير من أنشطة وبرامج بعض المراكز المدنية مثل طيبة برس , ومصادرة الصحف , وإعتقال الصحفيين/ات , والإستدعاءات الأمنية , والمنع من العمل الصحفي والكتابة الصحفية , ومنع السفر ومصادرة الوثائق والممتلكات الشخصية للأفراد كما حدث مؤخرا مع الأستاذ فيصل محمد صالح , والأستاذة سوسن الشوية والمهندس صديق يوسف وغيرهم عشرات ممن يتم منعهم من السفر أو إعتقالهم عند وصولهم قادمين من الخارج بعد مشاركتهم في فعاليات ذات صلة بالدفاع عن حقوق الإنسان .

 إنّ السلطة المعادية بطبعها لحقوق الإنسان , تبدو أكثر رعبا من رؤية المناضلين ضدها وهم يستندون على حقوقهم كمواطنين , ويدافعون عن حقوق شعبهم بتفان وتجرّد وإخلاص ومثابرة , غير آبهين بما يلاقونه في سبيل تلك الغاية النبيلة ,(كرامة الإنسان), فالقاعدة التي يتأسس عليها الاستبداد هي إذلال الإنسان , وما زلت أذكر مقولة صديقنا علاء الدين بشير من أنّ أولياء الله في  العصر الحديث هم (المدافعون عن حقوق   الإنسان).