د. نبيل أديب

قدمت هذه الورقة في إحتفالية تكريم الدكتور منصور خالد

((ما أدري إن وقف عند كلمة معلمنا لطفي السيد أم لم يقف، لكنها تصفه وتصف كل الذين يعيشون الطلاقة الجامحة: “إن أراد قارئ أن يفهم حديثي هذا دفاعا عن فكر بعينه، فليعد قراءة الحديث مثنى وثلاث ورباع… وإن أراد أن يفهمه دفاعا عن دولة، فليعد قراءته مثنى وثلاث ورباع فالذي أدافع عنه هو أمر أخطر من هذا بكثير…الذي أدافع عنه هو حقنا في أن نفكر بحرية طليقة… وهو واجبنا في أن نتصرف بإرادة”.)) جمال محمد أحمد يتحدث عن منصور خالد في مقدمة حوار مع الصفوة

ربما يكون ما كتبه أحمد لطفي السيد عن نفسه، و أخذه عنه جمال محمد أحمد، ليصف به منصور خالد، هو أصدق ما كُتب عن منصور المفكر الطليق العقل الذي تتشكل مواقفه السياسية، تبعا لفكر لا تقيده أيديولوجيا، ولا قوالب مسبقة. كان الإلتزام الأساسي لمنصور خالد هو إلتزامه نحو حريات الإنسان الأساسية، وهو إلتزام سبق في نظره أي إلتزام حزبي، فمفتاح شخصية منصور خالد يكمن في أنه لم يمنح غيره أبداً الحق في أن يفكر له، لذلك فقد ظل ثابت الولاء للأفكار وليس للأشخاص.

إذا ترحلت عن قوم وقد قدروا *** ألا تفارقهم فالراحـــلون هم

 هنا يكمن سر تضحية منصور بالأشخاص، والأحزاب، مقابل ثباته على الأفكار والمبادئ. فمنصور الذي دخل ساحة السياسة عبر مكتب عبدالله خليل، زعيم حزب الأمة، كان متصالحاً مع نفسه حين وقف في وجه حزب الأمة في معركة حل الحزب الشيوعي. و منصور خالد مهندس إتفاقية اديس أبابا، ودستور 73 حين كان الساعد الأيمن لنميري،  كان متسقاً مع نفس هذا الفكر حين لم يرى في نفسه خيراً إن لم يقلها ويغادر. من منطلق رفضه لأن ينقاد في مواقفه لزعيم أو نظام سياسي، أو ايديولوجيا، أو دوجما ، كان منصور خالد يعي تماماً أنه لا يمكن له أن يحافظ على حريته دون أن يحافظ على حرية الآخرين . فالفكر الحر لا ينمو إلا في مجتمع حر. هذا كان مدخل منصور لحقوق الإنسان، فإختياره لحقه في حرية الفكر، وفي عدم الإنقياد  يصبح محض شذوذ في مجتمع لا يمنح نفس الحق لكافة أفراده.

منصور والحقوق السياسية

معلوم أن حقوق الإنسان هي مجموعة الحقوق المقررة للإنسان باعتباره إنساناً، دون إعتبار لجنسه أو جنسيته، أو لونه، أو ثقافته، أو دينه، او معتقداته. وهي حقوق لا تجوز مصادرتها، وان جاز تنظيمها بالقانون. حقوق الإنسان هي منظومة من الحقوق خرجت في أجيال ثلاث: الجيل الأول منها يشمل الحقوق المدنية والسياسية، والثاني يشمل الحقوق الإقتصادية والإجتماعية، والثالث يشمل الحقوق الجماعية للشعوب والتكوينات الإثنية، والثقافية. وقد كان مفتاح مواقف منصور خالد السياسية هو إختياره للوقوف مع هذه الحقوق. ويذكرالمجتمع الدولي، في إعلان فيينا لعام 1993 عن هذه الحقوق جميعاً أن “جميع حقوق الإنسان عالمية، وغير قابلة للتجزئة، ومترابطة ومتشابكة. يجب على المجتمع الدولي أن يعامل حقوق الإنسان على الصعيد العالمي بطريقة عادلة ومتكافئة، وعلى قدم المساواة، وبنفس القدر من الأهمية”

الحقوق السياسية والمدنية هي الحقوق الواجبة النفاذ بذاتها في مواجهة الدول والتي تتضمنها وثيقة الحقوق في الدستور وهي التي وصفها توماس جيفرسون بقوله ” وثيقة الحقوق هى تلك الحقوق التى يتمتع بها الشعب فى مواجهة أى حكومة فى العالم، وهى حقوق لا يجوز لحكومة عادلة أن ترفضها” واساسها كما يذكر ماديسون ” أساس وثيقة الحقوق هو أن تحد من سلطات الحكومة، وتؤطرها، بأن تخرج من نطاق تلك السلطات تلك الحالات التى يمتنع فيها على الحكومة أن تفعل شيئاً، أو أن تفعل ذلك الشئ فقط بطريقة معينة. ” ومن ضمنها بالطبع حق التعبير و حق التنظيم و حق التجمع السلمي. كان إيمان منصور خالد بمجموع هذه الحقوق هو حاديه حين وقف في حقبة الستينات من القرن الماضي مع الحزب الشيوعي ضد محاولة حله، ومع محمود محمد طه ضد محاولة تكفيره، رغم أنه  لم يكن شيوعياً ولا جمهورياً، ولكنه كان موقناً إن ما يبدأ بمصادرة حقوق الأقلية ينتهى بمصادرة حقوق الجميع، وهو ما عبر عنه بالعنوان الذي إختاره لمقالاته ” إنما أكلت يوم أكل الثور الأبيض”. لم يكن منصور يرغب في أن يجد نفسه في موقف دكتور مارتين نيمولر أحد قادة المقاومة ضد النازيين عندما  قال

عندما ألقي النازيون القبض علي الشيوعيين

بقيت صامتاً

لأنني لم أكن شيوعياً

وعندما إعتقلوا الكاثوليك

لم أحتج

لأنني لم أكن كاثوليكياً

وعندما إعتقلوني

لم يكن قد بقي أحد ليحتج .

بدأت أحداث قضية حل الحزب الشيوعي مساء الإثنين 9/11/1965 حين نظمت جبهة الميثاق الإسلامي ندوة في معهد المعلمين العالي في أمدرمان حول موضوع البغاء. وخاض فيها طالب أعلن أنه ماركسي، في حديث الإفك. وفجر الحديث، كما هو متوقع، مشاعر غاضبة وسط جمهور الطلبة، ورغم أن رابطة الطلبة الشيوعيين أصدرت بيانآ وضحت فيه أن الطالب ليس عضوآ في الحزب الشيوعي بل هو يصدر صحيفة حائطية يهاجم فيها الحزب. إلا أن الأحزاب السياسية بقيادة الإخوان المسلمين قررت إستغلال الحادث لتصفية حساباتها مع الحزب الشيوعي، فدفعت بأعداد من مؤيديها لمهاجمة دور الحزب بالأسلحة وبأسلوب همجي وصفه عبد الخالق محجوب ب “عنف البادية”. وقدمت مشروع قانون للبرلمان بحل الحزب الشيوعي. عندما إتضح أن بعض مواد المشروع تتعارض مع نص المادة الخامسة من الدستور التي تنص على حرية التنظيم، تقدمت الحكومة بمشروع قانون لتعديل المادة الخامسة من الدستور. وقد أجيز ذلك التعديل، في جلسة 22 نوفمبر 1965، بأغلبية 145 ومعارضة 25 وقد امتنع عضوان عن التصويت. وفي جلسة 16 ديسمبر تقدم حسن الترابي بمسألة مستعجلة تقول : إنه من رأي هذه الجمعية أن تقرر أنه بحكم الدستور والقانون قد سقطت العضوية عن الأعضاء الشيوعيين الثمانية (إستثني القرار الأعضاء الثلاثة الذين أيدهم الحزب الشيوعي) وأن تكلف رئيسها بحفظ النظام وذلك بإبعاد هؤلاء الأفراد. رفع الحزب الشيوعي ثلاثة قضايا الأولي ضد تعديل الدستور، والثانية ضد قرار الحل، والثالثة ضد طرد النواب. في 22/12/1966 أعلن صلاح حسن قاضي المحكمة العليا، كما كان آنذاك، أن الحريات المنصوص عليها في المادة الخامسة من دستور السودان المؤقت المعدل لسنة 1964 لا يجوز الحد منها بتشريع أو تعديل دستوري. وحكمت المحكمة بعدم دستورية التعديلات التي أجيزت يوم 22/11/1965 وإلغاء كل ما تعلق عليها من تشريع، وإعتباره كأن لم يكن. وفي 20/02/1967 أصدرت محكمة المديرية الخرطوم حكمها في القضيتين المتعلقتين بحل الحزب الشيوعي، وطرد نوابه من البرلمان، فقضت ببطلان القرارين لتعارضهما مع الحقوق الأساسية التي نصت المحكمة العليا بأنها حقوق لا تقبل التعديل.

نشر منصور خالد سلسلة مقالاته “يوم أكل الثور الأبيض” في ديسمبر 65 في وجه العاصفة وهي  في أوجها، وقد وقف في تلك المقالات مع الدستور، فإنتصر لما يفرضه إختيار الديمقراطية الليبرية على الناس من قيود، ورفض إستخدام الدين كوسيلة لتحقيق الغرض السياسي، ونظر إلى المسائل بشكل موضوعي بعيد عن الغرض. فمن حيث الإحتكام للديمقراطية يقول منصور” والقول بأن الديمقراطية والشيوعية لا  تتعايشان ولذا فلا بد من القضاء على الشيوعية كتنظيم خوفاً من خطرها مستقبلا .. هذا القول ليس بالقول الجديد .. ولكنه قول مردود لأنه يتعارض مع جوهر الديمقراطية الغربية نفسها” ومن حيث الدين فإنه لم يكن منطقياً الإحتكام للشريعة في شأن الشيوعيين من قبل من يحتكمون لقوانين علمانية غربية في كافة شؤونهم الأخرى، فيذكر “وأقول أن الخيار هنا بين أمرين لا ثالث لهما. أما أن السودان بلد مسلم يلتزم بتعاليم الإسلام في العبادات والمعاملات والحدود . ولذا فالشرع يقضى فيه ، بحق ، بأن يهدر دم المرتد .. ويحارب المشركون حتي يدخلوا في دين الله أفواجاً ( فبجانب الشيوعيين ما أكثرهم عبدة الأحجار والأشجار في أدغال الجنوب ) .. ويجلد لاعب الميسر والمخمور .. ويقام حكم الشوري لا على أساس المفهوم الانتخابى الغربى وإنما على الأساس الذى أختطه الإسلام .. فالشورى فى الإسلام هى شورى أهل الرأى ..وأما فى السودان بلد دين أهله الغالب هو الإسلام يباشرونه عقيدة بينهم وبين ربهم ويكيف سلوكهم الفردى نحو أهلهم وذويهم ..أما حقوقهم وواجباتهم العامة فيحددها الدستور الغربى القائم بنصوصه وأحكامه المستوردة من الغرب وقوانيه المستوردة من قوانين المجوس في بلاد الهند أو النصارى فى بلاد الإنجليز” الأيام 13 مارس 65 

الرجل وعصره

لا يمكن أن ننظر للفرد بمعزل عن عصره الذي تشكل فيه فكره. والعصر الذي كان يعني قروناً في فترة سابقة، بحيث نتحدث عن القرون الوسطى، وعصر الإستنارة، لم يعد يعني أكثر من عقود في القرن العشرين، وربما أقل من ذلك في قرننا هذا. والسبب في ذلك هو قدرة المعلومات على الإنتقال عبر المسافات والحدود، بل وعبر القرون، حين أصبحت التكنولوجيا التي ينتجها علم القرن الواحد والعشرين في طوكيو، تنتقل لإنسان ما قبل التاريخ في أقاصي الأرض يوماً بعد يوم، فأصبح العقل الجمعي للإنسان مكان تصصطرع فيه أفكار منتجة في عصور مختلفة. كان منصور على أشد الوعي بهذه الحقيقة وكان يستنكر تجاهل الناس لحقائق الحياة والتي يحيونها فيقول “إذن فالتطور يجب أن يعنى تطوير تراث الأمة وثقافتها ووضعهما فى إطار العصر .. ويعنى إعادة دراسة تاريخها ووضعه فى اتجاه حضارى تقدمى .. يلخص هذا الحديث قول كير كقارد .. ” كيما نفهم الحياة لا بد أن ننظر إلى الخلف .. ولكيما نحياها لا بد أن ننظر إلى الأمام ” … بعبارة أخرى لابد أن ننتمى إلى أمتنا .. وإلى عصرنا .. انتماءاً وجدانيا إلى أمتنا .. وانتماءا زمانيا إلى عصرنا ..” منصور خالد الإنتماء الزماني والإنتماء الوجداني الأيام 18/4/68

الحزب الواحد

“كان أحسن الأزمان، و كان أسوأ الأزمان. كان عصر الحكمة، و كان عصر الحماقة. كان عهد الإيمان، وكان عهد الجحود. كان زمن النور، وكان زمن الظلمة. كان ربيع الأمل، وكان شتاء القنوط.» قصة مدينتين تشارلز ديكنز

شهدت نهاية القرن التاسع عشر ظهور جيل آخر من منظومة حقوق الإنسان، إنتزعه العمال في البلاد الصناعية بالنضال الذي قادوه من أجل تحسين شروط عملهم، والذي أثمر عن  قوانين العمل التي أصبحت نواة الجيل الثاني من حقوق الأنسان، ونعني به الحقوق الإجتماعية والإقتصادية والثقافية. هذه الحقوق بما تتطلبه من إمكانيات مادية لتوفيرها، لا يمكن تقريرها ما لم تتوفر تلك الإمكانيات لدى الدولة. لذلك فقد أنكر البعض أنها حقوق بالمفهوم القانوني للحقوق، لأنها  ليست من الحقوق التي يمكن فرضها على الدولة بواسطة المحاكم. ورأى البعض أنها هي أساس حقوق الإنسان والتي لا تعدو أن تكون مجرد سراباً بدونها وهو ما عبر عنه منصور بقوله “ و الحريات الأساسية فسرت بأنها حرية الحياة، وحرية الفكر، وحرية التنقل، وحرية الاجتماع وحرية العقيدة، إلى آخر القائمة الضافية . إلا أن التطور الذي طرأ على المجتمع الإنساني في القرن التاسع عشر و القرن العشرين أبان للناس أن هذه الحريات في معناها التقليدي إنما هي وهم شائع. فحرية التعبير لا تعني شيئا بالنسبة للجاهل. وحرية التنقل إنما هي باطل الأباطيل لمن لا يملك أجرة النقل. وحرية التعليم ليست إلاتضليل في وضع يرغم الطفل في يفاعته على العمل بحثاً عن لقمة العيش. إذا فقد إنتقل مركز الثقل في هذا في هذا الجدل من الحديث عن القهر الفكري إلي الحديث عن القهر الإقتصادي و الإجتماعي. وقد أدي كل هذا بدوره إلي تطوير مفهوم المبادئ الدستورية و الحريات العامة، فالحقوق الأساسية في الدستور تعني بادئ ذي بدء ضمان الظروف المادية التي تمكن المواطن من ممارسة حرياته الإنسانية المشروعة. فالحريات الأساسية ليست إمكانيات قانونية و إنما هي حقوق يستطيع الناس، كل الناس ممارستها بنفس القدر من الأحقية، لذا فالدساتير المتقدمة تتحدث الآن في مبادئها الأساسية عن حق العمل و ضمان الحد الأدني من العيش، وحق التعليم والتأمين الإجتماعي ضد العجز و المرض، ورعاية الأمومة و الطفولة و الحد من الإحتكار في أوجه النشاط في المرافق التي تمس حيوات الناس، وكل هذه مبادئ لا يحتاج المرء لأن يكون حوارياً شيوعياً لكي يؤمن بها، فمقدمة دستور فرنسا عام 1946م تنص على تأميم كل مرفق قومي عام، وكل مؤسسة إقتصادية عامة غلب عليها طابع الإحتكار

كان ولوج حقوق الأنسان إلي القانون الدولي عن طريق تلك الحقوق وبالتحديد العهد الدولي المعروف بعهد بيرن لعام 1906م والذي تقرر فيه حظر عمل النساء ليلاً، وهو أول عهد دولي عُني بحقوق الإنسان من أي جيل. ويعتبر تحول حقوق الإنسان من كونها مجرد شأن وطني لتصبح أيضاً وبنفس الدرجة شأناً دولياً، من أهم التطورات التي شهدها القرن العشرين، والتي ساهمت في تعزيز حقوق الإنسان وحمايتها. إذاً فإن الجيل الثاني من الحقوق الإقتصادية و الإجتماعية و الثقافية لم يظهر  في المجتمعات الغربية الصناعية إلا في القرن التاسع عشر بعد أكثر من قرنين من ظهور الحقوق السياسية والمدنية . ولكن الحال كان مختلفا بالنسبة للسودان، حيث ظهرت النقابات العمالية وصارعت  من أجل حقوقها الإقتصادية، في نفس الوقت الذي كانت فيه المطالبة بالحقوق السياسية على أشدها عقب إنتهاء الحرب العالمية الثانية. و لم يكن السودان فريدا في ذلك بل كانت المنطقة كلها تعيش يقظة تقودها الطبقات العاملة من عمال وفلاحين وبورجوازية صغيرة يطالبون في آن واحد بالحقوق السياسية في مواجهة الأجنبي، و بالحقوق الإقتصادية في مواجهة الطبقات الوطنية المسيطرة على أدوات الإنتاج. كانت المنطقة تعاني من التخلف الذي تسبب فيه نقص الموارد والذي جعل المطالبة بالحقوق الإقتصادية لا يحول دون تحقيقها جشع الطبقات المسيطرة، كما هو الحال في العالم الصناعي، بل شح الموارد، بحيث لم تكن المسألة متعلقة بإعادة توزيع الثروة، بقدر ما هي متعلقة بإيجاد الثروة نفسها في المقام الأول. كانت إعادة التجربة الرأسمالية الغربية التي قامت على تراكم الثروة في يد الطبقة الرأسمالية الصناعية عن طريق الإستعمار الذي وفر لها المواد الخام الرخيصة مستحيلة. فليس لبورجوازية الدول المتخلفة أراض يمكن لها إستعمارها ولا القرون العديدة التي توفرت للبورجوازية الغربية لتراكم فيها الثروة. رأى الفكر السياسي السائد لدى يسار ذلك الزمن في تزامن المعركتين ما يساعد على القفز من فوق المرحلة الرأسمالية، بحيث تتحقق المطالب السياسية، والإقتصادية، بواسطة حلف عريض يتكون من العمال و المزارعين و البورجوازية الصغيرة، التي أُطلق عليها المثقفون الوطنيون او الثوريون، لإنتزاع السلطة من تحالف الإستعمار مع البورجوازية الكبيرة، ومن ثم يتم تراكم الثروة عن طريق تأميم المصالح الأجنبية، والمملوكة للبورجوازية الصغيرة. ورغم أن الشيوعيين طبقوا ذلك في تجربة الديمقراطيات الشعبية والتي كانت تقوم على جبهة يقودها الحزب الشيوعي، إلا أن مفكري دول العالم الثالث حاولوا الخروج عن هيمنة الحزب الشيوعي على الجبهة،  عن طريق نظرية الحزب الواحد الذي يضم العمال و الفلاحين و المثقفين الوطنيين، ويطرح الإشتراكية كأساس للعدالة الإجتماعية، ويقود ما إصطلح على أن يطلق عليه “طريق التطور التطور الرأسمالي”. ويقول منصور في ذلك “لامرية في أن هذا لينطبق على الدول النامية أكثر من غيرها لما يحيط بها من عوامل التخلف التي تجعل الممارسة الحقيقية للحقوق الأساسية التقليدية أمراً عسيراً.. فالمواطن لا يملك أن يعبر تعبيراً صادقاً عن إرادته في المجتمع المتخلف لأنه يخضع لمؤثرات عاطفية عميقة الجذور كانت نتيجة نفوذ قبلي أو ديني أو عنصري أو إقتصادي ، وهي مؤثرات لا يقوى معها من لا يملك الرشد السياسي على إصدار حكم يعبر عن الإرادة الواعية.. إذن فإن أي دستور جديد يحدث الناس عن الحقوق الأساسية بشكلها ومضمونها التقليدي ليس إلا سفر تضليل مالم تحدد، قبل هذه الحقوق مبادئ أخري تتعلق بالكيان الإقتصادي و الإجتماعي للدولة، وواجبها في توفير ضمانات لازمة تحقق للمواطن استقلاله الفردي، الذي لا يستطيع بدونه ممارسة أي حق دستوري”منصور خالد الهيكل الدستوري بين الحزب الواحد والجبهة المتحدة.

نبيل أديب عبدالله

المحامي