أمل هباني

*تعود ذكرى انتفاضة ابريل الحادية والثلاثون .. والشعب السوداني يصل مرحلة (الحي ومكفَّن) من غلبه وسوء حاله ومآله ،وهو يسحق تحت أحذية الإسلاميين الحاكميين ،ويُحقَّر ويُضطَهد بضروب وأشكال لم يعرف العالم مثلها …وهو الاضطهاد والازدراء بتجفيف الخدمات الأساسية ومصادرتها من خانة الحقوق الى خانة السلع، كما يحدث في التعليم

*ماحدث هو  تسونامي التعليم في عهد  الإنقاذ من دمار وتدهور في المنهج والسلم وبيئة التعليم ومجانيته وجودته،و تحويل التعليم من حق  لعملية ابتزاز مادي طبقي بامتياز ..وتوّج طوفان الانحطاط ذاك بفضيحة إمتحان الشهادة السودانية هذا العام ، بتسرّبها وبيعها لمئات الطلاب الأردنيين والمصريين، (وما خفي كان أعظم ) …لدرجة أن وزير التعليم الأُردني أصدر بياناً، ذكر فيه أن الاردن كانت سوف تقوم باعادة  امتحان الشهادة الاردنية لو حدث مثل هذا التسرب..

* فالشهادة السودانية لم تعد مبرئة للذمة الاكاديمية ، فلا قيمة معيارية لإمتحان يمكن أن يُباع من قبل بعض المسؤولين بألف دولار …وهذا من  أسوأ  مافعلته الحكومة بفسادها وسبهلليتها وعبثها وازدراءها بحقوق المواطن السوداني …..

*أن ماحدث في التعليم وحده يستوجب الانتفاضة ؛ناهيك عن بقية المعضلات والأزمات ،فالتعليم هو العصا  التي تستند عليها كل أسرة من أجل وضع أفضل في المستقبل ،وتقطع الأسرة في السودان من لحمها ودمها حتى يتمتع أبناءها بتعليم لائق فقط لا يسمن ولايغني من جوع ،إلى العلم والمعرفة واكتساب المهارات التي تؤهل أبناءهم لخوض الحياة بعد إكماله والمنافسة في سوق العمل داخليا وخارجيا …مالم يكن إبن المدارس النموذجية التمييزية الطبقية ، أو المدارس الخاصة الانجليزية ،والتي لا يقدر عليها سوى شلة الحكم وثلة من المقتدرين في السودان …فمدارس الحكومة لا يرتادها سوى (غلبان الحيلة ) بالإضافة إلى عدم عدالة ظروف تحصيلها ؛ فلا يعقل أن يُنافس طالب يمتحن تحت شجرة أو راكوبة قش، ويتوقع قذيفة تسقط على رأسه في أي لحظة في جنوب كردفان، مع طالب يمتحن في مدرسة مكيفة وقد أكمل المقرر منذ نصف العام  وينعم بأفضل الاساتذة والدروس الخاصة …بل لا يستقيم أن ينافس طالب ولاية الخرطوم مع طالب ولاية النيل الأبيض أو الجزيرة، لأن الإنهيار خارج الخرطوم  أشمل وأعم …

*  التعليم شكل نواة للثورة وهدفا لاصلاح مابعدها  ؛ وشكل هاجساً وهماً لكثير من الأحزاب والجماعات المعارضة ؛ وشكل هما ومطلبا مستمرا للشعوب …في كثير من الدول التي يفوق تعليمها تعليمنا جودة ورؤية …ففي ميانمار هناك حملة قوية جداً إسمها (تعليم أفضل )  تعتبر  ينتظم فيها آلاف الطلاب والبروفسيرات والأطباء والأساتذة الجامعيين  والسياسيين، وحتى الحركات المسلحة ؛وتعتبرهم السلطة مهدداً حقيقياً لوجودها، لذا يكثر اعتقالهم وانتهاك حقهم في التعبير والتجمع ..وكثيرا ما يزج بقادتها في السجون والمعتقلات ويتعرضوا لأقسى أنواع التعذيب …فقط بسبب هذا المطلب (التعليم الأفضل ) …..

*في ذكرى الانتفاضة أدعو الحركات المسلحة قبل المعارضة السلمية، وكافة أطياف الشعب السوداني، وحركات التغيير وأجسام الحقوق المدنية  لتبني (انتفاضة التعليم ) …أن يكون إسقاط هذا النظام بسبب ما فعله في التعليم ، و بسبب التطلع لنظام تعليمي راسخ ..وأن يكون هناك حراكا جماهيريا واسعا ، ضد الفساد الكارثي في إمتحان الشهادة هذا العام ، حتى يسقط الوزيرة أن لم يسقط الحكومة ،فبناء نظام تعليم برؤية وهدف واحد من الحلول الاساسية لأشكالية الدولة السودانية ….والأ فلا سبب يجعلنا نحيا  في بلد يمارس على أطفالنا (مذبحة التعليم) …..