نبيل أديب

يعتبر الترابي من أكثر الشخصيات السياسية السودانية في مرحلة بعد الإستقلال قدرة على الفعل السياسي. ورغم أن الترابي السياسي ينطلق من ايديولوجية إلا أنه لم يحبس فكره السياسي داخل قوالب أيديولوجية تفرض عليه المواقف السياسية. الترابي هو نمط فريد من الإيدولوجيين الذين لا يحفلون كثيرا بالإيدلوجية إلا بقدر ما تقدمه من ألق يساعد على الفعل السياسي، وذلك ليس لعدم رسوخ إيمانه بإدولوجيته، بل لإعتقاده بأن الإيديولوجيا لا أثر لها ما لم تدعمها السلطة السياسية لذلك فقد ظل عطاؤه الفقهي كمفكر إسلامي ثرياً في العبادات دون أن يجاريه عطاءً مماثلاً في أصول الحكم الإسلامي. ولنبدأ القصة من أولها

ولد حسن عبد الله الترابي في عام  1932 في مدينة كسلا ،ونشأ في أسرة متدينة ميسورة الحال، و حفـظ القرآن الكريم بعدة قراءات، ودرس علوم اللغة العربية والشريعة على يدي والده. ولكنه تلقى دراسته الأساسية والثانوية في المدارس الحكومية وفق المناهج العلمية الغربية فتلقى تعليمه بمناطق مختلفة من السودان، ودرس القانون في جامعة الخرطوم فتخرج عام 1955، ثم نال الماجستير من جامعة أكسفورد البريطانية 1957، والدكتوراه من جامعة السوربون الفرنسية 1964. أتاحت له دراسته بالغرب إتقان الإنجليزية والفرنسية والألمانية، والإطلاع على العلوم والثقافة الغربية.

الولوج لمركز الحدث

بعد إكماله دراسته في الخارج عاد الترابي الشاب وهو يحمل ارفع الدرجات العلمية ليلتحق بهيئة التدريس بكلية القانون، وليصبح سريعا عميدا للكلية في عام 1965 وقيل أنه كان على وشك أن يصبح عميداً لولا أنه إستقال ليتفرغ للعمل السياسي في قيادة حزبه إذ أن إستقالته سبقت إستقالة الدكتور محمد إبراهيم خليل الذي كان مفترضاً ان يخلفه الترابي على عمادة الكلية لولا ذلك. في كل الأحوال فقد شغل الدكتور الترابي آنذاك مركزاً أكاديمياً مرموقاً ، وهو مركز كفيل بأن ييسر لصاحبه رغد العيش والمكانة الإجتماعية  المرموقة، وهو ما زال في بداية الثلاثينات من العمر. ولكن الترابي لن يلبث إلا قليلاً حتى يضحي بذلك المركز في سبيل التفرغ لقيادة الحزب. كان ما يشغل هم الترابي الأول هو تحويل جماعة الاخوان المسلمين الذين كان قد إنضم لهم أثناء دراسته الجامعية، إلى حزب سياسي فاعل في الحركة السياسية السودانية. وكان سبيله لذلك أن يحول ذلك الحزب من نادي فقهي إلى حزب سياسي. وأول ما يميز الحزب السياسي هو البحث عن السلطة السياسية. لم يبق الترابي طويلاً بعيداً عن مركز الحدث فسرعان ما قادته شخصيته الكاريزمية القيادية، إلى الوصول لتولي رئاسة الجماعة. رأى الترابي أن نظام الفريق عبود كان نظاما معزولاً ومؤهلاً للسقوط فوضع حزبه في قلب معارضة النظام. و لما كان النظام قد أجج نار القتال في جنوب السودان عقب إنتهاجه سياسة أسلمة وتعريب قسرية، فقد أصبحت مسألة الحرب في جنوب السودان هي المسألة التي تشكل كعب أخيل في سياسة النظام في ذلك الوقت . كانت الندوة التي تحدث فيها الترابي عن سياسة النظام في الجنوب، و التي إستخدم فيها قدراته الخطابية في الهجوم على النظام، وما تبع ذلك من هتافات أدت إلي تدخل الشرطة بإطلاق النار، و مقتل القرشي نتيجة لذلك، هي الشرارة التي إستخدمتها النقابات المهنية و العمالية لإسقاط النظام العسكري. رغم أن نجم الترابي السياسي قد إرتفع كثيرا نتيجة لما أبداه من شجاعة في حديثه في تلك الندوة، وهو الأمر الذي سيدفع به إلى نادي يضم عدداً محدوداً من الفاعلين السياسيين، إلا أن السياسة التي إنتهجها نظام عبود في الجنوب، لم تكن في واقع الأمر مختلفة عن السياسة التي سينتهجها الترابي عندما يصل إلي السلطة بعدما يقرب من ربع قرن من الزمان على تلك الأحداث.

البحث عن الفاعلية

أول ما قام به الترابي الشاب كرئيس لحزب الإخوان المسلمين هو صياغة تحالف إسلامي تحت مسمى جبهة الميثاق الإسلامي تولى الترابي رئاستها لتصبح وسيلته الرئيسية للعمل على إقامة حكم إسلامي. طرح الترابي آنذاك ضرورة الوصول إلي السلطة لتطبيق نظام إسلامي متكامل تحت شعار ” إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن ” وهو الأمر الذي تسبب في إحداث إنقلاب داخل الإخوان المسلمين الذين كانوا يرون أن التربية الإسلامية هي عماد التغيير. ورغم إمكانيات الترابي الهائلة في البحث والدراسة فإنه ظل يفصل تماما بين الشعارات السياسية الداعية لتطبيق الشريعة، وإقامة الحكم الإسلامي، وبين دراسته النظرية في الفقه الإسلامي فلم يشغل باله على الإطلاق بدراسة تاكتيكات الوصول إلي السلطة، ولا تفاصيل نظم مباشرة السلطة وتداولها  من منظور إسلامي. لم يكن الترابي مشغولاً بإيجاد أسس للعمل السياسي بالنسبة لحزب إسلامي، بل كان مهتما بتقوية العمل التنظيمي والذي يتطلب إيجاد الكوادر  القادرة علي الفعل السياسي عن طريق قيادة العمل الجبهوي، وفقاً للخط الذي تطرحه قيادة الحزب مستفيدأ في ذلك من تجربة الشيوعيين في تكوين الجبهات وقيادتها. أما البرنامج السياسي للجبهة نفسه، فقد إنحصر في دعاوي غامضة وغير محددة بالدعوى لتطبيق الشريعة الإسلامية، و إقامة الدولة الإسلامية، وهي دعوى تخاطب العواطف الدينية التي لا تسأل بطبيعتها عن التفاصيل .

عمل الترابي على توسيع نفوذه السياسي عن طريق جبهة الميثاق الإسلامي بتجميع عدد من التكوينات الصوفية و القبلية تحت شعارات إسلامية تدعو لتطبيق الدستور الإسلامي. و قد أظهر الترابي فاعليته السياسية حين قاد جبهة الميثاق إلى تحالف مع الجناح الأكثر فاعلية في حزب الأمة، بقيادة قائد كاريزمي آخر، هو الصادق المهدي، في تجمع ضم بالإضافة للحزبين بعض التجمعات السياسية التي أقيمت على أساس إقليمي.

حل الحزب الشيوعي

 لعب الترابي دورا رئيسيا في الدعوة لحل الحزب الشيوعي أثر ندوة خاض فيها طالب أعلن أنه ماركسي، في حديث الإفك. غلبت شخصية السياسي الفاعل الذي يرغب في إستبعاد منافسه من طريقه، على شخصية الفقيه الملتزم بفكر يقوم على مثل يلتزم بها، مما جعله لا يرى  في الحادث أكثر من أنه فرصة لتصفية حساباته مع الحزب الشيوعي. وربما تكون الظروف المحيطة بعمل تكوين جبهة الميثاق، والشحن العاطفي الذي كان ضرورياً للسير بها عكس تيار العلمانية الذي كان متجذراً آنذاك، هو الذي قاده لذلك الموقف. وسرعان ما تكونت جبهة عريضة لحل الحزب الشيوعي تولى كبرها الدكتور حسن الترابي، وجذب إليها بالإضافة للجبهة التي كانت تكونت بالفعل من جبهة الميثاق وجناح الصادق من حزب الأمة وبعض التجمعات ذات المطالب الإقليمية أحزاب أخرى من الأوزان الثقيلة كالجناح الآخر من حزب الأمة والحزب الوطني الديقراطي و الذي كان قد تم تكوينه نتاج وحدة الحزب الوطني الإتحادي مع حزب الشعب الديقراطي تحت قيادة إسماعيل الأزهري. وقد تم تكوين تلك الجبهة  تحت شعار محاربة الشيوعية. تم تقديم مشروع قانون للبرلمان بحل الحزب الشيوعي، وعندما إتضح أن بعض مواد المشروع تتعارض مع نص المادة الخامسة من الدستور القائم آنذاك والتي تنص على حرية التنظيم، تقدمت الحكومة بمشروع قانون لتعديل المادة الخامسة من الدستور وتمت إجازته بأغلبية 145 ومعارضة 25 وامتناع عضوين عن التصويت في جلسة 22 نوفمبر. وفي جلسة 16 ديسمبر تقدم الدكتور الترابي بمسألة مستعجلة تقول : إنه من رأي هذه الجمعية أن تقرر أنه بحكم الدستور والقانون قد سقطت العضوية من الأعضاء الشيوعيين الثمانية (إستثني القرار الأعضاء الثلاثة الذين أيدهم الحزب الشيوعي) وأن تكلف رئيسها بحفظ النظام بإبعاد هؤلاء الأفراد. وهو الأمر الذي كشف الوجه غير الديمقراطي لتجمع تلك الأحزاب حين استخدمت أغلبيتها لتعديل الدستور و إصدار قانون حل الحزب الشيوعي وقررت طرد نوابه من الجمعية التأسيسية و إنتهي كل ذلك بتصادم مع الهيئة القضائية حين رفضت الحكومة الإمتثال لحكم القضاء و الذي قرر بطلان التعديل الدستوري وما نجم عنه من قانون و إجراءات. ولكن الجبهة إستمرت بعد ذلك في خطتها في تبني دستور أطلق عليه الدستور الإسلامي بغرض الوقوف ضد المد اليساري الذي كان يقوده الحزب الشيوعي.

رغم ان الترابي نجح في ما خطط له بوضع حزبه في قلب الأحداث، ومحاصرة الحزب الشيوعي، ومن ثم حله بل وانه عن طريق ذلك التجمع قد أصبح قاب قوسين أو أدنى من تقرير دستور إسلامي، إلا أن ما تمت مناقشته من مشروع الدستور لم تكن تعكس منهجاً فكرياً محدداً، بل كانت مجرد بعض المبادئ الشرعية التي زج بها في دستور ذي طبيعة علمانية لم يكن من شأنها سوى أن تسبب خطورة على وحدة السودان ومعارضة قوية من القوى الإقليمية النافذة آنداك. على أي حال فالمسألة كلها إنتهت ببساطة شديدة حين سقط النظام بأكمله تحت سنابك العسكر المتأثرين بنفوذ اليسار المتصاعد آنذاك.

بناء التنظيم عبر نظام مايو

عقب محاولات الصدام الأولى مع نظام مايو والتي قادت الترابي للتحالف مع الحزبين الكبيرين إلى المشاركة في ثلاث مواجهات عنيفة مع نظام مايو: الأولى في أبا، والثانية في تحريك الجماهير في شعبان، ثم محاولة الغزو من الخارج في يوليو 76. قادت تلك المحاولات الترابي للإقتناع بأن الإسلاميين لن يفلحوا في تغيير النظام عبر التحالف مع الجبهة الوطنية، و إنهم حتى لو أفلحوا في ذلك، فإنهم لن يصلوا إلي السلطة إلا بإعتبارهم الشريك الأصغر في الجبهة وهو الأمر الذي لم يكن يرضي طموحه مما قاده في نهاية الأمر إلي قبول المصالحة الوطنية والتي رآها توفر لحزبه طريقا لعمل سياسي مستقل يمكنه من الوصول إلى السلطة.

وفقاً لقناعة الترابي السياسية الرئيسية وهي أن سبيل بناء النظام الإسلامي يبدأ بالوصول إلى السلطة، قاد تنظيمه في ذلك الإتجاه من داخل الإتحاد الإشتراكي عن طريق المزاوجة بين العمل السري من جهة و العمل السياسي العلني. وقد كان العمل السري يتم عن طريق التغلغل في الأجهزة المختلفة للدولة، في حين يقوم العمل العلني على أمرين الأول العمل السياسي المشروع و الذي بدأ في المصالحة الوطنية عن طريق الإنضمام للإتحاد الإشتراكي و العمل من داخله لتعميق أطروحات الحركة الإسلامية و تكثيف ما أسماه حسن مكي لبناء واجهات العمل الميداني و المجتمعي في شكل منظمات الدعوة ومنظمات الإغاثة و المصارف و شركات التأمين و التجارة ( أنظر حسن مكي تجربة الحركة الإسلامية في السودان).

عندما طرح نميري أسلمة الدولة لم يكن محتاجا لتنظيم الإخوان المسلمين، بل كان في الواقع قد إستشعر خطورة التنظيم على حكمه ورأى ضرورة التخلص منه مستخدماً نفس التاكتيك الذي كان إستخدمه مع الشيوعيين، وهو أن يستلب الطرح الأساسي للتنظيم لنفسه لجذب جماهير التنظيم بعيدا عن قيادته. فكما فعل مع الشيوعيين حين قام بالتأميم والمصادرة، قام بإعلان الشريعة التي تمت صياغتها بعيدا تماما عن تنظيم الترابي وتم إبعاد الترابي نفسه من منصبه كنائب عام وتحويله لمنصب مستشار الجمهورية حتى يكون بعيدا تماما عن مشروع نميري الإسلامي. ولكن الترابي لم يقع في الفخ الذي وقعت فيه قيادة الحزب الشيوعي حين عارضت التطبيق المعوج لفكرها، فقد أيد الترابي تطبيق الشريعة الإسلامية بغض النظر عما صاحب التطبيق من أخطاء، بحجة أن الأخطاء يمكن تصحيحها .

الوصول إلي السلطة

 ورغم أن مشروع النميري الإسلامي لم ينطلي على أحد بل عجل في إسقاطه، ألا أن الترابي كان قد نجح بالفعل في إستغلال  مصالحته مع النميري في بناء تنظيم بالغ الثراء و القوة سرعان ما ظهر في الديمقراطية كقوة ثالثة لم يكن من الممكن تجاهلها وقد كانت قوة التنظيم وفاعليته مع عدم قدرته على الوصول إلى السلطة في ظل إنتخابات ديمقراطية حرة، هو السبب في أن يولي الترابي نظره نحو الجيش بإعتباره الجهاز الفاعل الذي يمكن له عن طريقه الإستيلاء على السلطة، خاصة بعد دخول الحركة الشعبية إلى دائرة الفعل السياسي بطرح معاكس تماما للطرح الإسلامي، وهو طرح كان قادرا علي اجتذاب المؤيدين في المناطق المهمشة. وهكذا قرر الترابي أن تأخير الوصول إلي السلطة قد يعني ضياع الفرصة إلي الأبد، وهكذا كانت الإنقاذ هي المحطة النهائية التي تم عبرها تطبيق المشروع الإسلامي. عند وصول تنظيم الترابي للسلطة لم يكن له طرح يتجاوز الدعوة لتطبيق الشريعة الإسلامية.

الفقه والسياسة

ولكن الدعوة لتطبيق الشريعة الإسلامية لا تصلح كبرنامج سياسي فالالشريعة الإسلامية ليست مجموعة أحكام مقننه ومتفق عليها بحيث يحتاج تطبيقها فقط لقرار سياسي يصدره الحاكم، بل هي بحور عميقة وواسعة من الخلافات، وإستنباط الأحكام، وهي تحتوي على قواعد في القانون الدولي، وفي القانون الدستوري، وفي أغلب فروع القانون الداخلي. وإذا نظرنا إلى كتابات الترابي قد نجد أحكاما متفرقة هنا وهناك بشأنها ولكننا لن نجد نظرية متكاملة.

ففي القانون الدولي مثلاً لانجد تناولاً للتقسيم الفقهي المستقر لما يحكم علاقة دولة الإسلام بباقي الدول في داري العهد والحرب. وإذا كان هناك رفض لذلك التقسيم المستقر في الفقه الإسلامي فعلى ماذا بني؟ وما هي الأسس الفكرية لإعتبار الفهم الجديد هو حكم إسلامي واجب التبني؟

وفي القانون الدستوري لم يتعرض الترابي للأسس الفقهية للخروج عن شروط الإمامة الكبرى، فقد تمسك أول الأمر بشرط الإسلام ولكنه عاد عنه دون تبرير فقهي، مكتفياً فقط بالقول بأن الأغلبية المسلمة لن تنتخب غير مسلم للرئاسة، وهو قول محل نظر. أما بالنسبة للشروط   الأخرى التي إشترطها الفقهاء للإمامة كشرط عدم خروجها عن قريش و شرط الغلبة وأحكام البيعة فلا نجد شيئا، ولا في غير ذلك من المسائل الأقل أهمية مثل حق تولي المناصب العامة والدخول في الجندية أما ولاية المرأة فقد تم تناولها في إمامة الصلاة وليس الإمامة الكبرى . لذلك فعندما تولت الجبهة السلطة في يونيو 89 لم يكن لها أي اجابه على كل ذلك وقد دفعتها الضرورات السياسية إعتباراً من إتفاق الخرطوم للسلام وفي كافة الوثائق الدستورية التي تلت ذلك لقبول أحكام مغايرة. فتم قبول تأسيس الحقوق والواجبات الدستورية السياسية على رابطة المواطنة بدون اعتبار للدين، وهو ما يربط الحاكم بالمحكومين في دولة الإسلام، ودون تقديم مبررات فقهية في هذا الخصوص. وحتى الإستناد لدولة المدينة تم بتجاهل للأحكام التالية لها والتي يعتبرها الفقه التقليدي ناسخة لأحكامها.

كذلك لا نجد أي عمل فكري خاص حول الأحكام المتصلة بالقانون الجنائي أو المدني. وظل قانون المعاملات المدنية المنقول نقلاً مخلاً عن قوانين أجنبية دون أي تعديل من منظور إسلامي. أما التعديلات التي طرأت على أحكام الحدود والقصاص بقانون 91 فهي تعديلات طفيفة غير مؤسسة على نظرية واضحة، ولم تجد لها ظهيراً من أي عمل فكري.

كل ذلك الغموض النظري سمح لنظام الإنقاذ أن يتأرجح من أقصي اليسار لأقصى اليمين من المنظور الإسلامي، دون مشكلة ودون أي تبرير فكري . فدولة الإسلام التي فتحت حدودها للمسلمين بغض النظر عن جنسياتهم في أول الإنقاذ، بل وللمستجيرين (كارلوس) حتى ولو كانت إستجارتهم من القانون الجنائي العادي ، تحولت إلى دولة المواطنة في دستور 98 وقبلت بعض من كانت ترفع في وجوههم راية الجهاد حكاما معها دون أن يدخلوا في دين الإسلام.

كذلك فقد تأرجحت السياسة الإقتصادية من تحديد قاطع للأسعار، وفرض صارم للرقابة على العملة، وصل لدرجة الإعدام، إلى انفتاح كامل وتحرير للسوق وخصخصة لا حدود لها دون أي تبرير فكري من منظور إسلامي .

من كل هذا يتضح فقدان الأسس الفكرية للخطاب الإسلامي الذي حمل الجبهة للسلطة. وقد ظلت الجبهة تعترف بأن السودان بلد متعدد الأديان وتطالب بتطبيق الشريعة الإسلامية دون أن تواجه إشكاليات تطبيق الشريعة في بلد متعدد الأديان. خاصة وأن بعض هذه الأديان وثنية. وتطبيق الشريعة الإسلامية على مجتمع متعدد الأديان به إشكاليات لم تقطع فيها الجبهة برأي فقهي واضح. من أهمها أحكام غير المسلمين الذين لا يفرق الدستور بينهم وبين المسلمين وتحمل الأحكام الشرعية الخاصة بهم بحور من التفرقة دون تبرير نظري فقهي. وظل السؤال الأساسي بغير إجابة، وهو  كيف يكون الرباط بين المواطن والدولة  هو حق المواطنة إذا بنيت العلاقة الأساسية  في ذلك الرباط وهي القانون- على الدين؟

خاتمة

أظهرت العشرية الثانية للإنقاذ تحولات كبيرة في فكر، ومواقف الترابي العملية، فيما يتعلق بكل تلك المسائل، وأظهرت رغبة في دراسة كل تلك المسائل بشكل تفصيلي وحداثي، وأصبح موقفه من الحكم الديمقراطي أكثر وضوحاً، وأكثر إلتزاماً، وهو ما إنعكس على مواقفه السياسية فلم تعد مرتبطة بإرجاء الحلول لحين الوصول إلى السلطة، إلا أن إنشغاله بالعمل السياسي لم يسمح له بتناولها على الصعيد الفقهي بما أوتي من ملكات فكرية هائلة. وفي النهاية فقد ذهب الترابي تاركاً لأتباعه أن يتخذوا أحد الطريقين، إما أن يكملوا ما بدأه هو من ربط الفكر الديني بمتطلبات الحداثة، وحقوق الإنسان، أو أن ينقلبوا على أعقابهم فيعودوا إلى رفع اللافتة الدينية توسلاً للوصول إلى السلطة أو الإحتفاظ بها.