فايز الشيخ السليك ،،تواجه مشاريع الحداثة بمقاومة من قبل السلطة من جهة، ومن قبل المستهدفين وأصحاب المصلحة أنفسهم لما مورس عليهم من تغييب وتعرية وتجريف تجعلهم متماهين في مشاريع التجهيل والتضليل والاستبداد،،

كثيرون سمعوا بقصة الضفادع الأربعة التي  وضعت  داخل إناء  مملوء بماءٍ ساخن بلغت درجة حراته درجة الغليان،   الأمر الذي دفع الضفادع  للقفز بسرعة من داخل الإناء ، بعد ذلك تم   تبديل الماء الساخن بآخر بارد  يتم تسخينه تدريجياً،  انتبه أحد الضفادع لوجود خطر بعيد  لم تدركه  بقية الضفادع التي لم تستجب  إلى  تحذيره،   فاضطر  هو الآخر في آخر المطاف  للاسستسلام والإنقياد لتوهمات للضفادع الثلاثة التي خدعتها برودة الماء، وتعايشت معها، دون أن تدرك أن الماء يغلى تدريجياً ليكون مصيرها الموت المحتوم لكن ببطء بعد أن فقدت الضفادع  قدرة القفز كلما ارتفعت درجة غليان الماء.

وللتجربة دلالاتها؛ فهي توضح درجة ارتفاع ادراك  الكائنات الحية  بالمخاطر القريبة منها أو المباشرة ، على عكس تلك الأخطار التي تأتي متدرجة،  كما تبرهن التجربة على    خطورة  استسلام الفرد بسبب الكسل الذهني، وخضوعه لإدراكات وللعقل السائد ، وقد تكون مخطئة؛ لا سيما في ظل  اختفاء التفكير الجدلي و غياب الخطاب النقدي،  والإنتهاء بالتفكير من داخل الصندوق، وبالطرق التقليدية.

 وحتى لا نغلق أنفسنا داخل صندوق مغلق نضلل أنفسنا بامتلاك معرفة متوهمة علينا مواجهة أنفسنا قبل مواجهة الآخر، وأن نخضعها للتشريح والتحليل والعمل الدؤوب من أجل مشروع تبصيري يجعلنا ندرك المخاطر قبل وقوعها، وهنا أطرح هذه  المساهمة أملاً في حوار عميق وكثيف حول ” العقل النقدي والجدلي، وما يحرضنا على دخول  مراحل حداثة بتمرحلاتها وتحولاتها وتنقلاتها وتطوراتها، ومن ثم تحقيق مشروع وطني نهضوي للتغيير. 

 يعني البعض بمفهوم الحداثة ” التجديد”، أو “التحديث، ولضيق مساحة المقال؛  أكتفي بتعريف جابر عصفور الذي  يرى أن الحداثة   بحث مستمر ” للتعرف على أسرار الكون من خلال التعمق في اكتشاف الطبيعة والسيطرة عليها وتطوير المعرفة بها، ومن ثم الارتقاء الدائم بموضع الإنسان من الأرض. أما سياسيا واجتماعيا فالحداثة تعني الصياغة المتجددة للمبادئ والأنظمة التي تنتقل بعلاقات المجتمع من مستوى الضرورة إلى الحرية، من الاستغلال إلى العدالة، ومن التبعية إلى الاستقلال ومن الاستهلاك إلى الإنتاج، ومن سطوة القبيلة أو العائلة أو الطائفة إلى الدولة الحديثة، ومن الدولة التسلطية إلى الدولة الديموقراطية”.

وبالطبع فإن مثل هكذا بحث لن يستقيم من غير استخدام  عقل بحاث قادر على سبر أغوار المجاهيل، وقدرة  الإرتقاء  بواقع “متخلف” إلى آخر متقدم،  وفق سياقه التاريخي والثقافي، والمكاني والزماني، فما هو حديث اليوم  قد يصير غداً قديماً، وما كان متقدماً وفق معطيات وسياقات الراهن  ربما يصبح “متخلفاً” في وقت ما.

 هكذا هي صيرورة الكون والتجديد الذي يشبهه الفلاسفة بمقولة ” لا يستحم الإنسان في النهر الواحد مرتين” في إشارة إلى أن النهر؛  ليس هو ذاك  المجرى فقط، بل هو الماء المتدفق والمندفع الذي ينتقل من مكان إلى آخر كلما ظل النهر حياً.

 لذلك نظل في حاجة مستمرة لتطوير طرائق تفكيرنا من أجل إنتاج معرفة تساعدنا على تحقيق مشاريعنا الحداثوية والنهضوية، وبالضرورة ربط ذلك بعملية ” التغيير”، والمعرفة لا ينتجها إلا عقل مبدع لا يمكن الوصول إلى ” حداثة” بدونه، مثلما لا يمكن  صوغ مفاهيمها  النظرية حال غيابه أو غيبوبته .

والعقل المبدع هو عقل  ” مُنتِج” بضم الميم، وكسر التاء، أي على ” اسم فاعل بوزن مُفْعِل” أما الأفكار، فهي ” مُنتَجَة ” ، بضم الميم وفتح التاء، أي أنها مفعولة، وللعقل  تعريفات في علم النفس تنطلق  من وظائفه ونشاطته الفكرية  والنفسية، مثلما تنطلق في “البيولوجي”،  من وظيفته الحيوية، و اجتهد فلاسفة قدماء في مسألة تعريف العقل، فعند ديكارت ”  أعدل قسمة بين الناس… إن قوة الإصابة في الحكم وتمييز الحق من الباطل- و هي في الحقيقة التي تسمى بالعقل أو النطق تتساوى بين كل الناس بالفطرة، لكن جون لوك يختلف مع ديكارت ويقول  ” لو كان الناس يولدون وفي عقولهم أفكار فطرية لتساووا في المعرفة“. – “لو سألت الإنسان متى بدأ يعرف لأجابك متى بدأ يحس”، بينما ركز كانط بنائه النظري على ربط العقل بالظواهر الطبيعية دون النفاذ الى الأشياء في ذواتها.    

 إن كل  تلك التعريفات مهمومة  بالعقل الفردي، فيما تهتم هذه المقالة ب”العقل الجمعي”،  أي ” مجموع الخصائص المشتركة التي تكونها تصورات موحدة حول كل  المسائل الحياتية والوجودية، وتنطلق  هذا التصورات  من  منظومة مرجعية تُشكَّل قاعدته ونقطة انطلاقه واحداثياته،   ويرى الدكتور محمد عابد الجابري ، في كتابه ” نقد العقل العربي/ تكوين العقل العربي” التفكير بواسطة ثقافة ما؛ معناه التفكير من خلال منظومة مرجعية تشكل إحداثياتها الأساسية من محددات هذه الثقافة ومكوناتها، وفي مقدمتها الموروث الثقافي، والمحيط الاجتماعي، والنظرة إلى المستقبل، بل والنظرة إلى العالم، إلى الكون، والإنسان، كما تحددها مكونات تلك الثقافة، وهكذا، فإذا كان الإنسان يحمل معه تاريخه، شاء أم كره، كما يقال، فكذلك الفكر، يحمل معه شاء أم كره، آثار مكوناته، وبصمات الواقع الحضاري الذي تشكل فيه، ومن خلاله”   و العقل عند الجابري ” مُنتج للفكر، أو مكوِّن،  ويمكن اعتباره وسيلة تفكير، أو أداة إنتاج، وعكسه العقل المكوَّن، الذي تم انتاجه بواسطة منظومة معرفية محددّة، ويصطلح عليه العقل السائد وهو  ” جملة المبادئ، والقواعد التي تقدمها الثقافة، للمنتمين إليها كأساس لاكتساب المعرفة، أو لنقل : تفرضها عليهم كنظام معرفي، ربما يحدث خلل ما في النسق المعرفي او الثقافي  ينعكس ذلك على  العقل الجمعي ممنِتجاً، أو منتجَاً، وفي هذه الحالة فإن الاثنين سيتأثران سلباً لما بينهما من علاقات جدلية  وسوف  يتجلى في   ما يمكن تسميته باضطِّراب في التفكير ، أو خلل في نسق النظام المعرفي والثقافي الذي يُشكِّل منصة انطلاق هذا العقل.    

 إن منصات انطلاق العقل السوداني واحداثياته تتمثل في ثنائية الهوية، ( عربية أفريقية)، الأديان السماوية، القبيلة، فالثنائية بدلاً من تحويلها إلى عامل قوة بنقل الجينات القوية في المكونين إلى عقل جمعي واحد، صار العقل متنازعاً، مثلما حولته المشاريع الدينية إلى عقل غيبي مدجن، لا يقبل الاجتهاد، وخاضع لمسلمات تخصه وحده،  أما القبيلة فقد ساهمت  في تضييق زاوية الرؤية حتى صارت القبيلة فوق الجميع، والجهة فوق الوطن؛ لا سيما  في غياب المشاريع الوطنية وترك الحلبة خاوية على عروشها للمشاريع السلفية،  في وقت تعرض فيه العقل الجمعي لعمليات تجريف مستمرة عبر سياسات فصل للذاكرة،  وتؤسس عملية فصل الذاكرة لخلق أجيال  بلا ذاكرة وطنية وحضارية بعد أن انقطعت دورة تواصل الحضارات في بلد تمتد تواريخ حضاراته إلى 7 ألف عام، بعد أن تعرضت تلك الحضارات إلى اعتداءات تدميرية همجية، قضت على الجوانب المادية والمدنية فيها، وإلى طمس للمعالم متعمداً شمل المتاحف والآثار،   وتتم هذه العملية وفق عمل ممنهج من قبل نخب المركز متمثلة في “الإسلاموعروبويين ” الذين اختطفوا الدولة ومارسوا استعلاءً على بقية المكونات الثقافية الأخرى وفرض ثقافة أحادية من أجل نصرة المشروع العروبي في بلد متعدد الثقافات والديانات، وتتم العملية عبر سياسات  إقصاء، و مناهج تعليم وترميز تضليلي، واعادة إنتاج، ودورات عنف ممنهج  وما يقابله من عنفٍ مضاد، من قبل المجموعات المهمشة، والجماعات المقهورة .

 لقد ساهمت الأفعال والأفعال المضادة  في خلق تشوهات في عقلنا الجمعي   واصابته بما يمكن تعريفه باضطراب منهجية التفكير، حيث سوء التنظيم الذهني في التصدي للواقع ، العشوائية والفوضى والتخبط في اتخاذ القرارات، ومعروف أن التخلف يرتبط بانعدام المنهجية وقصور التحليل العلمي ، لذلك “ينكفئ الإنسان المقهور على الملاحظة الساذجة والانطباعات الأولية. يتسم الذهن المتخلف بالقصور في الفكر النقدي إنه متحيز في أولية تفكيره فإما أن يكون مع أو ضد ، كما يتسم بانعدام المثابره.. التركيز في أمر محدود زمنياً سرعان ما ينال منه التعب والتشتت لذلك تنعدم الخطط البعيدة المدى في تفكيره. كما أنه من السمات البارزه انعدام الدقة والضبط كل شئ يسير بشكل اعتباطي ومعرض للتهاون والتراخي والاستهتار. أو بشكل أكثر وضوحاً العالم النامي يعيش ليومه فقط

إنَّ العقل الذي يكون بلا ذاكرة مضيئة، أو أنه مصاب باضطراب منهج التفكير، هو عقل معياري ” يتعامل مع القطعيات، والحتميات بلا تفكير، يتبادل الإكليشهات الثابتة ويتعامل معها كمسلمات وبديهيايت مثل ” نحن أكرم شعوب الدنيا”؟  أو أذكى …. أو أن أؤلئك أغبياء” ؟!. أو ترديدنا لمقولات مفخخة ظللنا نرددها كالببغاوات ” القاهرة تكتب، بيروت تطبع، والخرطوم تقرأ”. أو ليست هذه محنة؟. وأزمة؟. تعكس تفكير مأزوم لعقل مأزوم؟!. فهب أننا “نقرأ” فلماذا نكون كالحمار يحمل أسفاره؟ لنظل مجرد ” مستهلكين للمعرفة، لا منتجين لها، ومجرد سوق،  أما “قصور التفكير الجدلي يشير إليه الدكتور مصطفى حجازي في سفره المهم ” سيكولوجية الإنسان المقهور – ”  هو لب الذهنية فهي جامدة قطعية تتبع مبدأ السببية الميكانيكية عاجزة عن العمل تبع مبدأ التناقض ، تنطلق من مبدأ الثبات في كل شئ بينما المنهج الجدلي يقول بالدينامية والصيرورة ، كما أنها تنطلق من مبدأ السببية ذات الاتجاه الواحد : سبب محدد يؤدي إلى نتيجة محددة ، التأثير يأتي من السبب ويؤدي إلى النتيجة ، أما الحركة في الإتجاه المعاكس ( تأثير النتيجة على السبب) فغير متصورة. ومن أخطر أوجه القصور العجز عن رؤية قانون التناقض”، وهي سمة من سمات العقل المأزوم”، وما ينتجه من تصورات فكرية، ومنظومات سياسية، ومؤسسات اجتماعية مأزومة هي الأخرى، وهنا أمثلة كثيرة على مثل هذا الخلل، فمثلاً حين تقوم حرب أهلية بين “الجيش السُّوداني”، ومجموعات مسلحة، أعلنت تمردها على النظام في الخرطوم، يخرج العقل الجمعي بأغنية واحدة، وبلحنً واحد، وهو أن هذه جماعة خارجة على القانون، وأنها تريد حل المشاكل بالسلاح، ونسمع التغني للوطن، وضرورة وقف الحرب، والتي لا تعني سوى وقف القتال، دون الغوص في أسباب الحرب، و التفكير في أنها قد تكون نتيجة، أو حتى أحد أعراض مرضٍ عضال؛  نتيجة للتهميش، وللقهر الطويل، وغياب العدالة الاجتماعية، والحرية، لكن العقل المعياري، يعجز عن الجدل، ولا يتحمل عناء البحث فيما وراء الظواهر، أو أسباب النتائج، بل يتواطأ مع الواقع إما عجزاً أو رضوخاً.

وخلال ربع القرن الأخير تعرض ” العقل السوداني ” إلى أكبر عمليتي تعرية وتجريف منظمتين ممنهجتين عبر ما يسمى بـ” المشروع الحضاري” مستنداً على تربة خصبة متمثلة في عامل الدين، وللدين دوره في طرائق التفكير، لأنه يقوم على “إلإيمان والتسليم” ورد كثير من القضايا والأمور إلى ” الغيبيات” وما ” وراء الطبيعة” فإن للعقل تأثره بذلك دون شك، لا سيما وأن الدين الإسلامي مثلاً اعتمد على الصوفية والتصوف في عملية انتشاره، وهي طرق تقوم على التسامح والمحبة، وقبول الآخر، مع جنوحها إلى ” الفسلفة الغنوصية، وهي حسب تعريف ” الويكابيديا”  Gnostisim تعني العرفانية نسبة إلى غنوص Gnosis، وهي كلمة من أصل يوناني تعني المعرفة بشكل عام، ولها أشباه في بقية اللغات الهندو – أوروبية مثل قولنا بالإنكليزية know أي يعرف  و knowledge أي معرفة. على أن المعرفة التي تشير إليها المفاهيم الغنوصية هي أقرب إلى  مفهوم “العرفان” بمصطلح التصوف الإسلامي.. أي أنها نزعة فلسفية دينية صوفية معاً تقود إلى معرفة الأسرار الإلهية من خلال تجربة باطنية تقود إلى الكشف والإستنارة؛ ففي مقابل إلتزام اليهودي بالشريعة وأدائه للشعائر والطقوس، وفي مقابل إيمان المسيحي بالمسيح المخلص، فإن الغنوصي ينكفيء على ذاته في خبرة عرفانية تقوده إلى معرفة الله الحي ذوقاً وكشفاً وإلهاماً.. وهذه المعرفة يعتبرها أصحابها أسمى من معرفة المؤمنين البسطاء، وأرقى من معرفة علماء الدين الذين يعتمدون النظر العقلي (اللاهوتيون، المتكلمون) لأنها وحدها الكفيلة بتحرير الروح الحبيسة في إطار الجسد المادي والعالم المادي الأوسع، لتقود إلى العالم النوراني الأسمى الذي صدرت منه

 

و ظل الدين سؤالاً قائماً في السياسة السودانية، عبر “الدولة أو الجمهورية الإسلامية” و” نهج الصحوة” والمشروع الحضاري، وقوانين سبتمبر التي شرعتها مجموعة من المهوسسين التفوا حول الرئيس الأسبق جعفر نميري، في ساعة سكره الأخيرة، ولوثته وتحوله إلى ” إمام مسلمين”.

 وعدمت ” الجبهة الإسلامية القومية” عبر انقلابها العسكري إلى التركيز على استغلال الدين  من أجل تغييب العقل المنتج والناقد، فسيطر خطابها الديني  لجعل الناس يتمسكون بالقشور، ويتعاملون مع الأشياء من فوق “السطح”، و ليس غريباً أن يتحوّل كثيرون إلى ” تروس” تعمل  في داخل  ماكينة الإنقاذ،  يرددون  خلف قادة النظام مثل الببغاوات ” شعاراتهم الخاوية المضمون”، ويسبحون بحمد الذي قهرهم، لكي تتم عملية  إعادة إنتاجهم داخل سياق “المشروع الحضاري”، وتحويلهم إلى ” مجموعة من الجوقة المنصاعة والذليلة، وغلبة  النزعات “الانتهازية”، و”السلبية”، وحب الذات، والخلاص الفردي.

 قصدت “الإنقاذ” من كل ذلك إلى وضع كل السودانيين داخل ” مسارها”، كي يكونوا تابعين، أو نسخاً مشوهة، فيصير التفكير لعنة مثل لعنات جاليلو ومن تحدثوا عن الاكتشافات وكروية الأرض ودورانها حول نفسها فتعرضوا لسطوة السلطة المتدثرة بثوب الكنيسة المقدس التي توزع صكوك الغفران، لا لراحة الدنيا، بل لضمان الحصول على تذكرة للجنة.

وفي السودان رأينا كيف ساق الفكر الحر والجرئ الأستاذ محمود محمد طه إلى المقصلة،  ثم جاء المشروع الحضاري ليمارس ذات القمع، وعملية الخصاء الذهني،   وخلق كائنات بشرية مشوهة و سلبية، منزوعة الإرادة، وفاقدة للعزيمة، وكم كان عبد الرحمن الكواكبي مصيباً حين كتب في سفره ” طبائع الاستبداد أنّ ” الحكومة المستبدة تكون طبعاً مستبدة في كل فروعها من المستبد الأعظم إلى الشرطي, إلى الفرّاش, إلى كنّاس الشوارع, ولا يكون كل صنف إلا من أسفل أهل طبقته أخلاقاً, لأنّ الأسافل لا يهمهم طبعاً الكرامة وحسن السمعة إنّما غاية مسعاهم أن يبرهنوا لمخدومهم بأنّهم على شاكلته, وأنصار لدولته.

في ذات السياق اجتهد المفكر ناعوم تشموسكي في عملية فضح الأنظمة المستبدة وآستراتيجيتها حسب وجهة نظره ، منها الإلهاء وخلق المشاكل وحلها، وادخال اليأس والتدرج في اصدار قرارات لا يمكن قبولها مباشرة لكن بالتعود وانعدام الخيارات تصبح هي الخيار الأمثل، وكل تلك الإستراتيجيات تؤدي إلى تغييب كامل للوعي، لأن ” السلطة لا ترضى بغير السيطرة التامة على اتجاهات الجماهير وإذا ضمنت هذه السيطرة عبر التغييب المستمر فلا أهمية للرأى العام الذى تتلاعب به الأنظمة كما تريد فى اتجاه مصالحها وإخفاء فشلها”.  وفي مثل هذه الأوضاع تواجه مشاريع الحداثة بمقاومة من قبل السلطة من جهة، ومن قبل المستهدفين وأصحاب المصلحة أنفسهم لما مورس عليهم من تغييب وتعرية وتجريف تجعلهم متماهين في مشاريع التجهيل والتضليل والاستبداد. والشعوب المقهورة هذه تمتلك عقلاً معياريا مضطربا لا يقبل التغيير، بل يقف ضده بشراسة فيركن للخرافات والأساطير، ويتحول إلى عقل خامل، بل كثيراً ما يشعر أن المفاهيم الجديدة تدخل في سياق التابوهات والمحرمات والبدعة الضالة.

وتمر كل الشعوب عبر تواريخها بمرحلة ” انحطاط” تمثل فترة مظلمة في التاريخ، وأمامنا تجربة أوروبا في قرونها الوسطى حين تزاوج الكهنوت والساسة زواجاً كانوا يظنونه ” كاثلويكيا” لا انفصال فيه حتى هبت ثورة ” النهضة”، أو عصر التنوير واليوم نحن في السودان  أكثر الحاحاً لمشروع تنويري حداثوي يخرجنا من تفكير الصندوق المغلق. هذا يحتاج إلى عقل نقدي جدلي جرئ يخرج عن السائد حالياً.

faizalsilaik@gmail.com

“نشر بمجلة الحداثة السودانية”