د. فيصل عوض حسن ،،من الواضح أنَّ البشير عقد (صفقة) مع السعودية لصالحه الشخصي هو وعصابته، وتزدادُ القناعة بهذا مع تزايُد اتجاههم نحو الخليج، كملاذاتٍ آمنةٍ لهم عند هروبهم الذي بات قريباً،،

دَارَ جدلٌ واسعٌ خلال اليومين الماضيين بشأن اتفاقات ومُذكرات التفاهم الـ(17) بين كلٍ من السعودية ومصر، والتي شملت مجالاتٍ عديدة كالإسكان والدعم الفني والتنموي ومشروعات الكهرباء والصناعة، بالإضافة إلى ترسيم الحدود البحرية والاستخدام السلمي للطاقة الذرية بين الدولتين. وبقدر ضخامة نوعية وحدود تلك الاتفاقات ومجالاتها وعوائدها، فإنَّ ما يهمّنا كسودانيين اتفاقية الحدود البحرية بين هذين البلدين، والتي رَسَّخت للـ(احتلال) المصري لمُثلَّث حلايب الذي احتلَّته مصر عام 1995، حيث جعلت هذه الاتفاقية حدود مصر البحرية ، بدءاً بشمال خط عرض 22 شمال خط الاستواء!

اللافت أنَّ الجدل السوداني بشأن الاتفاقيات أعلاه، يتَركَّز حول (تأكيد) سودانية حلايب أو الشماتة في البشير وعصابته لتجاهُلِ السعودية لهم، رغم انحطاطهم الذي بلغ مداه بتصريح البشير المُخزي، بأنَّ “أمن السعودية أهمَّ من أمن السودان”! وبقدر انحطاط البشير المعلوم للقاصي والداني، فقد كشفت هذه الاتفاقية (غَدْرْ) من نعتبرهم أشقاء! مع مُلاحظة أنَّ استحقار المصريين للسودان، وابتزازهم للبشير وعصابته واضحٌ ولا يحتاجُ لتأكيد، حيث استغلُّوا تورُّطهم في مُحاولة اغتيال مُبارك بأديس أبابا، واحتلُّوا حلايب بالكامل عام 1995 وتوغًّلوا بجهة وادي حلفا، حتَّى شارفوا حدود شمال دارفور. بخلاف الأراضي التي أخذتها مصر بالشمالية، واستغلالها لمياهنا الإقليمية في البحر الأحمر بجَرَّافاتها المُدمِّرة، وما تعتزم التهامه من أراضٍ إضافيةٍ بالنيل الأزرق. إلا أنَّ المُوجع حقاً، هو موقف السعودية وعدم تقديرها للسودان وأهله الذين يرونها (شقيقة)، إذ كَشَفَتْ اتفاقيتها الحدوية مع مصر (عَورَتُها)، وبَيَّنَت استهدافها لاسترجاع جزيرتي صنافير وتيران، مُقابل منح المصريين مبلغاً مالياً سنوياً، ونسبة من الموارد الطبيعية بالجزيرتَيْن أو ما يُعادلها بالدولار. وبغض النظر عن قيمة صفقة (اتفاق الحدود)، يبقى تآمُر الدولتين على السودان وصمةُ عارٍ كبيرة، ولعلَّ عارُ السعودية أكبرُ من مصر لأكثر من سبب!

فالسعودية تَنَاسَت إحسان السودان التاريخي والآني إليها، وعلى سبيل المثال لا الحصر، هناك (آبار علي) أحد المواقيت المكانية للحجيج، أقامها السُلطان علي دينار دعماً لحُجَّاج بيت الله الحرام، حينما كانت السعودية فقيرة وجرداء، بخلاف كُسوته السنوية للكعبة وعطاياه المشهودة لفقراء السعودية! وتَناسَى السعوديون ما قَدَّمه السودانيون لبلادهم في مجالات التعليم والطب والهندسة والاقتصاد، بأمانةٍ وتجرُّد، ودون كَلَلٍ أو مَلَلْ ولا يزالون! وتَنَاسُوا كذلك، ثروتنا الحيوانية التي لم ولن يجدوا نظيراً لها، سواء من حيث النوع أو السلامة أو السعر! على أنَّ أسوأ صور الغَدْر السعودي بالسودان، يتمثَّل في دعمهم للبشير وعصابته، رغم علمهم بجرائمه في حق البلاد وأهلها، بدءاً بالقتل والتشريد والنهب والاعتقال، وانتهاءً بالتنازُل عن أراضينا للغير، ودونكم كارثةُ السدود وإصرار السعودية على تمويلها، رغم علمها بآثارها من تشريدٍ لآلاف الأسر، لكنها تغاضت عن ذلك مُقابل مئات الآلاف من الأفدنة الزراعية بشرق وشمال السودان، وأكملت غدرها بالسودان وأهله بإقرارها بمَصْرَنَة حلايب، بعدما قيل أنَّها (واسطة الخير) في ذات الموضوع! والمُفارقة الأكبر، أنَّ الجيش السوداني يُدافع عن السعودية الآن في تخوم اليمن!

قد يقول قائل بأنَّ آلاف السودانيين يعملون بالسعودية وأنَّهم مُستفيدين منها، أقول السعوديون فائدتهم أكبر وفقاً لإقراراتهم الخجولة بين الحين والآخر، ولو كان الأمر غير هذا لما أبقوا السودانيين ساعةً في بلادهم، بخلاف مُعاملتهم السيئة للسودانيين (مُقارنةً ببقية الجنسيات) مهما كانت وظائفهم ودرجاتهم العلمية، سواء ما يخص الشروط الوظيفية من راتبٍ ومزايا مادية وعينية أُخرى، إلى التعامل العام ودونكم حادثة الطبيبة التي ضربوها أثناء الخدمة، أو ذلك العامل الذي قتلوه وأجبروا أهله على التنازُل، غير آلاف السودانيين الذين لا يوفون بعقودهم معهم، وهي أمورٌ سكت عنها السودانيون حياءً – ورُبَّما تسامُحاً – إلا أنَّ الأوضاع الآن فاقت حدود الحياء وتعدَّت آفاق الصَفحْ! والأهمَّ من هذا وذاك، أنَّ السعوديين وغيرهم من بلاد المنطقة، هم المُحتاجين للسودان وليس العكس، وستزدادُ حاجتهم مُستقبلاً مهما كابروا وأنكروا، وأكبر شاهد تهافتهم غير المسبوق على أراضينا (البِكْرْ) واستغلالها، إلى أن بلغت استثمارات السعودية وحدها ما يفوق الـ(11) مليار دولار، لم يستفد منها الاقتصاد السوداني وإنَّما ذهبت عمولات ورشاوى للبشير وعصابته، وأيضاً بعلم السعودية وغيرها من المُنتفعين!

إنَّ مُفردة (شَّقيق) تعني الأخ، والشَّعبُ الشَّقِيقُ هو الذي تَرْبِطُكَ بِهِ رَابِطَةُ العِرْقِ واللُّغَةِ والدينِ، والدُّولُ الشَّقيقةُ هي التي تجْمعُها روابطُ الجوار الجغرافيّ والمصالحُ المُشتركة. ولكي نصفُ دولة بالشقيقة، يجب أن تستندُ العلاقةُ معها على التقدير والاحترام المُتبادل، سياسياً واقتصادياً وثقافياً واجتماعياً، وإرسائها وتطويرها تبعاً للأهداف والمصالح المُشتركة، ونبذُ العنف وحل الخلافات بالطرق السلمية. والسعودية ومصر وغيرهما من دول المنطقة، لم يُراعوا لهذه القيم والمضامين في تعاملهم مع السودان، وعملوا لصالحهم واستغلُّوا البشير الخائن وعصابته المأفونة، الذين لا يتوانون عن بيع كل ما هو سوداني، بما في ذلك البشر على نحو ما حدث في ما يُسمَّى بعاصفة الحزم!

ومن الصعوبة بمكان التصديق أنَّ الاتفاقية الحدودية تمَّت دون علم البشير وعصابته، ولطالما ألْهُوا الشعب لتغطية جرائمهم، فهم من قَدَّموا حلايب وأخواتها (قُرباناً) للمصريين والإثيوبيين، وهم من أغرقوا بلادنا في الديون ثمَّ أحالوها لمصالحهم الشخصية، وامتنعوا عن سدادها وعَرَّضوا أراضينا وأصولنا العقارية لاستعمار الدائنين! وهم من شَرَّدوا أهل السودان في كل الأصقاع، وحَطَّموا ثروتنا الحيوانية و(أفقدونا) مزايانا النسبية فيها بتصدير كميات مهولة منها خاصةً (الأناث)! ومن الواضح أنَّ البشير عقد (صفقة) مع السعودية لصالحه الشخصي هو وعصابته، وتزدادُ القناعة بهذا مع تزايُد اتجاههم نحو الخليج، كملاذاتٍ آمنةٍ لهم عند هروبهم الذي بات قريباً، والإرهاصات كثيرة كمُوافقتهم السريعة على المُشاركة بعاصفة الحزم، واستثماراتهم الضخمة بدول الخليج واتفاقاتهم الغريبة معها وآخرها إلغاء تأشيرات الدخول لحَمَلَة الجوازات الديبلوماسية والخاصة. وجميعها تُؤكِّد وجود صفقات بينهم، كما تُؤكد أنَّ السودان وأهله هم الضحايا وحدهم، فالبشير وعصابته يعملون بالمثل الشهير (جِلْداً ما جِلْدَكْ جُرْ فيه الشوك)، وهم لم يكتفوا بِجَرِّ الشوك وإنَّما مَزَّقوا الجلد بكامله!

المُحصِّلة، أنَّ السودان ثريٌ بموارده الطبيعية المُتنوعة، وغنيٌ بموارده البشرية المشهودة بالخبرة والكفاءة دولياً وإقليمياً، فلنثق بقدراتنا ونسعى لاستغلالها بما يُحقق الرفاهية والنماء لبلادنا وأجيالنا القادمة، فقط نحتاجُ إلى الاتحاد وإزالة أسباب كوارثنا، وتحجيم تكالُب الذين نُعدَّهم (أشقاء) على مقدراتنا، وأوَّل ما نبدأ به هو اقتلاع البشير وعصابته وتطهير بلادنا من دَنَسِهِم. ونقول للسعوديين ومن يسعى سعيهم، لقد دعمتم الذين شرَّدونا ونهبونا وقتلونا وأذلَّونا، وسعيتم لمصالحكم على جماجمنا، فلتعلموا أنَّ أراضي السودان ليست ملكاً للبشير وعصابته المأفونة، وإنَّما ملكٌ للسودانيين وتصرَّفَ بها هؤلاء المُنحطين دون وازعٍ أو ضمير، ووقت ما نقتلعهم سنستعيدها منكم، وسنُطالبكم بالتعويض لتآمركم معهم في سَلْبها، ولن نستمع لكذبكم واستهبالكم، فالشقيق لا يؤذي شقيقه ويغدرُ به ويبني سعادته على أنقاضه.