بالنسبة لجيلي من مواليد منتصف الستينات من القرن الماضي , تشكّل انتفاضة أبريل الجزء الأهم من وعينا السياسي , إذ كانت أول ملامسة فعلية للحياة العامة والمظاهرة والتعبير عن الرأي , ففي منتصف الثمانينات كنا قد بلغنا عشرين عاما , في أول مدارج تعليمنا الجامعي , وفي المرحلة الثانوية كانت خطوط الساحة السياسية قد اتضحت أمامنا , فالنظام المايوي كان يترنح , وجماعة الإخوان المسلمين تسفر عن تدابيرها التمكينية , والقبضة الأمنية تشتد , إثر إعلان تطبيق الشريعة ومبايعة المرحوم النميري إماما للمسلمين ومجددا للمئوية الهجرية الجديدة , وتطبع مؤلفاته الاسلامية عن النهج الإسلامي لماذا ؟ والنهج الإسلامي كيف؟ ويشنق المفكّر الإسلامي الكبير محمود محمد طه على هدي تطبيق الشريعة باعتباره مرتدا، لأنه  ينتقد التطبيقات الشائهة للاسلام وإذلال الشعب باسم الدين !

   مرّت ثلاثة عقود الآن على تلك الإنتفاضة الشعبية المجيدة , ومنذ 27سنة يرضخ السودانيون لحكم اسلامي فاسد , تسوده عصابة من المتهمين بجرائم الحرب والإبادة الجماعية والتطهير العرقي وفق لائحة الإتهام الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية . مارست هذه الفئة كل أنواع القهر والإذلال للشعب السوداني , وتمكنت بالفعل من إعادة صياغة كثير من قيمه وموروثاته لصالح القهر والطغيان , صار هنالك الكثير من السودانيين يتماهون مع الظلم والطغيان , بعد تجاوز مرحلة الرضوخ والسكوت عن الظلم , ولولا إشراقات المناضلين الأفذاذ في جيوش الجبهة الثورية , وبعض الناشطين والناشطات المدنيين من الطلاب والشباب لقلنا , إنّ الروح قد أزهقت بالفعل لدى كثير من السودانيين وصاروا صورا وجسوما متحركة .

  لفت نظري ملاحظة أبدتها إحدى السيدات الناشطات في العمل المدني طرحتها على شكل تساؤل , عن كيف يتم تفسير وتحليل مسألة أنّ أكثر الفئات مشاركة في العمليات الانتخابية الصورية التي تجريها سلطة القمع والقهر كل حين لتزيين صورتها أمام العالم تأتي من النساء؟ بل في انتخابات 2010مثلا كانت نسبة النساء اللاتي شاركن في التصويت لصالح عمر البشير هي الأعلى , والأدهى من ذلك أنّ نسبة المصوتات لصالحه من نساء معسكرات النزوح في دارفور كانت الأعلى من غيرهنّ ؟بالفعل هذه مسألة تحتاج الى تحليل عميق , لا يخفى فيه التحليل النفسي وفق نظريات شخصية الانسان المقهور , ولعل كثيرا من الشواهد والمواقف تشير مع الأسف الى الأثر الواضح للطغيان في تشكيل إنسان السودان خلال العقود الثلاثة الماضية . كنت قبل عدة أيام على حافلة مواصلات في الخرطوم , من الضروب الجديدة الأخيرة في استغلال أصحاب المركبات العامة للجمهور تقسيم كل خط مواصلات بتعريفة محددة الى عدة خطوط , تكون محصلتها الأخيرة مضاعفة التعريفة , بالطبع لا توجد جهة مسؤولة في الدولة يمكن اللجوء اليها , البلد ماشة (أم فكو) كل يفعل ما يريد طالما لا يخرج في مظاهرة لإسقاط النظام , شحنات المخدرات تجوب الموانئ , وتوزع في الجامعات والمدارس والأسواق , العمولات لغة رسمية , الفساد تحت كل طوبة شئ طبيعي , فقط الملاحقات والإعتقالات لأي كوة يتسرب منها الضوء صحيفة أو دار مدارك للنشر , حاولت تلمّس ردة فعل ركاب الحافلة تجاه الإستغلال الممارس عليهم جراء تقسيم خط المواصلات الى خطوط فرعية بذات فئة الخط الرئيس , سددت عمدا جزءا من قيمة التذكرة , طالبني الكمساري بالمزيد , طلبت إليه أن يمدني بتعريفة الخط التي تستخرجها إدارة النقل , ولأنّها ليست في صالحه أوقف السائق الحافلة وطلب مني النزول , أجبته بالتوجه لأقرب شرطي مرور أمامه لنسأله عن التعريفة وإنْ كان من حق الكمساري أخذ القيمة كاملة لأقل من نصف المشوار , إنتفض في وجهي عدد من الركاب , سألت أحدهم هل أنا مخطئ بالمطالبة بحقي ؟ أجابني , نعم . لم أزد في الحديث بعد ذلك , شعرت بخيبة أمل كبيرة , كنت أتمنى أن أجد لي نصيرا في الحافلة التي ركابها يودون الوصول لمايو , لذلك لا يريدون تأخيرا ووقوفا أمام بوليس المرور لدقيقة !! الشاب الذي اتهمني بالغلط سألته عن الخطأ الذي ارتكبته؟ قال لي كان يجب عليك أن تدفع ما قرره الكمساري بدون كلام لأنو الناس كلها دفعت , قلت له يعني أنت تدافع عن الباطل ؟ قال لي ما خلاص الباطل ده ما في طريقة نزحوا . فصمتُ. بعد ذلك  سافرت الى اهلي في الجزيرة , القمح لم يتم حصاده بعد في مكتب ودنعمان ,أكثر من ألف فدان , جريدة الجريدة كانت نشرت على لسان مزارعين في المكتب شكوى من تأخر الحصاد وعدم توفّر الحاصدات , وتلف المحصول بسبب الرياح والشمس الحارقة والبهائم التي تهجم على الحواشات . وغياب أي مسؤول زراعي , إضافة الى شكوى من رسوم إضافية تم فرضها على المزارعين وغيرها من مشاكل , قال لي بعض أهلي , إنّ نشر الشكوى في الصحف قد أثار حفيظة البعض , بزعم أنّ نشر شكواهم قد يترتب عليه عقاب في المستقبل من جانب المسؤولين , عجبت من أهلي الذين يعيشون الضرر الماحق الآن , ويتلف محصولهم أمام أعينهم وهم يخشون قادم السنوات ! بما نفسّرهذه الظاهرة بغير (سايكولوجية الإنسان المقهور) الذي يتصور أن مجرد اظهار تذمره من شدة القمع تعتبر مشكلة .

  ذكرى الإنتفاضة العزيزة تمر وفي الخاطر ذكرى الصناديد من الرجال والنساء الذين قالوا لا , ذكرى شاعر الشعب محجوب شريف عليه الرحمات الواسعات , وصوت محمد وردي الذي لا يصدأ رغم الغياب يجلجل يا شعبا لهبك ثوريتك تلقى مرادك والفي نيتك . ترى بما يدندن السودانيون الآن ؟