عبد الله الشيخ

  صحيح أن الأراضي الزراعية توسعت واختفى  تانكر الجّاز من حياة الأهالي، بعد أن استبدال الجازولين بالكهرباء لتشغيل مضخّات المياه..صحيح أن محصول الفول والطماطم كان وفيراً هذا العام، لكن هذه الايجابيات صاحبتها منغصات..أولها أن المُنتج يطرح كدحه في  ملجة اقتصاد غير متوازن.

 الدولة لا ترعى المنتج ولا تراقب السوق،و”تقنُص” للمواطن عند المداخل والمخارج، حتى يدفع الأتاوات والقبانات، إلخ.. من كيمتو الى الكسمبر،، من شرق النيل وحتى الكاسنجر، الحال من بعضو..فتحت الدولة المجال لرأس المال الأجنبي، لكنها سلبت أراضٍ كثيرة من أصحابها..اتجه المستثمر الخارجي إلى انتاج البرسيم..أكثر محصول يعتد به المستثمر الاجنبي هو البرسيم، الذي يُصدَّر للخارج..كان على الدولة أن تُجبر رأس المال الاجنبي على زراعة بعض المساحة المروية قمحاً..ولكن الدولة ــ مرّة أخرى ــ أطلقت يد الأجنبي، وغلّت يد المواطن بالضرائب والرسوم.

الموسم ناحج ، لكن “شِنْ طعم المنقة” في موسمها، إن لم تجد السوق الرابح..؟ البلح كان انتاجه وفيرا، لكن كيف تجد له تصريفاً مع هذه الحروب التي تحرق الاطراف..؟

هذه السنة هرب النيل من جروفه، وبان عُري مجراه..لأول مرة ترى الأجيال الجديدة مِزعة عظام النهر..! لأول مرة يرى الناس تراب المجرى، الذي، ياما ابتلعَ أُناساً وأسراراً..طالما أن سرسار الموية هذا، يمضى إلى قبلته نحو الشمال، فلن يضيرهم شيىء، شريطة أن تتركهم الخرطوم وشأنهم.. آخر ما توصلت إليه قريحة الترابلة البسطاء في شمال السودان ، هو استخراج النكات مما حدث.. كثيراً ما تسمع منهم حكمتهم الخالدة: “لا راحة في الدنيا ولا فِرارا من الموت”..لا راحة فوق ذاك “الكُتِّق”..”الكُتِّق” ببساطة ،هو الارض الحنون..إذا انتهت البوغة في التِحتانية، تكون الويكة قد استوت للقيط في طرف الساقية..حش الفول والقمح كان يعقبه النوريق، لكن اليوم تأتي الحصّادة.. في ضحوية النهار تعبئ لك كل المحصول في شوالات..خدمة الحقل لا تنتهي..تنظيف الجدول ضروري لسقاية التمر والبرتقال..تسوية  الارض وحراثتها، حش البرسيم، سقي البهائم..مافي راحة، والشغلة أصلها ما بتنتهي.

في الخرطوم “الكعّة قايمة” بين أهل السياسة..يتشاكسون بتصريحاتهم عند مفاوضاتهم، وعندما يتمانعون عنها. هناك المشاكل غير..لسبب أو آخر، تكاثرت الحيّات والعقارب في الغيط.. الإنقاذ لاعوجاجٍ فيها، حشدت ضِدها النوبيين..تريد اغراقهم بسدود كجبار ودال (1) ، ودال(2) ،مثلما أغرقت المناصير بسد مروي.. المناصير أهل جودية وجابودي وكرير..كانوا وما زالوا أهل طنابير..يحذقون التعامل مع النجوم والأنواء..بارعون في الإفادة من الأعشاب الطبية في الخلاء والوديان..خشونة العيش أوجدت بينهم  النكتة..البيئة أنتجت السخرية.تماشيا مع طبيعة المنطقة الجبلية، ذات المنحدرات، فأن  كلامهم سريع ، مثل ايقاعهم، مثل غضبهم،مثل شلوحهم الأُفقية،التي رُسِمت هي الأخرى على عجل..! الشلوخ التي كان يُدق لها الدليب في ديار الشايقية،رسمت يتؤدة…الكاسنجر التي قدّمت للدنيا حاج الماحي، عطشى، بينما سد مروي على مرمى “باغة”..!

هناك أشياء لا يمكِن أن  تُسْتدرك ، مثل غمر منطقة بمياه السد ،أو إذا ما تعوّدت ” الغنماية” على أكل قش رفاقتها، وعلمت ليها دِقينة..وهناك خمج انقاذي من الممكن أن  يُسْتدرك، كأن تقول للناس، أن البركة في البكور، وتقوم بتأخير الساعة،كما فعل المهندس عصام صدّيق..!

 بالمناسبةالزول دا وين.. نخشى ان يكون متواجداً، في العير أو في النفير..!

أخر تقليعات الاخوان جاءت من وراء البحر المالح ،حيث أفتى الشيخ القرضاوي، أن قليلاً من المسكور يجوز.. ربما علِم مؤخراً، بأن المريسة هي طعام  لبعض الإنس في أحياءنا..ما زالت فتاوى مثل “صوت المرأة” تُقال في القنوات الفضائية، لكن من الصعب منع أغنيات عشه الفلاتية..!

هؤلاء الأخوان ــ يا سيدي ــ  كأنهم يعيشون في بلد آخر،غير هذا الذي نحيا فيه..!