سيف الدولة حمدنا الله "قاضي يصون منزله بملياري جنيه، وآخر يمتطي عربته الميري ليعود بحصيلة الكشة"

  • بحسب ما ورد في مشروع قانون جديد قيل أنه قيد الصدور للسلطة القضائية، لا يُضير الشعب شيئاً أن تُوضع ذمة القضاء المالية تحت وصاية وزير العدل أو وزير الحكم المحلي، بعد أن غابت الحكمة التي ناضل القضاة في السابق من أجلها لتحقيق مبدأ الإستقلال المالي للقضاء ولم يعد له لزوم، فقد فهم قضاء الإنقاذ المبدأ بخلاف ما شُرِع من أجله، وهو عدم خضوع القضاء لهيمنة الجهاز التنفيذي للدولة، وبما يُمكّنه من القيام بواجبه في تحقيق العدالة بإستقلال كامل ودون التأثير عليه ممن بيده المال، فقد فهِم قضاء الإنقاذ أن المقصود من ذلك هو أن تكون للقضاء سلطة مطلقة فيما يقبض وما ينفق، وأن يتصرّف في المال تصرّف المالك في مِلكِه، دون أن يخضع ذلك لما يخضع له المال العام من تدقيق ومحاسبة ومراجعة، دون أن يكون للمبدأ نفسه (الإستقلال المالي) أي مردود يُذكر في تحقيق المقصود منه وهو إستقلال القضاء.

 

  • وقد يسّرت تطبيقات الهواتف الحديثة لعدد كبير من القضاة السابقين وبالخدمة متابعة تفاصيل الغضبة الكبرى التي عبّر عنها قضاة بلغوا قمة الهرم بالقضاء في زمن الإنقاذ ووجّهوا فيها إنتقادات عنيفة لمشروع القانون الجديد بسبب سلبه لما كان يتمتع به القضاء من إستقلال مالي وجعل ذلك من سلطات وزير العدل، واعتبروا أن في ذلك رِدّة كبرى في مفهوم إستقلال القضاء.

 

  • من حيث المبدأ، هذا كلام صحيح، ولكن في وجود إدارة للقضاء لديها المقدرة على فهم الحكمة من وراء هذا الإستقلال وكيفية تسخيره بما يُحقق الهدف منه لا تحقيق الرفاهية الشخصية لمن وُضعت الأموال تحت تصرفهم، كأن يشتري رئيس قضاء لنفسه سرايا وتسجيلها باسمه أو قيام رئيس قضاء آخر بصيانة منزله الخاص بمبلغ 2 مليار جنيه عن طريق تعاقد مباشر مع مقاول من قهوة الصنايعية !! أو إجرائه لتحسينات وديكورات بمكتبه وتركيب مصعد كهربائي لمكتبه وهو يبعد تسعة درجات سلّم عن الأرض.

 

  • ليس هناك شيئ أضرّ بالقضاء مثل سوء إدراك القائمين بأمره لمفهوم ومعنى الإستقلال المالي، بإساءتهم لتوظيف الإستقلال المالي في عكس الهدف منه، وهذه حقيقة يشتكي منها القضاة الذين يُراد لهم الإستقلال، فقد أُستغِلّت أموال القضاء في إستقطاب القضاة وشراء ولائهم وتمييز بعضهم عن بعض، بمنح العطايا والتصديقات المالية للمريدين وأصحاب الحظوة وشراء البيوت والأراضي ودفع نفقات العلاج بالخارج … الخ دون معايير واضحة، وقد دفع ذلك بعض القضاة للتقرّب إلى من بيدهم تلك السلطة وإرضائهم، وقد تسبب ذلك في ضعفهم وخنوعهم والتأثير على أدائهم بخلاف ما كان ينبغي أن تكون عليه شخصية القاضي.

 

  • كما أن سوء الإدراك لمفهوم الإستقلال المالي للقضاء هو الذي كان وراء إنحراف القضاء عن مهمته الأساسية في تحقيق العدل وتجويد الأداء بإنصرافه للدخول في مشاريع تجارية تعود عليه بالسيولة، بالحد الذي جعله يُنشئ إدارة للإستثمار وضع على رأسها قاضي محكمة عليا تتولى إدارة مزرعة أبقار القضاة وبيع الألبان والأجبان والفراخ وتأجير الفنادق ومحطات الوقود ..الخ، حتى جاء الوقت الذي بلغ فيه تمادي الشغف في الحصول على المال أن سمحت إدارة القضاء بحصول القضاة والعاملين بالمحاكم على نسبة مئوية من حصيلة الغرامات التي توقع في بعض أنواع الجرائم (المخالفات التي تتعلق بالأوامر المحلية) كحوافز مالية، مع ما في ذلك من إخلال جسيم بقواعد العدالة لوجود مصلحة مباشرة للقاضي فيما يحكم به من غرامات في القضايا التي تُعرَض أمامه، وفي مناسبة سابقة كنت قد ذكرت واقعة – على فداحتها – لا تخلو من طرافة، وهي تحكي عن قاضٍ بمحكمة بإحدى المدن الصغيرة بالجزيرة كان يشتكي من ضيق رزقه الذي يأتيه من الحوافز بسبب إنخفاض معدل ذلك النوع من الجرائم في دائرة إختصاصه، فكان يخرج بعربته الميري عند الصباح مستعيناً بقوة الشرطة التابعة لمحكمته في رحلة (قنص) للمتهمين في مدينة مجاورة ثم يعود بحصيلة (الكشة) في آخر النهار الى محكمته ليُوقِع عليهم الغرامات التي يجني ريعها لنفسه وزملائه بالمحكمة.

 

  • الواقع أنه لا قيمة للإستقلال المالي للقضاء في ظل قضاة يفتقرون للمقدرة والإستعداد للدفاع بأنفسهم ووظائفهم عن إستقلال القضاء، كما أنه لا قيمة لنصوص القانون في حماية إستقلال القضاء، فكل الإنتهاكات التي تمت في حق القضاء بما في ذلك فصل القضاة، وقعت في وجود نصوص مُحكَمَة وبالمخالفة للدستور والقانون، فإستقلال القضاء يلزم لصونه وحمايته وجود قضاة يُؤمنون بالمبدأ ويمتلكون الشجاعة للدفاع عنه، فالقضاة الذين يشهد لهم التاريخ بالوقوف ببسالة في وجه السلطة وفيما سطروه من أحكام ومواقف، فعلوا ذلك دون أن يكون هناك أي قدر من الإستقلال المالي للقضاء، وفي زمن كانوا يستخدمون فيه النقل الجماعي والمواصلات العامة في حضورهم للمحاكم.

 

  • سوف يأتي اليوم الذي تتكشّف فيه حجم التجاوزات والمخالفات التي ارتكبت بإسم الإستقلال المالي للسلطة القضائية، وحتى يأتي ذلك اليوم، ليس هناك سبب يحملنا على البكاء على ضياع الإستقلال المالي للقضاء، فالمال، في الحالتين ضايع ولا ينوب الشعب منه شيئ. أما القضاة الذين يذرفون الدمع اليوم على سلب الإستقلال المالي، فهم يفعلون ذلك حسرة على زوال النِعمة لا على غياب العدالة، فقد شهدوا كل الجرائم التي وقعت في حق القضاء والإنتهاكات التي حدثت عليه دون أن تخرج منهم زفرة، فليوفّروا عليهم غضبتهم.

saifuldawlah@hotmail.com