خالد فضل

 لم يبق ما يقال من حجج موضوعية حول عبثية ما سمي بالإستفتاء الإداري في إقليم دارفور المنكوب بالحرب والدمار منذ 13عاما , ولكن منذ متى كان للعصابة الحاكمة والمتحكمة في السودان آذان تسمع بها نصح الناصحين أو عقلا يميز الحقائق من الأوهام , فالسلطة الاسلامية في السودان تربّت على الكذب والخداع والتضليل , ويتم استخدام أبواق الدعاية الإعلامية الكاذبة لتصوير الكذب على أنّه حقيقة , والوهم بإعتباره واقعا , لقد برعوا في ذلك أيّما براعة , وتم غسل أدمغة عامة الناس بصورة فظيعة , حتى صار من العسير إدارة نقاش موضوعي مع كثير من المواطنين , وقد تمّ ذلك بالفعل مع موجات التغييب القسري لكل صوت عقل , وسد منافذ الوعي , وتسميم الأجواء بالأكاذيب , وممارسة أقصى درجات الكيد والملاحقات لمنافذ التنوير وإغلاق دور المعرفة والتثاقف والنقاشات الحرة عبر تكبيل حرية العمل السياسي للقوى السياسية والعمل الإجتماعي الثقافي لمنابر الثقافة , في هذه الأجواء المعتمة تتم كل العمليات السياسية الصورية ترافقها هالة إعلامية متخصصة في نشر الأكاذيب وطمس الحقائق , حدّثني أحد الشبان ذات مرّة عن حادثة نهب مسلح لسيارة تتبع لإحدى المنظمات الحكومية الحزبية الطابع , في عاصمة إحدى الولايات الجنوبية الغربية  من البلاد , تمّ عقد صفقة مع الناهبين عبر عملية (السالف) , وهي أن يدفع صاحب الحاجة المنهوبة فدية مالية محددة بالإتفاق عبر وسطاء يتم ردّ المنهوب بعد استلام الفدية المعلومة , بالفعل إكتملت عملية تبادل السيارة بالسالف , لكن معتمد تلك البلدة وأجهزتها الأمنية والعسكرية والمليشيات الحزبية وسدنة السلطة من ربائب السلطات , أقاموا إحتفالات ومهرجان ضخم أجبر الموظفون والطلبة والباعة في الأسواق على حضوره  كالعادة إحتفالا بإسترداد العربة المنهوبة من أيدي المارقين والمتمردين والمأجورين , وهاك يا خطب حماسية , وزغاريد وتهليل وتكبير وخطب عصماء عن دحر التمرد وردع الخونة . قال محدّثي : في تلك الأثناء كان الناهبون يقتسمون قيمة (السالف). ترى كم ألفا من سكان تلك المدينة انطلت عليهم اللعبة المهرجانية ؟ وفي المقابل كم فردا من غير ربائب السلطة يعلمون الحقيقة ؟ وعلى ذلك قس , وخير مثال على ذلك الإنتخابات التي جرت مؤخرا وقيل إنّ الرئيس عمر البشير قد فاز فيها على منافسه فضل السيد شعيب بفارق خمسة مليون صوت بما نسبته95% أو أكثر , في تلك الإنتخابات لم يشارك في التصويت فعليا أكثر من 15%من مجموع المسجلين ومع ذلك كانت أجهزة الدعاية تتحدث عن تدافع المواطنين , مثلما حدث في مهزلة الإستفتاء الأخير لتقرير ما هو مقرر سلفا , لكن تحت زعم (هذا خيار أهل دارفور ) عبر إستفتاء حر ونزيه ومراقب ,وقد تبارت أجهزة الدعاية الإعلامية في ترديد الأخبار والتغطيات والملاحقات الدعائية الإعلامية لمسألة الإستفتاء المزعوم بما لم تحظ بربعه مأساة السودانيين في دارفور على مدى 13سنة من أعمال القتل والقصف والترويع والإغتصاب للنساء ومأساة النزوح والتهجير القسري والتشريد واللجوء لدول الجوار , حتى ليخيل لمن يستمع أو يشاهد أو يقرأ دعايات الأفاكين أنّ عملية الإستفتاء تجرى في اسكتلندا أو النرويج ! وليس في إقليم دارفور المطبوع على كل قنوات العالم الإعلامية بمعسكرات النازحين واللاجئين ومآسي الحرب الأهلية الدامية ووقائعها المثبتة في التقارير الدولية ذات المصداقية العالية . و بتعمّد مكشوف يتم تقديم صورة وردية عن عملية الإستفتاء وتدافع المواطنين للتصويت وفق خياري الإقليم أو الولايات ,دون تقديم شرح أو تحليل لفحوى الخيارين , فالمهم هو تثبيت ما تمّ إنجازه من ممارسة تدابير فرّق تسد الميكافيلية , فالواقع أنّ الإستفتاء لا يحل أصل المشكلة , كما أنّ الحديث عن نهاية التمرّد فرية كبرى تنطوي على نية مبيتة لمواصلة التطهير العرقي والتهجير القسري للمواطنين المستهدفين بالإبادة الجماعية وبزعم بسط الأمن وهيبة الدولة وملاحقة فلول قطّاع الطرق هذه المرّة تحت لافتة جديدة عنوانها (خيار أهل دارفور) وإلتزام العصابة بمخرجاته , فمنذ متى كان الإلتزام بخيار الشعب السوداني هو ممارسة الفئة المستبدة ؟ والسلطات كلّها يتم تكريسها في أيدي الفرد الطاغية الذي تحوّل إلى أخطر مهدد لبقاء ما تبقى من أشلاء الوطن , واللغة ذاتها التي أستخدمت في 2003 يعاد تكرارها وكأنّ في رؤوس الناس قنابير , فالتمرد ليس حدثا وانتهى , ومعاناة الناس الحقيقية وفقدانهم للأنفس والثمرات والأرض والديار والتاريخ والهوية والكرامة الإنسانية لا تزيحها بيانات عسكرية يتلوها الرئيس أو الناطق الرسمي باسم الجيش , ولا يجبّ تلك المآساة تغيير لافتة الجلّاد أو تغيير حدّ السيف الذي يجتث الرؤوس, فالأزمة في دارفور صناعة السلطة مائة بالمائة , وتطوراتها المأساوية من تدبير السلطة , وعمليا لا يمكن لمن كان السبب في خلق الكارثة متعمدا أنْ يسهم في حلّها , فما الذي يستفيده أهل معسكرات النازحين مثلا إذا كانت الولايات يتحكم فيها الرئيس وجهاز أمنه وجنجويده مباشرة أو عبر هيكل صوري اسمه السلطة الإقليمية , فالليل والنهار واحد على العميان _كما في قول الدوباي الشعبي_ وهنا تظهر عبثية العملية وصوريتها , فإذا كانت أبسط حقوق المواطنين في الولايات قد تم حرمانهم منها بإلغاء إنتخابات الولاة وجعلهم تبعا لهوى الرئيس فما جدوى وجود خمس أو عشر ولايات في دارفور , وهل تمّ تقسيم دارفور وفق إستفتاء إداري حتى يعاد توحيدها في إقليم وفق نتائج الإستفتاء المزعوم ؟ الصورة واضحة , ملهاة جديدة ومأساة مستمرة , وعجز  تام عن إدارة شأن البلاد , مع تبلد حسّ وتخانة جلد , بل سطوة مصالح ذاتية تؤجج في أسباب الفتنة والصراع بين السودانيين ليستمر كابوس الإستبداد جاثما على الصدور , ولكن هيهات هيهات فمهما طال زمن الخنوع لابد لليل أن ينجلي وبد للصبح أنْ يسفر عن حياة جديدة لوطن يعالج سكرات الموت , لكنها الشعوب لا ترضخ للأبد , هكذا تقول خبرة الإنسانية منذ زمن الإمبراطوريات والسلطنات والديكتاتوريات العتيقة .