د. نبيل أديب

الهدف من قانون الإجراءات الجنائية هو الإستجابة لظاهرة الجريمة، من حيث إحتمال وقوعها فيضع الإجراءات الوقائية التي تهدف لمنع ذلك، ومن حيث وقوعها بالفعل فيضع الإجراءات المتعلقة بأخذ العلم بوقوعها، والتي تشمل التحري فيما تم، وجمع الأدلة، وضبط الجناة، ومن ثم تقديمهم للمحاكمة، مع رسم إجراءات تلك المحاكمة. وقانون الإجراءات الجنائية يهدف من كل ذلك لمنع وقوع الجريمة، والعقاب عليها متى وقعت، في حدود سلطات الدولة، والتي لا تسمح لها بتوقيع العقاب إلا على من يثبت إرتكابه لفعل كان القانون يعاقب على إرتكابه وقت إرتكابه، وبشرط أن يثبت ذلك عقب محاكمة عادلة، يتاح للمتهم فيها حق الدفاع عن نفسه. وإذا كانت المحاكمة العادلة هي التي تمنح مشروعية سلطة الدولة في العقاب فإن ذلك يجعلها المسألة الأكثر أهمية في إعادة النظر في قانون الإجراءات الجنائية، وهو الأمر الذي يكسب مرحلة ما قبل المحاكمة أهمية خاصة، لأن كثير من المباديئ التي يجب أن يتم توفيرها في المحاكمة العادلة، يتم توفيرها أو إنتهاكها في تلك المرحلة. المسألة المركزية في حق المتهم في المحاكمة العادلة يوفره الحق في الإستعانة بمحام، ولكن هذا الحق لا يستنفذ بمجرد السماح للمتهم بالإتصال بمحامي، ولا حتى بتوفير نفقات المحامي الذي يطلبه المتهم، إذا كان المتهم غير قادر على تحمل نفقات ذلك المحامي، بل الأهم من ذلك هو توفير القدرات للمحامي الذي يمثل المتهم، لكي يستطيع أن يقدم قضية الدفاع في المحكمة دون أن تمنعه قواعد إجرائية من أداء واجبه على النحو الأمثل. وتحتل قاعدة توفير الحق للدفاع في الإطلاع على البينات التي توفرت في التحري في الجريمة مركزاً متميزاً من القواعد التي توفر حق الدفاع، ومن ضمنها حق مقابلة الحامي على مرأى وليس مسمع من الشرطة، وحماية محتوى الإتصالات بين المتهم والمحامي، وحضور المحامي للتتحقيق مع موكله وحق المتهم في أن يتم تنبيهه لحقوقه، وكلها بما في ذلك حق مقابلة المحامي، والذي أرساه القضاء، لا يتضمنها قانون الإجراءات الجنائية الحالي، مما يجعل الحق الدستوري في المحاكمة العادلة عرضة للإنتهاك المستمر قبل مثول المتهم أمام القاضي.

وما يعنينا الآن بصفة خاصة بين تلك الحقوق في مرحلة ما قبل المحاكمة هو الحق في إكتشاف البينة المتوفرة عن الجريمة. وحق الإكتشاف The right to discovery معروف لدينا في قانون الإجراءات المدنية، ولكن لا توجد إشارة له على الإطلاق في قانون الإجراءات الجنائية، وبالتالي فإن الحديث عنه مع وكلاء النيابة قد يؤدي لإتهامك بمحاولة التأثير على العدالة، مع أنه في واقع الأمر هو محاولة لتحقيق العدالة، لا أكثر ولا أقل.

ماذا نعني بحق إكتشاف البينة المتصلة بالجريمة؟

عند وصول الجريمة الى علم الشرطة أو النيابة يتم إتخاذ إجراءات مختلفة بغرض التوصل لتحديد ماهية الفعل المخالف للقانون، إذا كان هنالك ثمة فعل مخالف للقانون قد وقع، وكيفية التعامل معه إجرائياً،ومعرفة الضرر الذي سببه، والبينات المتصلة بشخص الجاني، أو الجناة الذي/ن إرتكب/وا الفعل المخالف للقانون. وهذه التحريات تشمل فيما تشمل إفادات شهود، ومحضر إستجواب المشتبه فيه، ونتيجة بعض الإختبارات، سواء أكانت فحوص طبية للضحية، أو الجاني، أو فحص لآثار معينة، كالبصمات، أو قص الأثر، وغير ذلك من البينات. والسؤال هو متى وكيف يجوز للجاني أن يطلع على هذه البينات؟ الإجابة عند قانون الإجراءات الجنائية بسيطة ومباشرة وهي أنه سيعلم بها عند تقديمها في البينة في محضر المحاكمة. حسناً هذا سيغنينا عن كثير من البحث، ولكنه لن يوفر  محاكمة عادلة للمتهم، لأن المحاكمة العادلة تتطلب أن يعلم المتهم مقدماً ما عليه أن يناهضه من بينات حتى يستطيع أن يناهضه عندما يقدم في البينة. سنجد مقاومة من البعض بدعوى أننا نمنع العدالة من الإقتصاص من المجرمين بمحاولة توفير سبل الإفلات من العقاب لهم، ولكن هذا يقوم على فهم ضيق للعدالة الجنائية. فالعدالة الجنائية لا تتوفر بإدانة المتهمين، ولكن أيضاً وبصفة أهم، بتبرئة الذين لم يثبت للمحكمة إرتكابهم لتلك الجريمة.  الواقعة في القانون والواقعة في الواقع

لابد لنا من أن نعترف بأن الحقيقة القانونية مختلفة عن الحقيقة، فالحقيق القانونية هي ما يقرره الحكم القضائي النهائي، وهي بالضرورة حقيقة نسبية. بصفة عامة، إذا اصدر حكم قضائي نهائي بأن زيداً من الناس قد قتل عمرواً، فإن ذلك يصبح حقيقة قضائية لا يتم المجادلة حولها أمام المحاكم، في أي دعوى تشكل هذه الواقعة قاعدة للقرار فيها. ولكن ذلك لا يعني بالضرورة صحة هذه الواقعة من حيث وقوعها في الواقع، فقد لا تكون صحيحة من حيث الواقع، فالقاضي لا يقرر صحة الواقعة بناء على علمه الشخصي بل بناء على ما قدمه الأطراف من بينات مقبولة في القانون. وقد يكون هنالك تفصير من أحد الأطراف في إيراد البينة، كما وقد تتم إخفاء البينات أوإصطناعها بشكل يؤدي للخطأ في التوصل للوقائع. والحكم قد يصبح نهائياً بما يشتمل عليه من وقائع غير صحيحة، وقد تظهر بعد ذلك بينات تثبت عدم صحتها، وهي مسألة تعالجها القوانين بشكل يختلف في قانون عنه في القانون الآخر، وهي ما تعرف بمعالجة الأخطاء القضائية خارج القيد الزمني للإستئناف، ولكن للأسف فما زال قانوننا يعاني من العمى والصمم بأزاء تلك الأخطاء ويبدو أن علينا أن ننتظر بعض الوقت حتى يمكن لنا الإلتفات إليها وعلاجها.

حين لا تخدم الإدانة أغراض العدالة الجنائية.

عموماً بسبب عدم قدرة أي قانون على أن يصل  لأن تتحد الحقيقة القضائية بالحقيقة  الحقيقية في الأحكام التي تصدر وفقاً له، بحيث يتطابق ما يقرره القضاء بما وقع بالفعل من وقائع، فإنه يجب وضع كل الضمانات للمتهم لتمكينه من دفع التهمة الموجهه له، لأنه خير للعدالة أن يفلت مائة مجرم من العقاب من أن يدان بريء واحد. إذا كان ذلك كذلك، فإن الإدانة التي تنجم عن أخذ المتهم على حين غرة بمفاجأته ببينات لم يعرف بوجودها، وبالتالي لم يعد العدة لدحضها، في حين أنه كان في إمكانه ذلك، لو علم بها في الزمن المناسب، هي إدانة لا تخدم أغراض العدالة الجنائية.

نخلص  من كل هذا إلى أن منع أخذ المتهم على حين غرة في المحاكمة هي احد مباديء المحاكمة العادلة، التي توجب على الإتهام أن يتيح للمتهم معرفة ما توفر من بينات حول الجريمة، وهذه البينات تتضمن محاضر إستجواب المجنى عليه، والمتهمين، والشهود، وأي صور أو فيديوهات أخذت لمسرح الجريمة، وأماكن تواجد الأشخاص الذين لهم صلة بالجريمة، والمسائل المتعلقة بنتائج الفحوصات المعملية والصحية للمتهم، وللضحية، وأي فحوصات أخرى متصلة بالجريمة .

ويجب هنا أن نشير لمسألة هامة وهي أن الإتهام يجب عليه أن يوفر تلك البينات للمتهم سواء أكان يزمع أن يستخدمها في المحاكمة أو لم يكن لأنه لا يجوز له أن يخفي البينات التي قد تثبت براءة المتهم أو أن تؤدي إلى تخفيف العقوبة عليه، لأنه رغم أن الإتهام واجبه هو إثبات التهمة على المتهم، ولكن ذلك يقتصر فقط على الحالات التي تكون فيها البينات تقود لذلك، ولكن ليس له أن يخفي البينات التي تساعد المتهم على إثبات براءته لأن ذلك ليس جزء من دوره في تحقيق العدالة الجنائية.  قال القاضي simon sobeloff  حين كان يتولى منصب المحامي العام في خطابه للمؤتمر القضائي للدائرة الرابعة في عام 1954م ” المحامي العام ليس محايدا بل هو في الأساس محام، و لكنه محام يمثل عميلا لا يرغب في تحقيق النصر في الدعوى الماثلة بل في تحقيق العدالة”

البينات التي من شأنها أن تبرئ المتهم أو تخفف عليه العقاب

في أمريكا يقدم المحامون عادة طلبات إكتشاف للبينة، وهذه الطلبات تتضمن غالباً أسئلة حول البينات الـ exculpatory  أو البينات التي من شأنها أن تبريء المتهم، وكذلك تلك التي من شأنها أن تخفف الحكم عليه، وعدم الكشف عن تلك البينات للدفاع يشكل خرقاً للقانون . المسألة هنا لاتتصل بأخذ الدفاع على حين غرة، ولكن بمنعه من إثبات براءته. المسألة هنا تقرب كثيراً من تضليل العدالة، فالدولة لا تقف على كفة مساوية للكفة التي يقف عليها المتهم في ميزان العدالة، بل على العكس من ذلك، فإن الدوله تمتلك من جهة إمكانيات وقدرات مالية وفنية تفوق إمكانيات أي فرد. ومن جهة أخرى فإنها تتمتع بالقدرة القانونية على الإلزام، مما يجعل تصديها للتحري في الوقائع المتصله بالجريمة موضوع البحث في الغالب الأعم يمكنها من التوصل لحقيقة ما حدث. وهذه الإمكانيات الواقعية، والقانونية، لم توضع في يد الإتهام حتى يتمكن من إثبات التهمة على المشتبه فيهم ممن يرميهم حظهم العاثر في دائرة الإشتباه. وإنما وضعت كل تلك الإمكانيات في يد الإتهام للتوصل إلى حقيقة ما حدث، سواء أكان ذلك لصالح إثبات التهمة على المشتبه فيه، أو نفيها عنه. لذلك فإنه لا يجوز لسلطات الإتهام إذا وقعت في يدها بينه في صالح المتهم أن تخفيها وتمنع وصولها إلى المحكمة، بل عليها أن تتخذ قراراً بشأنها فإذا رأت أن البينة قاطعة في إثبات براءة المتهم  فعليها شطب الدعوى الجنائية، ولكن حتى لو رأت أن هذه البينة لسبب أو أخر لا يجوز الركون إليها وبالتالي لم تقبل بأن تشطب التهمة بسببها، فإنه يتوجب عليها مع ذلك أن تكشف عنها للدفاع حتى تتيح له تقديمها إن شاء للمحكمة.

برادي ضد ميريلاند

هذه البينات هي ما درج المحامون الإمريكيون على إطلاق إسم بينات برادي عليها، أو في ترجمة أدق مادة برادي Brady material في إشارة للسابقة المفصلية في هذا الصدد وهي سابقة  Brady v. Maryland, 373 U.S. 83 (1963) Brady v. Maryland وتتلخص وقائع تلك الدعوى أن برادي ورفيقه بوبليت Boblit قد تمت إدانتهما بالقتل العمد (القتل من الدرجة الأولى وفق التعريف الأنجلوسكسوني). وصدر ضدهما حكماً بالإعدام تم تأييده من محكمة الإستئناف لولاية ميريلاند. لم تتم محاكمتهما في دعوى واحدة بل تمت محاكمة كل منهما على حدا، وقد حوكم برادي أولاً. وفقاً لقانون الولاية فإن المتهم يجوز له أن يدلي بشهادة إذا رغب في ذلك بمحض إختياره، ولكنه لو إختار ذلك فإنه يؤدي الشهادة على اليمين، ويخضع للمناقشة من قبل ممثل الإتهام. وقد تقدم برادي للشهادة وأقر بإشتراكه في الجريمة، ولكنه ذكر أن واقعة القتل نفسها قام بها بوبليت . وفي مرافعته للمحلفين أقر محامي برادي بأن موكله كان مذنباً بإرتكابه جريمة القتل من الدرجة الأولي، ولكنه إلتمس أن يقرر المحلفون الإدانة دون توقيع عقوبة الإعدام، وهو أمر يجوز للمحلفين التقرير بشأنه.  قبل المحاكمة كان محامي المتهم قد طلب من الإتهام إطلاعه على أقوال أدلى بها بوبليت خارج مجلس القضاء. وقد تم إطلاعه على عدد من تلك الأقوال، ولكن الإتهام إحتفظ بأقوال بوبليت بتاريخ 9 يوليو 1958 والتي أقر فيها بأنه هو الذي قام بقتل المجني عليه، ولم يطلع محامي المتهم عليها، وبالتالي لم يعرفها برادي ومحاميه إلا بعد أن تمت محاكمة برادي وإدانته، وتأييد الحكم الصادر ضده. تقدم برادي بطلب لمحكمة الموضوع لإعادة محاكمته بسبب عدم إتاحة هذه البينة له حين طلبها، وهي سلطة يمنحها قانون الولاية لمحكمة الموضوع ولا نظير لها في قانوننا، إلا أن المحكمة رفضت طلب برادي.

الحق في التدابير السليمة للقانون

 وبعد إستئناف غير ناجح تقدم مرة اخرى برادي بطلب وفق قانون إجراءات بعد الإدانة في ميريلاند، وقد قررت محكمة إستئناف ميريلاند قبول ذلك الطلب ورأت أن إخفاء البينة التي طلبها برادي من الإتهام ولم يوفرها، ينطوي على منع المتهم من حقه في التدابير السليمة للقانون due process of the law وأعادت الدعوى للمحكمة لإعادة النظر في العقوبة وليس الإدانة وهو القرار الذي تم تأييده بواسطة المحكمة العليا. وهذا الحكم هو في واقع الأمر إمتداد لحكم المحكمة العليا في 294 U.S. 103 (1935) Mooney v. Holohan حين وصفت المحكمة العليا عدم الإلتزام بإطلاع المتهم على البينة التي تبرئه بإعتباره منعاً للتدابير السليمة للقانون فذكرت “هذا شرط لا يمكن الإيفاء به بمجرد التظاهر بإجراء محاكمة هي في الواقع مظهراً يتم من خلاله حرمان المتهم من الحرية، بخداع متعمد للمحكمة، والمحلفين، عن طريق تقديم شهادات معلوم أنها شهادات زور، فمثل هذه الخطة المخادعة للتوصل لإدانة وسجن متهم لا يمكن أن تتسق مع المطالب الأساسية للعدالة فهي مسألة لا تختلف عن إختلاق البينة عن طريق الإرهاب. في Pyle v. Kansas لقد وضعنا المبدأ في قالب أكثر إتساعاً حين ذكرنا: أوراق مقدم الطعن قد تم وضعها بشكل يفتقد الخبرة الفنية ولكنها تنطوي على إدعاءات بأن إدانته تم الحصول عليها بواسطة شهادات زور تم إستخدامها بواسطة سلطات الولاية، وهي على علم بذلك، بغرض تأمين إدانته، وبقمع متعمد من قبل تلك السلطات لبينات في صالحه. هذه الإدعاءات لو ثبتت تكفي للقول بأنه قد تم حرمانه من حقوقه الدستورية، مما يلزم معه إطلاق سراحه. لقد قررت الدائرة الثالثة في دعوى بايلي أن ما ذكرناه في 317 U.S. 213 (1942) Pyle v. Kansas    بأنه يعني أن إخفاء بينة في صالح المتهم في حد ذاته بشكل منعاً للتدابير السليمه للقانون، وهو الأمر الذي ينطبق على الحالة التي تقوم فيها الولاية، رغم أنها لم تساهم في خلق البينة غير الصحيحة، بالسماح لتلك البينة بأن تقدم بدون أن تعمل على تصحيحها أو معارضتها.

والآن نحن نقرر أن إخفاء البينة بواسطة الإتهام عن المتهم رغم طلبه لها حين تكون البينة ذات أثر على الإدانة، أو العقوبه، بشكل خرقاً لقواعد التدابير السليمة للقانون، سواء أكان ذلك قد تم بسوء نية أو لم يكن. إن القاعدة في Mooney v Holahan  لا تعاقب المجتمع على أخطاء الإتهام ولكنها تمنع المحاكمة غير العادلة للمتهم. المجتمع يكسب ليس فقط عندما تتم إدانة المذنبين، ولكن عندما تكون المحاكمة الجنائية عادلة . إن نظام  العدالة لدينا يساء إليه عندما تتم معاملة أي متهم بشكل غير عادل إن النقش على حائط وزارة العدل يقول ” تكسب الولايات المتحدة في كل مرة يتم تحقيق العدالة لمواطنيها في المحكمة ” إن سلطة الإتهام التي تكتم بينة عن متهم يطلبها متى كانت تلك البينة من شأنها أن تبرئه، أو أن تخفف من العقوبة التي قد توقع عليه، تساعد علي تشكيل محاكمة ثقيلة العبء على المتهم، وهذا يضع الإتهام في موقع من يخطط لمحاكمة لا تتفق مع معايير العدالة حتي و لو كان هذا الكتمان ليس نتيجة لسوء نية)

يومية التحري

بالنسبة للوضع في السودان فإن المسألة كانت ومازالت تدور في موضوع يومية التحري، ويومية التحري هي سرية وفقا للقانون الهندي، الذي إستقى قانون الإجراءات الجنائية أحكامه منه والذي أعيد إصداره عددا من المرات دون تغيير يذكر حتي عام 1983 حين تم إدخال العقوبات الشرعية. وقد إتبع القانون في أول الأمر القانون الهندي في تقرير سرية اليومية، ومنع الإطلاع عليها، و جعلها فقط متاحة للقاضي فقط. ولكن قانون 1991 عدل عن ذلك فلم يشر لسرية اليومية وما زال التطبيق العملي مضطرباً بين السماح بالإطلاع عليها بعد سماع المتحري وهو الرأي الراجح، وبين الرفض بشكل عام. والمسألة هنا تتعلق بأمرين يومية التحري نفسها، و البينات التي تضمها. ففي الوقت نفسه الذي يكون هنالك سببا للاحتفاظ للتحري بالسرية اللازمة أثناء تطور التحري في الظروف المحيطة بالجريمة، ومحاولة إستجلاء غموض بعض جوانبها، فإن الحاجة للسرية تنتهي عند إنتهاء التحري، وتوجيه التهمة. و قد تكون هنالك جودة لإحاطة اليومية نفسها بالسرية لما تشتمل عليه من توجيهات و تقارير متعلقة بأهمية البينة و توجيه وترتيب قضية الإتهام إلا أن البينات التي تم العثور عليها يجب الإفصاح عنها متي طلب الدفاع ذلك، بعد قفل التحريات وتوجيه البينة، وقبل تحويل الملف للمحكمة. ولذلك فإنني أقترح إضافة المادة التالية بالرقم 58 في نهاية مواد الفرع الخامس من الفصل الثاني من الباب الثالث و تقرأ كالتالي

المادة 58

  1. على وكيل النيابة أن يكشف للمتهم أو محاميه المعلومات و المواد المذكورة أدناه إذا كانت في حوزته أو كانت في حوزة المتحري متي طلبها المتهم و محاميه بعد توجيه التهمة و قبل تحويل الملف للمحكمة و المعلومات و المواد التي يتوجب الإفصاح عنها هي :
  • أسماء و عناوين الشهود الذين ينوي الإتهام إستدعائهم أمام المحكمة.
  • أقوال جميع المتهمين .
  • جميع الأدلة و البينات التي تم الحصول عليها كجزء من التحري في الجريمة موضوع الإتهام.
  • الحالة الجنائية بالنسبة لأى شاهد قد يكون لمصداقيته آثر على نتيجة المحاكمة .
  • أي بينة من شأنها أن تؤثر على القرار بإدانة أو تبرئة المتهم أو تخفيف العقوبة عليه.
  • محاضر أقوال كافة الشهود الذين يرغب الإتهام في دعوتهم للشهادة، بما في ذلك التقارير التي قدمها الخبراء ذات الصلة بالجريمة وكذلك التقارير الطبية، و الاختبارات المعملية، و التي تم الحصول عليها لأغراض التحري في الجريمة، حتي و لو لم يكن الاتهام ينوي تقديمها في المحاكمة.

تبقى بعد ذلك مسألة الكشف عن البينات بغرض سماع طلب الإفراج عن المتهم، أو تجديد حبسه. فلكي يبت القاضي في طلبات الإتهام، و الدفاع، الخاصة بالإفراج عن المتهم أو تجديد حبسه فإن عليه أن يجري سماعاً إختصامياً يكون من ضمن نقاط الفصل فيه قوة البينات المتوفرة ونوع الإتهام وخطورته ومسائل أخري. ولكي يكون الدفاع في موقع يسمح له بسماع دعواه فإنه يجب أن يتم إطلاعه على البينات المتوفرة لدى الإتهام، وهذا ماهو معلوم بالاسلحة المتساوية، وكنا قد تعرضنا لذلك بشكل متوسع، في مقال سابق، ناقشنا فيه القصور في قانون الإجراءات الجنائية بالنسبة أحكام الحبس رهن المحاكمة فلا نعود إليه هنا ونكتفي بالقول بضرورة إفراد حكم خاص بذلك في الفصل الخاص بقواعد الحبس رهن المحاكمة.

نبيل أديب عبدالله

المحامي