خالد فضل

  قبل أيام قرأتُ خبرا عن تجميد حق الإضراب للعاملين ,أعلنه الإتحاد العام للنقابات في السودان , مبررا ذلك الإجراء ب(العقوبات  الأمريكية )على السودان , فتّشتُ عن خبر جديد عن تلك العقوبات وما إذا حدث فيها تطور جديد , بدت الأخبار مغايرة , فقد بدأت أمريكا رفعا تدريجيا للعقوبات رغم تجديد سريانها , قبيل فترة وجيزة أُعلن عن تصدير أعلاف ومنتجات زراعية من السودان لأمريكا , ونُشرت أخبار عديدة عن مساعدات غذائية أمريكية للسودانيين الذين يحتاجون إلى الغذاء والدواء والكساء وقبل هذا الى الأمن والسلامة كما هي حالة أكثر من 2ونصف مليون نازح في دارفور ومئات الآلاف في جبال النوبة والنيل الأزرق . وهنالك العديد من الإشارات الأمريكية في اتجاه تخفيف العقوبات مثل استثناء الصمغ العربي من العقوبات , وبعض المعدات الزراعية , كما نشرت أخبار عن توريد نفايات بشرية يونانية الى السودان لإعادة تدويرها كأسمدة بوساطة شركة أمريكية , لهذا يبدو أنّ السبب الذي دفع اتحاد عام نقابات السودان لتجميد حق العاملين في الإضراب في حالة عدم وفاء المستخدمين لهم بإلتزاماتهم , وهو حق مضمن في قانون الإتحاد ذاته لا يمتٌّ بصلة للعقوبات الأمريكية , في الواقع العقوبات كانت موجودة تقريبا عندما سنّ اتحاد النقابات قانونه ومنح العاملين الحق في الإضراب وهو كما معلوم من ضمن الحقوق الدستورية المضمنة في وثيقة الحقوق , فما الجديد في أمر العقوبات حتى تكون سببا لسلب العاملين والمهنيين حقّهم القانوني في التوقف عن العمل ؟

    الإجابة واضحة وضوح شمس مايو الحارقة منتصف النهار في هذه الأيام الساخنة جدا في السودان , اتحاد النقابات أحد أذرع الفئة المستبدة , جناح من أجنحة الأجهزة الأمنية التي تحرس امتيازاتها المرتبطة بتكريس حكم الفرد والطغيان , الأوضاع العامة في السودان تغلي , الميزانية انهارت منذ شهرها الأول , كل الوعود التي قيلت ساعة تمريرها تبخّرت في أقل من اسبوعين , ارتفعت أسعار غاز المنازل بنسبة فوق ال300% , تضاعفت فاتورة مياه الشرب في العاصمة بنسبة 100%, واصل الجنيه السوداني انهياره المريع أمام العملات الأجنبية , فقفزت قيمة الدولار الأمريكي من  10ألف جنيه مطلع العام الى ما فوق ال14 ألف جنيه الآن ,زادت أسعار الدواء بنسب جاوز بعضها ال100%, كل السلع الغذائية والاستهلاكية ارتفعت أسعارها , السُكّر من 5ونصف جنيه للكيلو الى 8جنيهات , اللحم البقري من 40جنيه الى 55جنيه و60جنيه , مواد البناء , الأجهزة الكهربائية إلخ إلخ ,, وتبعا لإرتفاع قيمة الأشياء , واصلت قيمة حياة وأرواح الإنسان السوداني الإنحطاط , صارت المليشيات التي تحرس حكم الفرد وتتمرغ في فتات ما يرميه لها من أسلاب تغتال في الطلبة الجامعيين في سوح الجامعات , وتعتقل الناشطين , وتمارس التعذيب والترويع . ومع تردي الخدمات وقطوعات الكهرباء والمياة التي أصبحت مبرمجة ومعلنة بصورة مستفزّة بمعدل يوم بعد يوم أي أربعة أو ثلاثة أيام في الإسبوع لكل منطقة , تنامت روح الململة وسط معظم المواطنين , صار السخط والتبرم هو اللهجة السائدة في الحافلات والمناسبات وفي مواقع العمل والأحياء ,والقرى والفرقان , فالناس تعيش في واقع مأزوم يجلله الفشل المريع في كل منحى من مناحي الحياة , لم يعد الحديث يدور عن الفساد , فهذا صار لدى كل السودانيين من الأشياء الطبيعية , الناس يعيشون الآن في ظل نتائج الفساد , الحكومة بالنسبة لغالبية الشعب أصبحت أداة للقهر والقمع والترويع فقط , كل المواطنين تقريبا يتحدثون ذات اللغة , الشارع متضامن بحذر مع مظاهرات الطلاب , أسر المعتقلين تتحرك بسرعة ونشاط , تنظم الإعتصامات والوقفات الإحتجاجية , وآلة القمع من شرطة ومليشيات أمنية وفرق الربّاطة تداهم حتى مكاتب المحاميين الذين يتصدون قانونيا لإنتهاكات أجهزة الأمن والمليشيات كما حدث لمكتب  الأستاذ نبيل أديب المحامي , الجامعات يتم إغلاقها , الصحفيون يتم فصلهم من صحفهم , ويمنع بعضهم من الكتابة بأوامر من الأجهزة الأمنية والمليشيات التي تحرس الطغيان والفساد وترعى في المال العام دون حسيب أو رقيب , تتنامى الإضرابات المطلبية , الأطباء في بعض المستشفيات يضربون إحتجاجا على تردي بيئة العمل وانعدام المعينات بعد استحالة الدواء , ثم تردي أوضاعهم المادية والمهنية , وتكرر الإعتداءات عليهم بوساطة أفراد من حملة السلاح الرسميين , أساتذة الجامعات يتحركون في أتجاه حماية أرواح طلابهم من همجية وبربرية الربّاطة والمليشيات وأجهزة حماية الإستبداد , وهكذا تتسع دائرة التذمر والسخط وتزداد وتائر القلق لدى المنتفعين من الظلم والفساد وانهيار الأوضاع , فتأتي التعليمات الأمنية الصريحة بإلغاء حق الإضراب للعاملين بدعوى العقوبات الأمريكية !! وقبل شهور قليلة سنّ برلمان الطاغية قانونا يعاقب على التظاهر ب5سنوات سجن , كل هذه الإجراءات القمعية والحملات والمداهمات الأمنية , وإغلاق دور الصحف والمراكز ومنظمات المجتمع المدني تنمّ عن قلق حقيقي وإضطراب مهول في نفسية الفئة الباطشة , فالمجرم كلما أوغل في إجرامه انفتح أمامه المجال لإرتكاب المزيد من الجرائم إنّه إنسان محطّم نفسيا جراء فقدانه للحس الإنساني , وما يتم اتخاذه من إجراءات تعسفية وقمع ووحشية لا تدل في الواقع على قوة بل على ضعف شديد وفقدان للثقة وسيطرة الوساوس والمخاوف , الفئة الباطشة تعيش في أسوأ حالاتها المعنوية , فحرب الإبادة والتدمير ضد قطاع كبير من الشعب لم تنته ولم تنه ثورة الغضب في نفوس الملايين من الشباب الثائر , التعذيب والترويع والقتل على الهوية والاستفزازات العنصرية وغيرها لم تلجم حركة الطلبة الجامعيين , عامة الناس تطنطن وتتذمر , والنقابات يمكن أن تتحرك بضغط من العاملين , فمعظم القيادات تنتمي لكار المنتفعين والإنتهازيين بينما القواعد تكتوي بفساد القيادة وفساد الحكم كله لذلك  لا يمكن النظر لقرار تجميد حق الإضراب الاّ من زاوية محاولة وتدبير أمني لقمع تنامي حركة الرفض العام للسلطة وأوان بزوغ التغيير كضرورة حتمية لن ينصلح بدونه حال . فالحصار ليس أمريكي بل حصار الفشل المتراكم على مدى 27سنة , آن الأوان لإزالته بثورة شعبية عارمة تعيد لإنسان السودان آدميته وحريته وتمنحه الأمل في الحياة .