صلاح شعيب

جاءت جريمة أطفال هيبان المروعة، والتي يتحمل مسؤوليتها في المقام الأول الرئيس عمر البشير، وأركان حربه، لتضع الرأي العام المحلي، والإقليمي، والعالمي، أمام بشاعة الانتقام الدموي للنظام من تظلمات رعاياه.

بل إن هذه الجريمة تمثل الرد البليغ لكل الذين ما يزالون يتوقعون أن نظام البشير يؤمن بإمكانية التوصل إلى سلام سواء عبر مبادرات دولية، أو تلك التي يتعهدها بالرعاية أشخاص محاطون بحسن النوايا الوطنية. فحادثة هيبان لم تكن جديدة، أو أخيرة في نوعيتها، أو معزولة عن سياق البطش العام بكل المواطنين الذين يقطنون في مناطق المنازلة بين الحكومة والمعارضة المسلحة. فهناك عشرات من مثل هذه الجرائم قد حدثت ضد المواطنين، ولم يستطيعوا توثيقها حتى يدرك الرأي العام إلى أي مدى يسرف نظام البشير في إجرامه عبر سلاح الجو، والذي يخطئ هدفه دائما. إذ إنه يقذف المواطنين بالبراميل الحارقة، من حيث إنه يريد تدمير خصومه الوطنيين، بدلا عن تدمير وحدات صغيرة لجيوش مجاورة تحتل أراضي البلاد لعقود من الزمان!
إن التكثيف في الإجراءات الأمنية التي تتبعها السلطة الآن في العاصمة، وبعض المدن، بالتزامن مع تكثيف هذا النوع من الغارات الجوية على مناطق النزاع يعبر عن الخوف ليس إلا. فقوة سلطة الدولة في شرعيتها، وقدرتها على خدمة مواطنيها، والاستجابة إلى تظلماتهم العادلة، وحمايتهم من المليشيات المتفلتة، وحرس أراضيها، وأجوائها، وشواطئها. فضلا عن كل ذلك فإن مهمة الدولة تتمثل في ترسيخ حكم العدل، وتحقيق سمعة معتبرة في محيطها الإقليمي والإنساني. أما أن تحترف الجماعة الحاكمة الاعتماد على السياسات الاستبدادية الموغلة في الانتقام من المواطنين المحتجين، بعد فشلها الواضح في تحقيق شرعية لنفسها، وعجزها عن الحفاظ على وحدة البلاد، فذلك يعني أن خوفها قد وصل مداه، وأن لا حل أمامها سوى الإفراط في تجيير إمكانيات البلاد لإسكات أصوات المطالبة العادلة في العاصمة والأقاليم.
لقد جاءت قائمة أسماء الذين وقعوا على وثيقة إدانة حادثة هيبان شاملة، ومعبرة عن التلاقي القومي المطلوب في مثل هذه المحكات لتقوية النسيج القومي المعارض. إن الموقعين الذين قاربوا الألف من الشخصيات الناشطة مهروا أسماءهم كممثلين لكل التيارات السياسية، ومنظمات المجتمع المدني، ومؤسسات قانونية، وثقافية. وهناك من بينهم شخصيات فكرية، وإعلامية، وأدبية، وفنية، ومهنية متنوعة، ينتمون إلى هذا السواد الأعظم من السودانيين. وهذا هو العمل الذي ظللنا نتوق لرؤيته في كل مرة يطبق النظام بأنيابه الصدئة على ضحايا سياساته في الأقاليم أو العاصمة. فجريمة هيبان قد هزت ضمائر هؤلاء السودانيين، وتدافعوا بكل خلفياتهم الأيديولوجية، والإثنية، والسياسية، والوظيفية، والجيلية، ليعبروا عن تضامنهم الإنساني المطلوب مع أهلنا في هيبان. وفي هذا المجال، التقدير كله لقيادة الحركة الشعبية التي سعت عبر تصريحاتها بهدوء إلى قصر إجرام هيبان بالمخططات العنصرية للفئة الحاكمة، واعتماد القيادة على خط قومي حصيف هو الذي ألهمها وآخرون في تبني رؤية قومية فاعلة لشجب هذه الجريمة البشعة. ولعل هذا السعي إلى الوصول إلى شجب واسع لهذه الجريمة هو مسؤولية كل من في قلبه ذرة من حس إنساني، ولا ينبغي أن تبقى مواجهة هذا الإجرام إلا هما قوميا لا نتعافى بسواه.
إن هذا التنوع في وحدة الشعب السوداني المتضامنة مع ذوي قتلى هيبان هو السبيل الوحيد لهزيمة المخططات العنصرية والجهوية التي دأب النظام على حقنها في الصراع الدائر بينه وعموم الذين يرفضون سياسته من الشعب السوداني. ولقد نجح النظام في السابق في التعامل مع قضايا المتظلمين عبر مسار واحد دون أن يقبل، أو يعترف، أن يكون هناك مشاركون، ولو خبراء يقفون في الحياد، خارج المنظومة الجهوية للمتظلمين. وفي فترة سابقة ساعدت الأحزاب القومية، والحركات المسلحة، النظام بأن رضت الجلوس معه لينفرد بها عبر حلول واهية، وبدون آليات قوة تساعد الموقعين على الاتفاق معه. ولذلك لم تنجح كل الحلول الإنفرادية بين النظام وبين الأحزاب، وبين النظام وبين الحركات المسلحة منذ نيفاشا، وبين النظام، وبين القبائل، أو أسر الضحايا، أو القوميات المتضررة سواء في منطقة المناصير، أو كجبار، في خلق اختراق حقيقي في حل هذه القضايا المتصلة بأزمة الحكم في البلاد.
لم يتيسر للمعارضين سلميا، وحاملي السلاح، وأصحاب الخيارات المحلية، الالتفات إلى أن حلولهم مع النظام ستتكسر عند مراحلها الأولى. فالذين يوقعون الاتفاقات يذوبون في الحكومة وهكذا تظل المشاكل متراوحة في مكانها. فحين يصلون إلى الخرطوم أو يتسنمون المراكز القيادية فيها فلا يجدون دعما لوجستيا يضعهم في موقف الند مع الحكومة حتى تخلص الاتفاقات إلى خواتيمها. ولذلك فشلت حلول اتفاقيات دارفور، والشرق، وعجزت الحركة الشعبية أيام نيفاشا في دعم التحول الديموقراطي، ولو بقناة واحدة أمام قنوات الحكومة الفضائية الستة، وصحف الموالين التي تبلغ العشرات.
لم يضعف المعارضة السلمية والمسلحة شئ إلا الفشل في تحقيق اختراق حقيقي، وذلك بعقد تحالف عملي بينهما لصالح المحاصرة الإعلامية للمخططات العنصرية التي وظفها النظام في غير ما مرة. بل كانت هناك وهنا جيوب تنشغل بقضايا انصرافية تعمق في الفجوة بين التيارين. والآن نرى أن قائمة الموقعين على شجب جريمة هيبان يمثلون جسما قوميا نموذجيا صلبا ولا بد أن يوظف في كل مرة للتضامن مع كل المتظلمين وضحايا دولة الاستبداد الذين يسقطون بين الفينة والأخرى. وما يزال هناك أمل كبير في أن يرتقي المعارضون جميعهم لمستوى التحديات الماثلة في ظل ضعف النظام، وإحساسه بتضيق حلقات الحصار حوله، بألا يفرقوا بين ضحايا النظام في العاصمة أو الأقاليم.
إن لا شئ يفت عضد إستراتيجية النظام، ويجبره على التراجع عن سياساته الاستبدادية القاتلة، إلا توافق المعارضين من كل أنحاء البلاد على تجاوز ما هو مختلف حوله الآن. ولا بد أن يكون هناك تناغم سياسي في المواقف نحو ردود الفعل، وتفادي الجدل حول الصغائر. وينبغي أن تكون هناك خطة إعلامية من شأنها مجابهة المخططات الحكومية التي تقود الصراع في البلاد إلى زاوية عرقية ضيقة. ولعل هذه هي الخطة “ب” التي يريد بها البشير، ونظامه، خلط الأوراق لتحييد هؤلاء وأولئك من مواجهة فشل النظام، وتحرير الدولة من أيدي الإنقاذيين..