د. فيصل عوض حسن

وفقاً لما نَشَرَتْه شبكة الشروق يوم 9 أبريل 2016، أعلَنَ المصريون أنَّ التقسيم الإداري الجديد لمُحافظاتهم، سيضم حلايب وشلاتين إلى مُحافظة أسوان، لـ(قُربهما) الجُغرافي منها و(جَذْبَاً) للمُستثمرين، وأنَّهم سيعتمدون التقسيم (العَرْضِي) وليس (الطُولي)، لتفادي بعض المشاكل، ولرَبْطْ مُحافظات الصعيد بالبحر الأحمر!

المُتأمِّل لتبريرات المصريين (المُعْلَنَة) بشأن ضم مُثلَّث حلايب إدارياً لأُسوان، يجدها مُتناقضة وتُجافي المنطق! فالمُثلَّث جُغرافياً، لا يبعُد فقط عن أسوان، وإنَّما يقع أساساً بمُحافظة البحر الأحمر، التي كانت ومازالت تُشرف عليه منذ احتلاله عام 1995، خاصَّةً الإشراف على إجراءات مَصْرَنَة المُثلَّث وإعماره وتنميته، وآخرها مشروعات الطاقة المُتجدِّدة المُهداة من الإمارات، ومحطَّاتها التي من ضمنها شلاتين (5 ميجاواط) وأبو رماد (2 ميجاواط) وحلايب (1 ميجاواط). وفي ما يتعلَّق بالسياحة، فمُحافظة البحر الأحمر لا تقل عن أسوان، إنْ لم تفُقها بل أكثر أماناً ورواجاً، وبها مصايف عالمية ومعروفة كالغردقة وصفاجة وغيرها. وبالنسبة لاعتماد التقسيم (العَرْضِي) وليس (الطُولي)، فمن الواضح سعي مصر لابتلاع وادي حلفا وما جَاورَها (رسمياً)، بالاتجاه غرباً داخل الحدود السودانية حتَّى العُوينات، مُستغلِّين (هَوَانْ) و(انكسار) البشير وعصابته وخيانتهم للسودان وأهله، إذ لا علاقة بين مشاكل (رَبْطْ) الصعيد المصري بمُحافظة بالبحر الأحمر وبين نوع التقسيم الكنتوري!

وهذا يكشف التآمر السعودي/المصري على السودان، تبعاً لاتفاقية الحدود البحرية المُوقَّعة بينهما قبل شهر، والتي من خلالها استرجعت السعودية سيادتها على جزيرتين كانتا تحت الرعاية المصرية، مُقابل مزايا (نقدية/عينية) ضخمة لمصر والإقرار بتبعية حلايب لحدودها، رغم أنَّ السعودية كانت (الوسيط) لإقناع مصر بالخروج عن حلايب المُحتلَّة وفق إعلام البشير المأجور! وعلى هذا، فإنَّ التآمر على السودان (ككيان) يشمل كلاً من السعودية والإمارات، بتأييدهما الواضح لالتهام مصر أراضي السودان، ودعمها مالياً وعينياً دون اعتبارٍ للسودان وأهله، الذين قدَّموا لهاتين الدولتين الخليجيتين (تحديداً) كل غالي ونفيس، بدءاً بالأراضي وانتهاءً بالبشر، وسنُفرد مساحة خاصَّة لهذا الموضوع بحول الله!

غير أنَّ الحقيقة الثابتة هي مُباركة البشير وعصابته لتجاوُزات مصر، وتجاهُلهم لتوغُّلاتها المُتلاحقة في أراضينا بأقصى الشمال، وكأنَّها أراضي دولة أُخرى غير السودان، واكتفوا فقط بالإشارة لاحتلال حلايب وليتهم صدقوا في ذلك! فعلي الرغم من ضجيجهم المُتواتر، نجد تصريح غندور (المُوثَّق) في ديسمبر 2015، بأنَّ شكوى السودان حول حلايب قديمة منذ الخمسينات، وتعهَّد بعدم تقديم أي شكوى مُستقبلية ضد مصر بهذا الخصوص، ولا يزال يُكرِّر هو والعصابة بأنَّ علاقتهم بمصر خطاً أحمر! كما أتاح المُتأسلمون مياهنا الإقليمية بالبحر الأحمر للجَرَّافات المصرية المُدمِّرة، ومنحوهم مشروع الكنانة (مليون فدان) ووعدوهم بالمزيد من أراضينا بالدمازين، فضلاً عن آلاف الرؤوس من ثروتنا الحيوانية بأسعارٍ رمزية. وهناك السدود التي يعتزمون إقامتها، خاصَّةً كجبار و(دال)، الذي يقع في حدود بُحيرة النوبة المُباعة لمصر. وهي في مُجملها، أدلَّة ومُؤشِّرات تُؤكِّد أنَّ الأمور بمُباركة البشير وعصابته المأفونة! ويدعم هذا التفسير، أنَّ جميع وسائل الإعلام الإسلاموي المأجور تناولت خبر (تبعية) حلايب لأسوان كحدثٍ عادي واستسهاله، مع الاستمرار (المقصود) بحصر تجاوُزات مصر في حلايب، دون إشارة لاحتلالها (الفعلي) لأراضينا النوبية! أمَّا أطماع مصر ونُخبها الحاكمة والمُثقَّفة ونظرتهم الاستعمارية للسودان، فهي واضحة وأفصحوا عنها مراراً وتكراراً، وبلغت أوجها بعدم الاعتراف بالبشير نفسه والسودان كدولة!

والواقع أنَّ المُتأسلمين أكملوا الجُزء الثاني لمُثلَّث حمدي، وفي طريقهم للتخلُّص النهائي من أقصى الشمال، بمُساعدة المصريين الذين وجدوا ضآلتهم في البشير الخائن، حيث احتلَّت مصر حلايب بالكامل عام 1995، وتوغَّلت داخل السودان بجهة وادى حلفا وأقامت نقاط تفتيش و(تمركُز)، وتحتل الآن (فعلياً) جبل الصحابة وعُمُوديات اشكيت ودبيرة وسره (شرق وغرب) وجزيرة آرتي كرجو وفرص (شرق وغرب) وثلاثة أرباع أرقين! إنَّه المُثلَّث الذي أنكره المُتأسلمون ظاهرياً عام 2005 عقب انتقاده من الشرفاء، وعملوا على تنفيذه بتكتيكاتٍ مُختلفة، اعتماداً على أسلوب الإدارة بالأزمات/صناعة الأزمات، واختاروا لكلِّ جُزءٍ منه تكتيكاً مُعيَّناً. فكانت البداية بالجنوب، ثمَّ أشعلوا القتال بدارفور والمنطقتين، وتركوا الشرق وأقصى الشمال للاحتلالين المصري والإثيوبي، وباعوا بعض أجزائهما للمُغامرين. والمُدهش، أنَّ المُتأسلمين يفعلون كل هذه المُؤامرات، ويُوجهون طعناتهم المُتلاحقة للوطن دون واعزٍ أو ضميرٍ أو غيرةٍ على وطنٍ آواهم واحتواهم!

صحيحٌ أنَّ البشير وعصابته عملوا – ولا يزالون – لتقسيم السودان وتدميره، وبذات القدر فإنَّ جميع كياناتنا السياسية (مدنية/مُسلَّحة) تُشاطرهم المسئولية، وما بقاءُ هذه العصابة (27) عاماً واستمرارها في التدمير المُمنهج، إلا دليلٌ على فشل كياناتنا هذه رغم ضجيجها الصاخب هنا وهناك، بخلاف مُتاجَرَة العديد منها بالسودان وأهله. حتَّى ولو دافع البعض نضالات هذه الكيانات، سواء بالقتال أو الطرق المدنية، أقول بالنسبة للقتال فالضحايا دوماً كانوا من بُسطاء الشعب إلا ما نَدَر، والقادة وأسرهم في مَنْأَى و(دَعَّة) من العيش، ويتلاعبون على أكثر من حبل، يُشاركهم في ذلك قادة الكيانات المدنية الذين، وإنْ (صَدَقَ) بعضهم (وهم قِلَّة)، نجدهم يعملون جميعاً دون رُؤى واضحة، لإحداث التغيير المنشود وإنقاذ ما تبقَّى من البلاد. ولطالما دعونا تلك الكيانات وقانونييها، لتقديم (مُذكِّرات/عرائض) قانونية دولية وإقليمية بشأن الاحتلالين المصري والإثيوبي، حفاظاً على حقوق السودان الأصيلة في أراضيه المُحتلَّة ريثما تتم إزاحة المُتأسلمين، واستدلَّيتُ بما قامت به إثيوبيا وما تسعى إليه مصر في هذا الجانب، رغم أنَّهما دولتان باغيتان ونحن الضحية، ونَبَّهْتُ الجميع لقرار الاتحاد الأفريقي بحسم أمر الحدود قبل نهاية هذا العام، ومع هذا لم نَسْمَع أو نَرَ شيئاً حتى تاريخه! حتَّى حينما تحدَّثنا عن خطورة سد النهضة وكارثيته، بَخِلَتْ كياناتنا السياسية (مدنية/مُسلَّحة) وقادتها ومُثقفيها بمُجرَّد بيان (أُكرِّر بيان)، كتلك البيانات التي يكتبونها في الفارغة والمليانة، عدا الحزب الليبرالي السوداني الذي كتب بياناً لمناهضة السد!

والمُتأسلمون لن يتوقَّفوا عن بيع السودان ومُقدَّراته والتنازُل عنها للغير، وساذجٌ من يطمعُ في مُشاركتهم سُلطة أو جاه، فالسُلطة ستنهار إذا لم تتوفَّر الثروة والموارد المالية اللازمة للتسيير والإدارة، وهو ما لم تستوعبه غالبية كياناتنا حتَّى الآن! إنَّنا جميعاً مسئولون عن ضياع السودان ومُطالبون بالعمل (سويَّةً) و(بجدية) و(صدق) و(تجرُّد) للحاق بما تبقَّى منه، وأولى خُطواتنا وأهمَّها، هي اقتلاع البشير وعصابته والحيلولة دون هروبهم، وإجبارهم على رد ما نهبوه من أموال اقترضوها باسم البلاد، وأحالوها لمصالحهم الشخصية وامتنعوا عن سدادها، إمعاناً منهم في تدميرنا ومُستقبلنا، بما يعكس انحطاط ودناءة وخيانة وغدر المُتأسلمين. وليكن عملنا في خطَّين مُتوازيين، الخطُّ الأوَّلُ إحداث التغيير، والخط الثاني تجهيز رؤية رصينة لإدارة الدولة في فترةٍ انتقاليةٍ لما بعد التغيير، باعتبار أنَّ التغيير في ذاته ليس هدفاً رئيسياً وحسب، وإنَّما تصحبه تحدِّيات تترتَّب عليه، ينبغي علينا التحسُّب لها ومعرفة كيفية التعاطي معها بأقلَّ التكاليف، تبعاً لحالة السُّودان التي لا تحتمل أي تسويف أو تنظير!

إنَّ اقتلاع البشير وعصابته أصبح أمراً ملحَّاً ولا مناص منه، ليس ثأراً لأنفسنا وأهلينا فقط، وإنَّما لدولتنا السودان التي مَرَّغوا سُمعتها ووضعوها في الحضيض، وأساءوا إلينا (لفظياً وضمنياً) وبمُمارساتهم غير الأخلاقية، فهم أساس بلائنا ونكباتنا، ولن ينصلح حالنا إلا باقتلاعهم، والتاريخ يُسجِّل دور وفِعْل كلٍ منا وهو لا يرحم، فلنضطلع بما يتوجَّب علينا تجاه وطننا الذي يتلاشى أمامنا ونترك الفُرجَة. وعلينا التعلُّم مما جرى لنا والاقتداءُ بالقريبين منا، الذين اجتهدوا – وبإرادةٍ قويةٍ ومُتجرِّدة – صنعوا التغيير، وانتشلوا أنفسهم وبلادهم من أزماتها التي صنعها ديكتاتورييها، وحَطَّموا قيود الظلم التي كانت تُحاصرهم، وخرجوا إلى آفاق الحرية والانعتاق بأياديهم لا بأيادي غيرهم، وبدأوا في تحسين حاضرهم، وصياغة مُستقبل واعد ومُشرق لأجيالهم القادمة، ومن ذلك تجربة بوركينا فاسو التي انتفضت وغيرت الاستبداد في غضون ثلاثة أيام فقط.. وللحديث بقية عن التآمر العربي على السودان وأهله.