خالد فضل "ألم يقل الرئيس " البلاقينا متحزم بنلاقيهو عريانيين ، وإن ولّعت ببنزع الجلابية وبنلبس الكاكي ونطلع الجبال والكراكير بالدبابة والحصان والموتر"

مع كبير الإحترام للسادة والسيدات الذين صاغوا ووقعوا على ما عُرف إعلاميا بمذكرة الشخصيات الوطنية ، والتي تمّ عنونتها لرئيس الجمهورية , المشير عمر البشير , وكانت خلاصتها الدعوة لتشكيل حكومة تكنوقراط لإدارة الأوضاع المأزومة التي تواجه البلاد . ودون تشكيك في توقيت أو نوايا هؤلاء السادة والسيدات ؛ خاصة أنّ منهم من لا يمكن البتّة التشكيك في صدق توجهاتهم الوطنية، ومواقفهم الراسخة في الانحياز للقضايا التي تمسُّ صميم مصالح شعبهم وبلادهم ، بيد أنّ السؤال الموضوعي الذي نطرقه هو ، هل يشعر الرئيس وبطانته بأنّ هناك ثمّة أزمة وطنية مستفحلة ؟ هل يعترفون إبتداء بوجود هذه الأزمة ؟ أم أنّ الرئيس وبطانته من صنف القادة الذين يدمنون الهروب الى الأمام عند كل معترك يستوجب التوقف وإعمال العقل لإيجاد الحل ؟ النماذج شاخصة وماثلة ونتائج ذلك السلوك هي التي أوصلت البلاد الى هذا الدرك الأسفل من المأساة . هل يتذكّر أحد من الناس مؤتمرات الحوار التي إفترع بها النظام الإنقلابي عهده ،مؤتمر لكل شئ : السلام وقضايا الحكم ، النقابات ، الإقتصاد ، الدبلوماسية , إلخ إلخ , ما هي نتائج وتوصيات تلك الجلسات الصفوية ؟ كم توصية مفيدة خرجت من تلك المؤتمرات رغم صوريتها، وعند صوريتها هذه يجب التوقف طويلا , لقد صاغت الإنقاذ بدائل صورية لكل شئ حقيقي , نصبت مجسّما صخريا في موازاة كل جسم ينبض بالحياة , كل مؤسسات الدولة الأصلية الموروثة جيلا عن جيل منذ أيام الإستعمار تمّ رسم مواز لها خاص بالاسلاميين وحركتهم وحزبهم , فالجيش لم يعد تلك المؤسسة المهابة بشخصيتها الإعتبارية الوطنية القومية التي تجد بين منسوبيها على مختلف المستويات تمثيلا واقعيا للوجود البشري التعددي في السودان , ولا غرو فجميع قادة التمرد الجنوبي السابق كانوا من خريجي مؤسسة القوات المسلحة السودانية , لم يمنع تمردهم من استمرار نهج القومية ولو نسبيا حتى عشية انقلاب الجبهة الاسلامية . لقد انتهى الأمر بهذه المؤسسة الى شبح أو خيال مآتة ؛ يتم التحدث باسمها وترتكب الموبقات تحت شعارها , لأنّ قادتها منذ سيطرة الاسلاميين صاروا من أهل الولاء والتبعية للحركة وشيخها وحزبها , تخلوا عن الإنتماء للمؤسسة المهابة ذات المكانة وانحازوا الى الفئة الباطشة الفاسدة التي أذاقت وتذيق شعبها الأمرين , تمّت عمليات الإبادة والتطهير العرقي , وجرائم الحرب , وحرق القرى , ونهب الأملاك , وإغتصاب النساء , وتسميم الآبار , وقصف المدنيين والمستشفيات , وقتل المدنيين والأطفال والنساء والشيوخ دون تمييز , تحت رايات فقه الحركة الاسلامية , ذلك الفقه الذي يجيز تجاوز الأعراف وقيم الدين الإسلامي نفسها من أجل تثبيت ركائز الدولة الإسلامية ! أنظر الى جمال سلطان في كتيّبه (فقه الحركة ) ص 28 : إنّ ثمّة مطلبا وحيدا من المسلم في حركته , أنْ يجاهد , ويكون هذا الجهاد في سبيل الله . وواضح أنّ كلامنا هذا لا يعني أنّ الجهاد ينفي عن الخطأ وصف الخطأ , ولكنه يمحو عن المسلم _بالقطع_جريرة هذا الخطأ وتبعته , كلا؛بل هو _فوق محو هذه التبعة _ مأجور أجرا ذلك إذا ما كان الخطأ واضحا جليّا وقاطعا , يسهل الحكم عليه , فكيف إذا كان مما تختلف فيه الأنظار , وتتعدد الإجتهادات وتتباين الآراء .

   هذا هو فقه الحركة الاسلامية الذي حوّل مؤسسات الدولة الى أشباح , وعلى رأسها الجيش نفسه , ولعل الملاحظة الطفيفة حول تنفيذ الإنقلاب وإسناده الى العناصر المدنية مع بعض الضباط يعتبر في حد ذاته أوّل وأكبر إهانة لحقت بالجيش وباسمه .فالجبهة الاسلامية صاحبة الانقلاب لا تثق في الجيش لتنفيذ مخططها , لذلك لجأت للحيلة والكذب وهي أمور يأنف عن ممارستها ذوو الأخلاق الرفيعة ولكنها في فقه الحركة مما لا حرج في ممارستها مع الوعد بالأجر عند الله ! كانت النتائج الوبيلة على القوات المسلحة مما صار معروفا للعامة قبل الخاصة وانتهى أمرها الى مرتزقة في حروبات السعودية يتهافت جندها على فرصة الإغتراب في جبال اليمن وسهول الشام نظير10مليون جنيه شهريا ما يعادل 3ألف ريال , ليتولى البشير القيادة العامة للجنجويد تحت مسمى الدعم السريع الذين يتقاضون مرتباتهم من جهاز الأمن ضمن ميزانيته المفتوحة على الرعب والتخويف والقتل . أين جهاز الدولة الذي يقف على رأسه عمر البشير رئيسا حتى يلتفت مجرد إلتفاتة الى مطالب الشعب أو مذكرات النخبة الوطنية ؟ أهو هيئة الجمارك أم ديوان الزكاة أم هيئة الدعاء والتضرع أم إدارة الدرداقات بالسوق الشعبي أم درمان ؟ أم هو الوحدات الجهادية بالجامعات ؟ أين جهاز الدولة والنائب الأول للرئيس يسافر لحضور مؤتمر في إحدى الدول الإفريقية ليفاجأ بأنّ المؤتمر ذاته لم ينعقد , ووزير الخارجية يسمع من وكالة الأنباء السعودية خبر قطع مدير مكتب الرئيس لعلاقة السودان بإيران , أم هي الحكومة التي مهرت توقيعاتها حوالي  60 إتفاقية للسلام مع المحاربين من جهات السودان كلها ومع ذلك تشتعل الحروبات في جهات السودان كلها ويستخدم الرصاص الحي لقنص الأرواح السودانية في محطة الصقعي بالحاج يوسف وفي شارع أوماك ببري وأزقة حي الشهداء بأم درمان , بل في صحن جامعة الأبيض وساحات الجامعة الأهلية بأم درمان , ناهيك عن شوارع بورتسودان وصياصي أمري وكجبار , أليست هي السلطة التي تقصف الأطفال في هيبان ؟ وعلى رأسها الرئيس الذي تخاطبه المذكّرة الرقيقة طلبا وطمعا في حلّ مأساة السودان , والرئيس نفسه يجدد في لاءات الرفض لكل مبادرة حلّ شامل وعادل وسلام مستدام , حتى انحنى ثامومبيكي , ومهر وثيقة الإذعان المعروفة بخارطة الطريق , في عملية لم يسبق لها مثيل , إذ الأصل في الشهود أن يوقعوا على وثيقة تضم طرفين على الأقل , يحدث هذا في قسيمة الزواج إذ لم يسبق لشاهد أن وقّع على قسيمة طرفها الزوج أو الزوجة فقط أمّا السيد مبيكي فهو الشاهد على توقيع موفد الرئيس ! الذي تستهدفه مذكرة السادة الكرام والسيدات الفضليات فيما يشبه عملية إبراء الذمّة . فالرئيس كما صرّح كثيرا وردد جاء بالقوة ومن أراد نزعه عن كرسي مُلكه فليأت ببندقيته , والبلاقينا متحزم بنلاقيهو عريانيين , وإن ولّعت ببنزع الجلابية وبنلبس الكاكي ونطلع الجبال والكراكير بالدبابة والحصان والموتر , وإنْ فشلت الخطة (أ) حنستخدم الخطة (ب), أليس هذا هو خطاب وممارسة السيد الرئيس الذي يخاطبه المثقفون الوطنيون الذين لا نشكك في منطلقاتهم ولكننا ننبه الى أنّ تجريب المجرّب لن يفيد , وهاهو الرئيس ذاته يعيد نسق ممارسة السلطة لأول عهدها بعد 27عاما , فبيوت الأشباح التي دشنّ بها الرئيس عهده في السلطة هاهي تكتظّ بعد أكثر من ربع القرن بالشباب والشابات السودانيين , وسيرة الشهداء من لدن بشير وسليم والتاية تتصل بعلي أبكر وابوبكر الصديق ومحمد الصادق ويو , وذات عمليات حرق القرى وتهجير المواطنين تتصل , وذات المذابح , ذات الملامح والصور تترى في شريط من الأمس لليوم , رغم كبد نيفاشا , ورهق أبوجا والدوحة وأبشي وفرانكفورت واديس ابابا واسمرا والقاهرة وقاعة الصداقة وووووووووووووأما يزال هناك عشم في توبة ابليس !