سيف الدولة حمدنا الله ،،شخص عينه رئيس الجمهورية شخصيا يفضح لصوصا من الأفندية الصغار ويعجز النظام عن محاسبتهم خوفا من انكشاف الحلقات الأكبر..،،

لا أعرف فعل نجح في تصوير معنى عبارة “رمية من غير رامٍ” مثل التقرير القنبلة الذي قدّمه السيد/ أحمد أبوزيد رئيس ديوان المظالِم والحسبة للبرلمان،والذي قال فيه ما يمكن تلخيصه في عبارة واحدة بأن الذين يقومون بإدارة جهاز الدولة هم مجموعة من اللصوص والفَسَدة، (من بين ثمانية جهات حكومية قام الديوان بمراجعتها كانت نتيجة الفساد 10/10)، فقد كان أحمد أبوزيد يشغل لفترة غير قليلة المنصب الذي كان يُتيح له – إن أراد – التصدّي من نفسه لمثل الجرائم التي وردت في تقريره، ويأمر – مباشرة وعلى الهواء – بالتحقيق وتقديم كل الضالعين فيها للمحاكمة، فقد كان حتى وقت قريب ثاني أكبر رأس بالنيابة العامة (وزير دولة بوزارة العدل)، وكانت بيده السلطة التي تُمكّنه من أخذ العلم بهذه الجرائم لكونها شائعة وتتداولها الصحف، لا أن يقوم بتقديم توصيات بشأنها لجهة يعلم هو قبل غيره أنها لا تملك صلاحية القيام بالمحاسبة (اقتصرت التوصيات على نقل الأشخاص الضالعين في الفساد وإستيفاء ما حصلوا عليه من مبالغ مالية من وراء تلك الجرائم).

 

  • الذي حمل أبوزيد لأن ينشر هذا التقرير في العلن الآن هو إختلافه مع (الجماعة)، فقد خرج غاضباً قبل شهور قليلة من منصبه بوزارة العدل بما يشبه الإستغناء عنه، وهو المنصب الذي كان قد نُقِل إليه من عمله السابق بالقضاء بعد إنتهاء ولاية رئيس القضاء جلال الدين محمد عثمان والذي كان يُعتبر “أبوزيد” أحد المقربين لديه، وقد كان آخر ما قام به من عمل بوزارة العدل هو توجيهه – أثناء اجتماع عام – بعزل جلوس النساء المُجتمعات، ولم يكن “أبوزيد” راضياً عن خروجه من منصبه بالعدل إلى موقعه الحالي وهو منصب بلا سلطات أو صلاحيات، ويُفهم ذلك من تصريح كان قد أطلقه عبر الصحف قبل فترة قال فيه ما معناه أنه يستطيع أن يفعل ما يعجز عنه ديوان النائب العام.

 

  • لكن هذا خلاف مُثمِر، وجاء في المصلحة،فبرغم هذه الخلفية فقد قطع تقرير “أبوزيد” لسان النظام الذي كان يعيد ويقول بأن كل ما يُشاع عن الفساد هو فِرية باطِلة يُطلقها أعداءه و(معارضو الكيبورد)، وكان يقول أن من بيده دليل على الفساد أن يتقدم به للسلطات الرسمية، فجاءه الدليل من الشخص الذي عيّنه رئيس الجمهورية شخصياً لمراجعة أداء أجهزة الدولة والوزارات، وعلى نحو مُفصّل وبالأرقام والمستندات.

 

  • أهمية هذا التقرير أنه كشف عن السِر الذي أعيا الناس معرِفته في سبب صمت أجهزة الدولة حيال الفساد وعجزها عن محاسبة المُفسد حتى وإن تواضع مقامه الوظيفي، برغم أنه فساد ظاهر للناس ويمشي على قدمين، فالشعب يرى أمامه أفندية أصبحوا أعيان، وضباط شرطة يسكنون قصور، ووكلاء نيابة أصحاب أطيان، وصبيان إنطلقوا من الصفر وأصبحوا أصحاب ثروات، فقد وَضَح أن السِر وراء صمت النظام على ذلك أن الفساد أصبح مُنظّم وطال جهاز الدولة ومؤسساتها وبحيث يؤدي الكشف عن أيّ حلقة من حلقاته إلى فضح الحلقة التي تليها، وأنه لم تعد هناك أجهزة نظيفة حتى تقوم بمهمة المحاسبة (أشار التقرير إلى مخالفات إرتكبها وكيل وزارة العدل الحالي والسابق ومستشارة قانونية بالديوان وشرطة الجمارك كما أشار إلى تحجج القضاء ووزارة الداخلية والمالية بالقانون لتفادي مراجعة وتدقيق الحسابات).

 

  • هذا تفسير لا يقبل الدحض، وليس هناك دليل على صحته مثل الطريقة التي تعاملت بها أجهزة الدولة مع تقرير حوى وقائع لفساد أفندية لا سياسيين حتى يُقال أن فضحه من الممكن أن يهُز النظام، فعِوضاً عن تلقف التقريربواسطة أجهزة الدولة (النيابة والشرطة) والشروع في الملاحقة القضائية لمن وردت أسمائهم وصفاتهم به، بذلت الأجهزة الرسمية غاية جهدها في التستر على التقرير وحجبه عن الأنظار، فقد أصدرت أجهزة الأمن أوامر للصحف اليومية بمنع نشر التقرير أو الإشارة إليه (صحيفة الراكوبة 13/5/2016).

 

  • فما الذي يحمل – مثلاً – أجهزة الدولة على عدم التصدي لأفندية (بحسب ما ورد في التقرير) بجهاز الإستثمار لصندوق الضمان الإجتماعي يقومون – بلا سند في القانون – بتشغيل الأموال التي تُستقطع من المواطنين الغلابة والمُعدمين في أنشطة مشبوهة وبالمخالفة للأهداف التي أُنشيء من أجلها الضمان الإجتماعي، بإستغلال إسم الصندوق في الإستحواذ على أراضي سكنية عالية القيمة (مربع 13 مدينة الرياض)، ثم يقومون بإعادة بيعها (سُكّيتي) دون إعلان بمعرفتهم ويحققون من ورائها أرباح طائلة لأنفسهم، فالمخالفة ليست في كون هذه العصابة لا تقوم بتسجيل الأراضي في إسم الجهاز قبل بيعها وبما يفوّت على الدولة رسوم تسجيلات الأراضي بحسب ما ورد في التقرير ويُشير إليه دوماً الصحفي حيدر خير الله، وإنما في قيام موظفي دولة بتمثيل دور السمسار ببيع أراضي حكومية لا صلة للجهاز بها وخارج نطاق رقابة أجهزة الدولة التي تمكنها من معرفة القيمة الحقيقية التي يتم بها البيع، أو بأدنى من قيمتها للأقارب والأصدقاء وأصحاب النفوذ، (كشف التقرير عن حصول وكيل النائب العام السابق عصام عبدالقادر على واحدة من هذه القطع وأوصى بسداد فرق القيمة المدفوعة)، ثم يحصل هؤلاء العُصبجية فوق ذلك (بحسب التقرير) على عمولة سمسرة تبلغ 1.5% من حصيلة البيع يتقاسمونها فيما بينهم كحوافزوبالمخالفة للقانون.

 

  • شملت التقرير مخالفات أجهزة حكومية أخرى من بينها ديوان الضرائب والصندوق القومي للمعاشات وديوان الحسابات وهيئة الجمارك السودانية والهيئة العامة للاذاعة والتلفزيون ورئاسة البنك الزراعي،وكشف عن حصول العاملين بصندوق المعاشات على سلفيات بمبالغ ضخمة لشراء مباني وسيارات وصيانة دون أن يُتاح مثلها لأصحاب الحق أنفسهم من المعاشيين، وكذلك منح سلطات الضرائب لإستثناءات دون سند لأفراد من ضريبة الدخل الشخصي، كما كشف التقرير عن إختفاء إيرادات البترول ورسوم العبور بالحساب القومي للحكومة، ووجود حوافز ضخمة للمحاسبين والمراجعين لاتتناسب مع مستوى مهام اللجان، كما كشف عن إدراج الهيئة العامة للاذعة والتلفزيون لمديونية تبلغ أكثر من 3 مليار جنيه بإسم (متعاونين) وأخرى بمبلغ يقترب من ملياري جنيه دون أن يكون هناك مُستندات تؤكِد ثبوتها.

 

  • هذا مال عام، يدخل خزينة الدولة مبلول بعرق البسطاء والكادحين من دافعي الضرائب، وواجب النائب العام الحالي، بعد أن أخذ عِلماً على رؤوس الأشهاد، أن يتصدّى لما ورد في هذا التقرير بتحريك إجراءات تحقيقات جنائية في ضوء ما ورد فيه من معلومات، وإن حدث ذلك، فسوف يتكشّف أن ما ورد بالتقرير قطرة في محيط مما يحدث في جهاز الإستثمار أو غيره من الجهات التي ورد ذكرها بالتقرير، ولا ينبغي أن يكتفي النائب العام (كما أوصى التقرير وحدث سابقاً) بإستيفاء حصيلة الجرائم وفروقات الأسعار من المتهمين دون محاسبتهم عن الجرائم نفسها، وأن يبدأ في ذلك بمن حوله من أعوانه والمستشارين الذين وردت أسمائهم بالتقرير، وأن يقوم من تلقاء نفسه بالتحقيق في كل ما هو معلوم ويتحدث عنه الناس جهراً حول المبالغ التي ذهبت مع الريح في مشروع السكة حديد وفي مشتريات توطين العلاج بالداخل وقضية التقاوي الفاسدة ..الخ.

 

  • النائب العام لا تنقصه السلطات في القانون التي تُمكّنه من تحقيق العدالة بمحاسبة ومقاضاة المُفسدين وإسترداد المال المنهوب وإعادته لملكية أصحابه، ولا حاجة به لإنتظار قانون مكافحة الفساد الذي أوحى لكثير من الناس أن صدوره أمر لازم لبداية المساءلة عن جرائم الفساد، فالقوانين الحالية فيها ما يكفي ويزيد لتحقيق الردع، ونحن في إنتظار ما ينتهي إليه مصير هذا التقرير القنبلة.

 

saifuldawlah@hotmail.com