أمل هباني، باريس  

لا موناليزا اليوم :

كان موعدي مع الموناليزا في ذاك اليوم الفرنسي الغائم شديد البرودة …حيث قررت أن اختم زيارتي لفرنسا برؤية تلك اللوحة الآسرة وزيارة متحف  اللوفرللوقوف على ابداع حي لا يفنى ولا يتبدد رسمه عظماء الفن الفرنسي  …لكن اقدار واحزان وطني تلازمني أينما حللت ..فبدلا عن زيارة الموناليزا كنت في زيارة مالايقل عن ثلثمائة لاجيء سوداني ..يعيشون بين شوار الصقيع الفرنسية ..ومدرسة مهجورة احتلوها ليحتموا بها من اقامة غير كريمة تتبعثر فيها احلام وردية بقبلة فرنسية دافئة تستقبلهم على بوابة اللجوء وتفرش لهم الارض اقامة وعملا وايقاعا يرتفع بهم درجات عن انسانية مستباحة تركوها وراءهم في السودان ..

لم يبق لهم من ذلك الحلم سوى كلومانسي الممرضة الفرنسية ورفاقها من النشطاء الحقوقيين الذين يقيمون معهم في ذات المدرسة تضامنا ومناصرة لحقهم في الحصول على الحياة الكريمة كطالبئ لجوء ….وعنما سألتها عمن تكون ولماذا هي هنا ردت بأنها  تسكن بالقرب من منطقة اللاجيئيين السودانييين و أنها شعرت باحباط كبيرعندما رأت معاناة اللاجيئين في الشارع وشعرت بالضياع ،فاخبرت اصدقاءها وقامت معهم بعمل مبادرة  (لاشابيل  دوقو)‘ولاشبيل هي محطة المترو التي كان فيها عدد من اللاجيئين وقامت الشرطة بتوقيفهم ؛ونحن اصررنا على مساعدتهم على ايصال صوتهم ؛اضفت سؤالا آخر هل تعتقدين أنهم يستحقوا اخذ اللجوء ؟

قالت بكل ثقة :نعم يستحقوا أن يأخذوا حق اللجوء وأن يقيموا اقامة كريمة حتى يحدث ذلك ،ويبدو حياةجديدة ؛لكن كل مايجدونه هنا هو اهانة البوليس لهم ،والوضع الذي رأيته أن المهاجرين الذين يصلون عبر البحر من ليبيا يصابوا بصدمة حادة لذلك نحن نساعدهم أن يحصلوا على حق الاقامة والعلاج والضمان الاجتماعي

*لكن الشرطة ترى أنهم مخالفون للقانون يقيمون في الشارع واقامتهم هنا في هذه المدرسة مخالفة حتى لحكم المحكمة التي رفضت ذلك …كان ذلك سؤالا استطراديا …

*نعم ليسوا قانونين بالنسبة للشرطة لكن يجب أن نساعدهم والمبنى مغلق من ست سنوات فاضل ان يستغلونه لأنهم لا يمكن أن يبقوا في الشارع ..كانت هذه اجابتها …

 …..

البحر خلفي واللجوء امامي …

طالبو اللجوء الذين  تحدثت  اليهم جميعهم مروا (برحلة الاهوال ) حتى وصلوا الى هناك واصبحوا لاجيء شوارع  ..فالبحر خلفي واللجوء امامي ولا عودة الى السودان …*مصطفى هو احد اللاجيئين الذين ركبوا اهوال البحر تحركت من السودان الى مصر عبرسماسرة  التهريب ….يحكي مصطفى قصته ..ثم يسترسل :وهم ينتشرون في وكالات السفر ويعملون في تهريب البشر  ؛ينتشرون في عدد كبيرمن الوكالات في سوق ليبيا وفي كل الخرطوم .أنا لم ادفع في السودان لكن دفعت في مصر وهناك هم  اكثر انتشارا تجدهم في المطاعم والمحلات ؛كثير منهم يسكن في أرض اللواء ويعملوا في شبكة كبيرة ويرأسهم (أ) الذي  يقيم في أرض اللواء ويجند الجميع للعمل معه …وتقابل سماسرة التهريب في قهوة معروفة في وسط القاهرة  . في مصر دفعت حوالي 2000 دولار يقول مصطفى  ،واكبر مشكلة هي خوفي  من (يحتالوا علي ويأخذوا مالي ) لأن مصر ينتشر فيها ااحتيال المهربين وسرقة اموال راغبي الهجرة . وصلت الى شقة المهرب في القاهرة ومنها الى الاسكندرية وهناك قابلت السوري المسؤول عن التهريب وهناك ملاحظة أن معظم المهربين هم من السوريين  بقينا في انتظار موعد الرحلة ..كل شيئء هنا سيءولا علاقة لها بالانسانية  ..الاكل والتعامل …الخ ….هناك رجال ونساء سودانيون واريتريون وغيرهم ينتظرون مراكب التهريب في البحر ….يصمت مصطفى ليواصل عماد قائلا :

*نزحنا منذ 15 ابريل من  العام 2004 من محلية  سلام أبو سلالةفي دارفور  بعد ضربها بالطيران ..كنا نعاني من تسليح الحكومة للقبائل لأنها تستخدمها في نهبنا ..يتم تهديدنا بالسلاح لأخذ ماعندنا من اموال ..نعمل حتى نكسب قليل من المال لاطعام أولادنا فينهب من قبل المسلحين …ولم أحظ بأي نوع من التعليم حتى اجد اي عمل ..والمدارس مغلقة …نزحنا الى المعسكرات والحال كما هو عليه ..لذلك قررت أن اصل أوربا لاعيش حياة افضل ذهبت من دارفور عبر تشاد الى ليبيا وكان الطريق سيئا وخطرا كلما ندخل عبر بوابة تشادية يؤخذ منا الفين ريال تشادي رشوة حتى لا يتم تسليمنا ..أي قرابة المائتين ألف سوداني في كل بوابة ؛كلها حوالي 150 بوابة احيانا ندفع واحيانا نختبيء منهم ..ووصلنا ليبيا وجدنا تعامل اسواء تمنيت أن اموت لأن الموت راحة ..في الطرق تعرضنا للضرب والنهب ،بقيت شهرا وكنت اتوقع ان تدخل عصابة مسلحة وتنهبني وتقتلني ..كنا نخشى الخروج لأننا لو خرجنا يمكن أن تختطفنا احدى المجموعات المسلحة لتجندنا أو لتبيعنا أو تطلب فدية من اهلنا تصل لخمسة عشر مليون جنيه سوداني ..ونتعرض للنهب والسرقة انا نهب مني مبلغ خمسة ألف   يورو في المرة الأولى …نصل للبحر ونحاول أن (نركب  رجالة )فالركوب لمن يأتي أولا ودفعت للمهربين مايعادل ثمانية ألف جنيه سوداني ؛ في المرة الأولى ركبنا الانبوب (مركب صغير ) وبعد تسعة ساعات كادت أن تغرق لانها ثقبت من الوسط وانقسمت الى نصفين ، جاءت طائرة وحلقت حوالي ساعة ثم جاءت باخرة كبيرة انقذتنا من الموت …رجعنا مرة أخرى وحاولت ركوب البحر مرة أخرى هذه المرة وصلت الى ايطاليا   منطقة تسمى (سسليا ) وضعونا في عمارة بحراسة ،ومنعونا من التحرك واصروا على  اخذ بصمة الاصابع  رفضت التوقيع والبصمة  وحاولت الهرب ، طاردوني بعربات الشرطة وهليكوبتر حتى تمكنوا مني وحاولوا اجباري على عمل البصمة  لما رفضت ضربوني بعصا الكهرباء وانا لا اريد أن اقيم في ايطاليا أريد أن اطلب اللجوء في فرنسا (مفترض أن يقدم طالب اللجوء طلبه حسب الدولة الأولى التي يصلها وتؤخذ فيها بصماته حسب قانون دبلن  ) ..بعد ذلك فكونا في الشارع ،بدون طعام وشراب احيانا لمدة ثلاثة أو أربعة أيام ،اصبحت اختبيء في حمامات القطار وأنا من  قطر الى   حتى لا يقبض علي  حتى وصلت الى فرنسا قبل أربعة ايام …

يواصل مجاهد  وهو مهاجر آخر جاء عن طريق اليونان قصته ويقول ..ذهبت الى اليونان عن طريق البحر قبل خمسة أعوام ،وعشت معاناة لم اتخيل أني يمكن أن اعيشها بالتهريب ؛وتتفاقم المعاناة حينما تكتشف انك يجب أن تدخل الى اوربا من اليونان ‘ والمهربين نوعان في اليونان نوع بعمل على التهريب عبر المطارات عن طريق جواز سفر مضروب …ويكلف حوالي 2500 يورو للفرد الواحد ..أما الطريق الثاني فهو المشي بالاقدام من البانيا حتى تنقرو ومن تنقرو حتى الجبل الاسود وهذا يكلف حوالي 700 يورو ،انا اخترت طريق المطار ودخلت بجواز سوداني امريكي ،وعملت في عدد من الجزر والمزارع حتى اجمع أموال لرحلة اوربا …في اليونان هنالك ثلاثة طرق لجمع المال اما أن يرسل اهلك ،أو تعمل بالمزارع أو الجزر البعيدة أو تعمل في تجارة المخدرات وتصبح جزء من الشبكات العاملة …انا اهلي ارسلوا لي جزء وعملت في الجزر لجمع ماتبقى ،ووصلت الى فرنسا من ثمانية أشهر ..

*مهاجر آخر تحدث الينا عن رحلة الأهوال  وهو (فاضل)الذي يقول  …اعيش في اطراف الخرطوم واشعر أن الخرطوم تحولت الى طبقة واحدة قادرة أن تعيش ونحن  الفئة الفقيرة قليلة التعليم لا مكان لنا هناك …تحركت ولم اتخيل ان يحدث لي ماحدث …وصلت الى ليبيا وركبنا البحر؛البحر هاج بشدة والموج اصبح عاليا كدنا أن نغرق ….تشهدنا وانتظرنا قدرنا …..تم انقاذنا ببارجة ونقلنا الى تونس …في تونس جاء الاعلام صورونا ..وهناك  قدمت قصة للجوء ….لكن لم يتم قبولي ..عدت الى ليبيا وعملت لمدة شهرين حتى اجمع قدر من المال لاعاود محاولة الوصول الى اوربا ..بعد أن جمعت  حوالي 700 يورو ،تم الاحتيال علي من قبل المهربين …في المرة الثالثة كنت وصلت درجة عالية من الاحباط ؛ووجدت سوداني ساعدته للوصول الى المهربين وتحويل امواله الى يورو وساعدني بتسليفي تكلفة الرحلة على أن ارجعها له اذا وصلنا الى اوربا وتحسنت اوضاعنا …وصلنا هنا وعشنا في الشارع ولم نجد لجوء او حياة كريمة الى الآن …وتم رفض طلبي للجوء ؛هناك حسد وهناك تضليل من سودانين موجودين هنا بدلا أن يساعدوك يضللوك فيما يجب أن تفعله وتقوله في مقابلة اللجنة التي تقرر قبول اللجوء …

مزيدا من الهجرات :

بعد اجراء هذا التحقيق قامت الشرطة بترحيل اللاجيئين السودانيين وغيرهم ممن احتموا بالمدرسة وسكنوا فيها الى حين استكمال اوراقهم ومستنداتهم التي تتعلق بحقهم في اللجوء الى فرنسا …لكن المأسأة تتفاقم بتدفق مزيد من المهاجرين غير الشرعيين يوميا الى شواطئ اوربا فالسودان بلد منشأ وعبور ومقصد لذلك ينشط فيه سماسرة البر والبحر الذين يبيعون الأوهام لآلاف من السودانيين سلكوا ذاك الطريق لم يتم سوى اعادة توطين 2544على نحو انساني كريم حسب تقرير منظمة الهجرة الدولية لعام 2015.معظمهم في كندا وبريطانيا وامريكا فيما رجع حوالي 260 مواطنا سودانيا حسب التقرير وفق برنامج العودة الطوعية ..ويبقى مصير الآلاف مجهولا بين احلام سيريالية بالعبور الى بوابات الجنة في فرنسا وغيرها وواقع تتحطم كل تلك الأحلام على صخرة  قسوته الصلدة …. …