خالد فضل

خلال الاسبوع الفائت تصادف ركوبي مع شخصين لا أعرفهما , كتر خيرهم رأوني واقفا أو ماشيا في لهب شمس الخرطوم الحارق وأتربتها الدوّارة فأوقفا سيارتيهما وأخذاني في سكتهم الى حيث أقصد , وكالعادة يدور الحديث بين أي سودانيين يلتقيان ولو مصادفة , لا نعرف حديثا غير المعاناة , لم يحدث أنْ سمعت قريبا شخصين يتحدثان عن مهرجان الموسيقى أو عروض الفنون الجميلة أو يتناقشان حول إصدارة حديثة أو جائزة علمية رفيعة أو رقعة زراعية أخضرّت أو ثروة حيوانية تحسّنت أو منازل شعبية شُيّدت أو مآذن صدقت وسمت أو كنائس جميلة ترنّمت أو فنان فلتة قد ظهر أو لاعب موهوب قد بزغ أو مقاطعة وإقليم قد ازدهر , لم يعد للحياة التي تمت للبشر من حيث تنوع وتعدد اهتماماتهم من أثر . صارت اللغة موحّدة , والعبارات ثابتة . الله اقرف دي بلد , أووو دي بلد شنو  , آه آه يا حليل البلد . الشباب يحملون الأوراق تصطف الطوابير من الفجر الى الظهر أمام شبابيك الدواووين الحكومية المعنية بإجراءات الهجرة , صفوف في بري حيث الفيش (البصمات وما إليها) , صفوف في مباني جهاز المغتربين بالصحافة شرق , صفوف أمام مكتب العمل آلاف المدرسين يتوقون لفرص عمل بالعشرات في دولة قطر , مثلهم في سفارتها بالمنشية , آخرين في السفارة الهندية , نفر أمام سفارة جامايكا , وجزر القمر وموريشص, وجمهورية أرض الصومال , هذه الصفوف البشرية  تتكالب على منافذ الهروب من الأرض المسماة مجازا وطن !! لذا صحّ الوصف عن الوطن المهاجر في المُقل .

ثمّ وننبئك عن عصر الجنجويد , وزير طرق ومواصلات وجسور العصر الجنجويدي , بالخط العريض في صحافة الجنجويد الخرطومية : عدمنا الطيّارة , وبعنا آخر باخرة بحرية خردة . وزير الصحة الجنجويدي : عدمنا القابلة وجرعة الدواء المنقذ للحياة . وزير التجارة الجنجويدي : أسواقنا خالية من لبن الأطفال . وزير التعليم : طلابنا يفترشون الأرض والحجارة داخل الفصول . وزير الإعلام : الصحافة الإلكترونية مهدد أمني , وزير الزراعة والغابات : أرضنا تحولت لصحراء , وزير التعليم العالي : هجرة كل أساتذة الجامعات . وزير العدل: عقوبة المظاهرة 10سنوات سجن , مدير الأمن : الحديث عن تلوث مياه الشرب خط أحمر . وزير المعادن والبترول: سبرين (الروسية) ستملأ خزائن السودان ذهبا , السفير الروسي : سبرين السودانية (مبروكة عليكم). وزير الري يحمل سيخته في جامعة الخرطوم: أمن مصر المائي دونه المهج . منسق الدفاع الشعبي : سنسحق الخونة من طلبة الجامعات , وزير الدفاع : في إيدنا رشاش في إيدنا خنجر ضد عرمان والحلو وعقار . وفي العصر الجنجويدي , النيابة تتهم طالبا جامعيا في الخرطوم بإغتيال شرطي بملتوف وطائرات الانتينوف الجنجويدية تقصف وتغتال ستة أطفال من أسرة واحدة في هيبان بجبال النوبة , أمن العصر الجنجويدي يداهم مكتب المحامي نبيل أديب ويعتقل موكليه والموظفين في مكتبه ويستولون على لابتوبه , ووزيرة دولة العدل الجنجويدي في الهند : حكومتنا ملتزمة بالقوانين والمعاهدات والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان !1 والطالبتان وفاق قرشي و مي عادل ورفاقهما من الطلبة والطالبات يمضون اسبوعهم الثاني في مكان مجهول رهن الإعتقال . ودماء أبوبكر الصديق ومحمد الصادق لم تجف بعد في سوح جامعتي كردفان والأهلية أم درمان ,وحريق الطلبة يشتعل في جامعة القرآن لأنّهم فقط كانوا يعتزمون تقديم قائمة انتخابية للإتحاد , واعتصام نواب الإختصاصيين في كوستي و21مدينة بسبب فصل الأطباء من العمل , مع ارتفاع معدلات انتشار السرطانات في الجزيرة والشمالية وكردفان , والفشل الكلوي وضغط الدم والسكري حتى وسط الأطفال , ووفيات الأمهات أثناء الولادة يخطف الأستاذة الجامعية رجاء , والإعلامية أميرة والصحفية عبير , وغيرهن الآلاف في مختلف الأصقاع وتتنافس ولايات دارفور مع القضارف في أيّهم يتفوق على الأخريات في عدد الوفيات !! , ورئيس العهد الجنجويدي يتغزل في وزير عهده مامون حميدة ! وتوقف من أجل زيتونته الأوقاف بينا البلدوزرات تدك في مستشفى الخرطوم التعليمي , ويتحول القسم الجنوبي لمصحة لجرحى حروب العرش السعودي في اليمن , وافتتاح مستشفى البشير في قلب جيبوتي عاصمة جمهورية الموز , واستلام 110مليون يورو للجم حركة اللاجئين من الجحيم إلى جنان أوربا والغرب . في العصر الجنجويدي كل شئ متاح ومباح ومصان , شاحنات المخدرات وكونتينراتها في الموانئ , والدقيق الفاسد في المخابز , والدواء المغشوش في الصيدليات , والبصات القمامة على الطرقات , والمبيدات الفاسدة على الخضروات , والكلاشات والخناجر والسواطير لدى الوحدات الجهادية في الجامعات وأنس عمر وصعاليك الحركة الاسلامية أمثال إسحق والطيب مصطفى و آخرين يتسيدون مشهد الإعلام , وتنزوي عوضية كوكو المرأة الشجاعة بإعتراف العالم كله لأنّها فعلت المفيد لقرابة 10 ألف من النساء الشريفات العظيمات اللاتي يستحققن الإنحناءة والعرفان , وجهاز أمن الجنجويد يعتبر الإحتفال مهدد أمني للسلطان الجنجويدي !!

وما زلت اتجاذب أطراف الحديث مع شخصين لم يسبق لي معرفتهما , حملاني على سيارتيهما فضل ظهر لبضعة كيلومترات , وسألت كلاهما على حدة : ترى هل لدينا مسؤولين قرأوا عن أو سمعوا أو شاهدوا العالم القريب والبعيد والبلدان والمدن من حوالي بلادنا قاصي ودان ؟ عجبت من تطابق إجابتيهما رغم أنّهما لم يلتقيا , ( الفساد) الذي ملأ الأرض والجو والبحر , السهل والجبل و الغابة والصحراء , البشر والمدر , النهار والليل , كل شهور العام وفصوله . قالها كل واحد منهما كرد على سؤالي البسيط . وفي العهد الجنجويدي يكتظ طريق سنار الدمازين بما يقارب 10 آلاف مدجج بالجهل والعنصرية والبغضاء بآلاتهم الصماء وذخائرهم المؤذية و وفعالهم القبيحة , وطباعهم الغريبة , وممارساتهم البغيضة , يزحمون الطرقات والمدن والقرى وغابات الفرقان في طريقهم لسحق المناضلين في الجيش الشعبي بالنيل الأزرق , بعدما أكملوا مهمة الإبادة والتطهير العرقي في دارفور , وبالتزامن مع ذات الممارسات في جبال النوبة , إنّهم ذاهبون للقضاء على (هوان) اسمه الأنقسنا , هكذا تمّت تعبئتهم الملائمة لشراسة طباعهم وشرههم للنهب والسلب وقطع الطريق وآلاف العربات وآلاف الأطنان من الأسلحة الفتاكة لتفتيت جبل في النيل الأزرق لأنّه يشكل شوكة في قلب سلطان الجنجويد الأكبر , لأنّ كلمة حقوق تنطلق في نضال الشرفاء المسلحين بالبنادق والمسلحين بالنشاط , وهي أبغض الكلمات لسلطان الجنجويد . ولكن : حتما الانفجار الداوي ويوم الهول ليس ببعيد ليس ببعيد .