صلاح شعيب

مفهوم الدولة المدنية في الغرب الحضاري يحتمل معانٍ معارضة لما تفهم في السياق الحضاري الإسلامي.  وفي العقدين الأخيرين أعيد تحوير المفهوم في الحقل السياسي العربي عبر تنظيرات هنا وهناك، ثم تسرب إلى “السودان المتلقي” ليكون إضافة ملغومة، ومخادعة، ومختالة. خُففت عن المفهوم الإشارات الواضحة إلى الفصل ما بين هو دنيوي وسماوي في مجال التشريع السياسي والدستوري الغربي واستعيض عنها بمعاني الدولة الدينية كافة. وهكذا تلقف القادة السياسيون السودانيون المفهوم في إطار انتظارهم لما يأتي من أعلى. وللأسف ما يزال قادتنا، ومفكرونا، ينتظرون من يفكر لهم دون حتى مراجعة برغم أنهم تأهلوا أكاديما في السوربون، وأكسفورد. إنهم لا يستأنسون في أنفسهم الكفاءة ـ برغم عدتهم العلمية ـ لتصدير التفكير بدلا عن استيراده. فأهل المركز العربي ـ الإسلامي رجال ونحن رجال، لهم عقول، ولنا مثلها. ومع ذلك ننتظر عطايا اليمين الديني العربي المتخثر الذي يعيدنا إلى عصر إرضاع الكبير، وذبح المرتد من الوريد إلى الوريد، وتمكين أهل الولاء والبراء على حساب أهل العلم، والاختصاص.

أحيانا يرى المرء زعمائنا السياسيين كضحايا في المقام الأول لأفكار نيئة لم يراكموا موقفا نقديا منها قبل تبيئتها سودانيا. لهذا السبب هزم السودان معظم قادته السياسيين شر هزيمة. لا بد أن الذي يخطو منهم نحو القبر يشعر بكثير من الألم، والحسرة، والغبن، لفشله. جميعهم شاهدوا كيف أنهم في سبعينياتهم، وثمانينياتهم، عجزوا عن الإبداع في اهتبال الفرصة التي تواتت لهم. بل إنهم شاهدوا، ويشاهدون، كيف أنهم ساهموا في تحطيم الدولة التي تركها لهم المستعمر قوية في اقتصادها، وخدمتها المدنية، وريادتها العربية والأفريقية، وبديعية نظامها الإداري، ونسبية التنمية البشرية بالمقارنة مع مواطني دول الإقليم. يبدو أن الإداريين الإنجليز كانوا يعرفون السودان أكثر من الإداريين السودانيين! ولذلك لم يغامروا بالتجريب المكلف لتغيير الأوضاع الإدارية المختصرة، والتي حفظت البلاد لقرون. وللأسف أنهينا نظام المديريات المعروفة، ثم جربنا الأقاليم، ثم انتهينا إلى الولايات التي مزقت وحدة البلاد، وأثقلت كاهل الميزانية، ونمت الشعور بالقبلية.

لقد تخلى اليمين عن برنامج “الصحوة الإسلامية”، و”الجمهورية الإسلامية” ثم هرولت تصريحاته، بعد فشل المشروع الحضاري، لتضمين مفهوم الدولة المدنية في خطابه حتى يخفي المعالم الإسلامية التي يريد بها ربط الحكومة بالسماء إذا وصل الحزبان إلى السلطة مرة أخرى. أي أنهما يريدان أن يمارسا تكتيكا جديدا إزاء كيفية إثبات الصحيح من الدين في علاقته بالصحيح من السياسة. اليسار، من جهة أخرى، وعدد من الليبراليين أرادوا بالدولة المدنية إخفاء وضوحهم العلماني بالشكل الذي تماشى مع المفهوم المعاد إنتاجه إسلاميا. وحجة بعضهم أن التصريح بالعلمانية في مجتمعنا يساهم في تأليب الرأي العام ضدهم. يقال الأمر هكذا بإحساس فقط. ولكن لم يتم إنجاز استطلاع رأي، أو استفتاء، حول تفضيل السودانيين العلمانية أم الدولة الدينية حتى نأخذ به كحيثية لازمة لحسم الجدل حول علاقة الدين بالدولة. هكذا يتخلق التخويف في الحقل السياسي، وهكذا يتراجع السياسيون أمام مد الإرهاب الديني. ولكن الفكر لا يعرف الاستجابة للابتزاز، وغايته الوضوح، ولا قيمة لمفكر إن كان يخاف من نشر الحقيقة، أو مجابهة تصوراته بشجب الشعب، واستنكاره، وتعنيفه. فالمفكرون، والسياسيون، الحقيقيون، يمتلكون الشجاعة في قول الحق. تاريخيا، أجبر بعضهم على تجرع السم، وبعضهم ذهب به إلى المقصلة ثابتا، وبعضهم تعرض للنفي، وهلمجرا. ولكن ظلت ممارسة المفكرين لقيمة الحرية في إنتاج الأفكار نبراسا لكل البشرية. إن الابتزاز الإسلاموي لخصومه هو مرجع اليسار في الاختباء وراء مفهوم الدولة المدنية الذي لا يسنده ساق من التنظير المقنع بالصورة التي تم بها ابتساره عربيا، وإسلاميا.

أما الإخوة الإسلاميون في العدل والمساواة فإنهم أيضا احتموا بمفهوم الدولة المدنية في اتساق بائن مع تاريخهم، ولذلك تعايشوا فكريا مع يساريي، وبعثيي، ومستقلي الحركة. ولكن الكرت الإسلاموي ما يزال كامنا في الجيب الخلفي للفاعلين داخل الحركة. وقد جاءت وفاة الترابي لتوضح أن إسلاميي الحركة الذين يطالبون بالعدل والمساواة عجزوا عن رؤية المظالم التاريخية التي ارتكبها شيخهم الذي نعتوه بالمفكر الإسلامي، وهو الذي في عهده انهارت أعمدة العدل والمساواة، وإلى حركيته المتدمرة تعود كل مآسي البلاد. وهذا يعني بالضرورة للحركة أن هذا المفكر الذي أراد جمع السودانيين عبر النظام الخالف، ولم يتخل عن إسلامويته أبدا، لديه من الطاقة الفكرية التي هي أحق بالتبجيل، والاتباع، والتقدير، عبر ذلك البيان الناعي!.

-2-

المشكلة أن الزعماء، والقادة، لا يريدون أن يدفعوا الثمن الباهظ. ثمن المجاهرة بقناعاتهم الشجاعة التي هي ضرورية لإعادة البناء القومي. فالذين يخشون من التصريح بضرورة حكم السودان علمانيا لا يمكن التعويل عليهم لإخراج البلاد من وهدتها. أما الذين يريدون إدخال السودانيين إلى دولة إسلامية جديدة عبر نافذة الدولة المدنية فهم لا يختلفون عن هؤلاء الذين كرسوا دين الإنقاذ، وسياستها. إنهم لا يملكون الجرأة في القول بأنهم يملكون مرجعيات فكرية دينية أفضل من الإسلاميين حتى إذا وصلوا إلى السلطة كشفوا عنها. وللأسف ما يزال هذا الابتزاز الموجه للقوى السياسية يتنامى بماكنيزماته المتعددة، برغم فشل الإسلاميين في أن يكونوا أفضل من سياسيي الأنظمة السابقة التي لم تربط بين الدين والدولة.

ولأن مفهوم الدولة المدنية في سياقه الإسلامي فضفاض، إن لم يكن لولبيا، فقد وجد الإسلاميون أنفسهم فيه مجالا لإعادة التفكير في المشروع الفاشل من أجل ترميمه. إنهم عثروا عليه بغتة، وجعلوه محاولة نظرية  من خلالها يعيدون تجربة ربط الدولة بالدين بصورة جديدة. للأسف هناك عدد كبير من المستنيرين، والمستقلين، وحتى الليبراليين، انساقوا للتنظير المبتسر حول مشروع الدولة المدنية التي يشترك فيها جمهوريون، وأنصار صادق وسنة، وإسلاميون، وشيوعيون، وملاحدة حتى. ولكن لم نعثر إلى الآن على توضيح بين لموقف التشريع، والحقوق الدستورية، في الدولة المدنية المزعومة هذه. ولعلك إن جادلت مع دعاتها من المسلمين فلا بد أنك تتوه في محاولات التهرب من الإفصاح عن وضع الدين، وقوانين الشريعة الإسلامية، وكيفية حفظ حقوق غير المسلمين.

-3-

لقد تقدمت الأحزاب السودانية خطوة إلى الأمام عند توقيعها على مقررات أسمرا بمشاركة الحركة الشعبية. فعبر محور “الدين والسياسة في السودان” جاء في تلك الاتفاقية أن “كل المبادئ والمعايير المعنية بحقوق الإنسان والمضمنة في المواثيق والعهود الإقليمية والدولية لحقوق الإنسان تشكل جزءا لا يتجزأ من دستور السودان وأي قانون أو مرسوم أو قرار أو إجراء مخالف لذلك يعتبر باطلا وغير دستوري” وكذلك هناك نص يقول إنه “لا يجوز لأي حزب سياسي أن يؤسس على أساس ديني”.

أما الآن، أي بعد عقدين فقط من الزمان، عادت الأحزاب التقليدية لمواصلة تخليها عن كل ذلك الاتفاق لتنادي بالدولة المدنية التي هي عين الدولة الدينية. وفي حوار أجراه الأستاذ خالد عويس مؤخرا مع زعيم حزب الأمة الصادق المهدي تنكر لتلك المقررات فقال “لا يمكن إبعاد الدين عن السياسة، وإلا تكون ميكيافلية، لأن السياسة يجب أن تتوفر فيها أبعاد أخلاقية، فهل ستبعد الأخلاق عن السياسة؟. المطلوب، ليس إبعاد الدين عن حقل السياسة، وعن حيّز الدولة، إنما ضبط العلاقة بين الدين والدولة لحماية حقوق المواطنة والتعددية الدينية..”.

إذن ستظل مرجعية الدولة المدنية التي ينادي بها زعيم الأنصار مستندة على الجذور الإسلامية، وذلك يعني أن لا خلاف بينه من ناحية المنطلقات الديينة وهؤلاء الذين يؤسسون للدولة الدينية بكل وضوح. فهو من ناحية لديه منظومة فقهية كاملة لما ينبغي أن تكون عليه الدولة، ووضح كل هذا عبر نهج الصحوة الإسلامية الذي حاز به حزبه على البرلمان، ولعل قناعاته تلك ما تزال ماثلة، ولم يفدنا بعد حول ما إذا كان قد تخلى عنها أم لا. وذات هذا الطرح لن يختلف كثيرا عن طرح الإسلاميين، والاتحاديين، بل يكمل كل طرف قصور الآخر إلى أن يلتقيا عند منظومة من الأفكار الدينية التي لن تستطيع أن تقترب من منطقة العلمانية التي تم إقرارها عبر مقررات أسمرا.

إن جانبا من أزمة السودان تتمثل في غياب الوضوح النظري الملهم، والشجاع لقادته، ومفكريه، ومثقفيه، وكتابه، وإعلاميه. فنحن ما نزال نخشى مواجهة مفهوم الدولة الدينية، وفي ذات الوقت نخشى التصريح بضرورة فصل الدين عن الدولة. هذان الخوفان نتجا عن قوة تأثير الوقوع في دائرة الابتزاز الإسلاموي الذي ظل منذ الستينات يسيطر على النخب التقليدية واليسارية على حد سواء. ولعل الترابي قد نجح في حياته، ومماته، في تخويف الزعامات السياسية من التعبير عن مفهوم مناقض لمفهوم الدولة الدينية التي كان شجاعا، وواضحا، في التنظير له، والتدبير للوصول إلى السلطة لتنفيذه. ولقد واصل تلاميذه هذا التكتيك ونجحوا تماما في تحييد قطاعات واسعة من المثقفين من الجهر بالدعوة إلى العلمانية عند التغيير. وللأسف ما يزال الابتزاز الإسلاموي نحو المثقفين، والمتعلمين، هو الذي يجعل هناك قلة من الكتاب السودانيين المناديين بفصل الدين عن الدولة بلا لجلجة، أو خوف، أو تفكير في المردود.