التغيير: اليوم التالي – الزين عثمان

جلباب مرقع بألوان رايات المهدية وسيف محمول علي يده وصوت يخرج بقوة الصدق (الله أكبر ولله الحمد). كان (وطني) حارس بوابة دار الأمة دون غياب وكان لحضوره طعم مختلف.. واحد من الناس في سيمائه تبدو القيم (الأنصارية) التي وهب من أجلها عمره وحياته. لا أحد يمكنه العبور إلى داخل دار الأمة دون أن يتوقف لوهلة أمام الرجل وهو يطرق بسيفيه ويهتف بعبارته الأثيرة: “وطني” وهي التي منحته الإسم لاحقاً.. ها هي قلعة أخرى تسقط حين ينعى الناعي (وطني)، في رحاب الله. يضع إبراهيم حامد رايته أمام الدار ويسلم الروح تحت إطار سيارة مسرعة.. كان موته في مكان حياته؛ قريباً من النقطة التي اختار أن يهبها كل العمر منذ انتقاله من منطقة (أبوركبة) قريباً من تندلتي قبل ما يزيد عن العشرين عاماً ظلت دار الأمة ومسجد الهجرة بودنوباوي وبيت السيد الصادق هي المناطق التي يتواجد فيها الحبيب وبرحيله أمس فإن البعض قال إن ورقة من أوراق (الراتب) قد سقطت. يبكيه محمد الحسن المهدي (فول) علي طريقته ويصفه “كان لنا ونحن صغار.. شفرة الجين الوراثي.. كان “دي إن إي” الأنصارية.. وحين كبرنا كان لنا الشدر الكبار كلللله لا ينقص منه شيئا.. وحين رحل.. كنا كمن دفن سُرّته.. كان الحبيب.. سُرّة المعتقد.. وكان الحبل السري يمتد إلى هناك.. إلى أرواح الآباء المؤسسين.. كان حبلاً حياً لا نراه.. لكنه باستمرار يُغذينا ويهبنا الحياة.. يهبُنا إياها وهو في طريقه.. سااااائرٌ لا تجتذبه المغانم ولا تنازع مسيره إلى هدفه الأشواك ولا الصخور.. ولا تقدر ما عاند جذره الممتد الي قلب الارض الاّ حين تهب النسائم.. فيعاند الجذر ولا يميل إليها.. فإن هبّت العواصف.. واجهها بلا ميل اتقاء.. وهو نفسه الجذر والساق والفرع حين يغضب.. يسنُّ السيف.. ولا يدمي وحين يفرح.. يضحك ثم سريعًا يستغفر ويمدد يده إلى سيفه وحين يُرهق.. يحمل رأسه علي أقرب ظل.. وينام غير هيّاب.. بل أيّابٌ قرير العين). يغمض أمس وطني إغماضته الأخيرة تاركاً الفراغ في الدار وسالباً من الاستقبال بشاشة الابتسامة التي كان يوزعها الرجل على كل قادم إلى هناك فكل القادمين إما أنصار أو أنصار فالحياة عنده لا يمكن أن تستوي دون حضور الأنصارية. كلهم محض (دراويش) يهمهمون في الحضرة فلا زمن للرجل يمكن يقضيه في تتبع الجذور الفلسفية للقادم (شيوعي أو مؤتمر سوداني ناصري أو حتى عروبي)؛ فالكل هنا أحباب السيد الإمام الصادق وحبيب إمامي هو حبيبي وأكثر.. يقول الأمين العام لحزب المؤتمر السوداني، مستور أحمد محمد، ترى كيف ستكون حال دار الامة دون أن يستقبلك صليل السيف أو ذلك الهاتف المعطون في الصدق؟ هل حقاً سنفتقد تعليقاته على الأحداث أثناء انشغال المكان بحركة التجهيز لمقاومة كان أحد أيقوناتها، يضيف مستور: كانت علاقته ممتدة مع الجميع ممن يزورون الدار، وثمة علاقة خاصة تجمع الرجل بإمام الأنصار تبدو ماثلة في ارتفاع صوته عند حضور الصادق المهدي وهي علاقة مدفوعة بعلاقة الانتماء للأنصارية”. مات وطني أمام دار الأمة وقريباً من قبة الإمام المهدي وتم غسله داخل ذات الدار في غياب المهدي عن البلاد ولم يغب حزنه على الرجل حين كتب”هنالك شخصيات تمارس تصرفات خاصة بها وتعطي مناسبات كياننا نكهة خاصة تدل على عشقهم للكيان وإيمانهم برسالته.. إبراهيم حامد (وطني) أحد هؤلاء كان يسكن معنا في ود نوباوي ثم في دار الأمة. ويصف المهدي الفقيد وآخرين غيره بالقول: “هؤلاء بعض فولكلور الأمة يواصلون تصرفاتهم غير مأمورين وغير مأجورين يدفعهم إيمان عريق متجدد على سنة من قال تبعتك عن عهد قديم عرفته وأعجبني المسعى فبايعت ثانية”. في مسعى وجع الغياب سيمضي كثيرون حين يضعون أقدامهم في بوابة الدار دون أن يجدوا (وطني) في استقبالهم كما هي العادة سيفتقده شباب الأمة الذين وسدوه الثرى أمس ومن ثم سيعودون لإكمال مسيرة الكيان وفقاً للوفاء ونكران الذات والالتزام وقد مثل لها (وطني) نموذجاً يمشي على قدمين لم ترهقهما الأشواك ولم يعطلهما شئ عن متابعة المسير ولن يكون الصحفيون في مأمن عن هذا الأمر فثمة علاقة تسودها المحبة واللطف بينهم والرجل الذي ملجأ فرح يهرب إليه الكثيرون منهم حين تضيق بهم قاعات (طق الحنك) ويشير بعضهم قائلاً “لو أن المعارضة تمتلك مثل هذا الإيمان لصلت صبح الخلاص حاضراً ومنذ زمن.