عبد الله الشيخ
خط الاستواء
هل فشلت الدولة السودانية بعد الاستقلال، حتى نستدعي اطروحة عودة الاستعمار..؟هل الدعوة الى عودة الاستعمار جريئة حد الجنون، أم أنها واقعية، في ظل ادمان النخبة لفشلها، في ادارة وتنمية التنوع السوداني..؟
عودة الاستعمار بشكله الكولينالي القديم، تبدو مستحيلة ، لأن البشرية قفزت بعيداً عن تلك المرحلة، لكن الحنين الى عهد الاستعمار، يعطي اشارات واضحة الى انسداد افق النخبة وفشلها ، باستبدادها المفرط، في إقامة دولة المدنية والقانون الحقوق، فانتكست المشاعر عندما وجد المواطن نفسه مبطوشاً به ، تحت قبضة “حكام وطنيين” كانوأ أشد وأقسى عليه من المستعمرين.
لم تفشل الدولة، لكن النخبة الفاشلة ضربت أجهزتها مثل أي فايروس لعين، فتصدعت اثر ذلك وحدتنا الوطنية واثيرت النزعات الاثنية والدينية..يضاف الى ذلك ، ان التجربة السودانية انحرفت عن مسارها بفعل الاستعمار، الذي حوّل مسار التطور الطبيعي للمجتمع السوداني من القبيلة نحو “الطائفة”، بعد أن مضى بخطوات وئيدة من القبيلة إلى الدولة..بالتالي أورثنا الاستعمار، نُخبة من النوع أبو كديس، و طوائف ــ ختميةً وانصاراً ــ يتقاطر عليهم العامة، دون اعتراف بانتهاء مدة صلاحيتهم..!
ليس بالضرورة، كي نستكمل عملية التطور، أن نلتحق برحلة الحداثة على النمط الأوروبي ،كما أنه ليس مطلوباً منا اختراع العجلة من جديد..الاستعمار أعاق مسارنا ..انظر الى الكميونات الصوفية داخل الخلاوى والمسايد،و التي جسّدت افق التطلع نحو المدنية والاشتراكية، ونسجت على منوال الخصوصية السودانية في التدين..ذلك النموذج العملي لم يزل حياً في مسيد أزرق طيبة ،وفي الزريبة، وفي كدباس،، إلخ..وهو مسار التطور التلقائي، الذي كان من المفترض أن يرفده التعليم المدني ــ أولاد المدارس ــ في اتجاه تصاعدي بلا انفصام.
الدعوة الى عودة الاستعمار، تتخللها شائبة اليأس والاحباط، وعدم الايمان بالقدرات الكامنة في هذا الانسان السوداني الجميل، الذي يحتاج استلام مقوده، لتتفجر فيه طاقات البناء..الدعوة الى عودة الاستعمار تهزم طاقة التحرر في الانسان، وما الاحتفال بعيد الاستقلال، سوى وقفة لتغذية الذات بمضادات الهزيمة..الاشكالية ليست في الخروج المُبكر للاستعمار، بل في عقليات من حكموا بعده..الاشكالية في التنازع والاضطراب، وفي ذات السؤال،عما إذا كان انضمام السودان لدول الكمنولث، سيريحنا من شرور الانقلابات وتنطُّع هؤلاء “المُولّانات”..!
كم من دولة في الكمونولث أصابها ما أصابنا ، وكم من أفكار مجيدة ، تقدم بها عشّاق هذا التُراب ، ولكن فُرِضت النطيحة، و طفت الى السطح “هوج الرياح”..! اذا قلنا أن العقدة الأساسية في هذا السودان، هي غياب الديمقراطية، فإن توطينها، لن يتم، دون تراكم التجربة والصبر عليها.. ولكن كيف يصبر العسكر على الديمقراطية، إذا كان أهلها غير معنيين بذلك، بل وما جدواها إن لم يلمسها الناس في حياتهم، مشروعاً للنهضة يحقق العدالة الإجتماعية، أو حتى يبسط “شريعة السماء” على الجميع..؟ لا أحد يرفض مساواة السودانيين أمام القانون ،إن كان ما “تبدعه” النخبة باسم الدين، هو مساواتهم في الفقر… أحسن حاجة أبدعها “هؤلاء”، إن كان لهم حُسنى ، أنهم ضعضعوا الطائفية.. وأفضل ما فعلوه في انفسهم، أنهم رسوا ببلادنا على شواطئ “المفاصلة”… السؤال الصحيح، ليس مفاضلة حكم الاستعمار بحكم الوطنيين، وإن كانوا “جبهة”..السؤال الصحيح هو: لِم لا ننشد التغيير نحو الافضل ، بدلاً من التخيير بين نظام فاشي، وآخر طائفي، ثالث شمولي.
ومن يدري،، ربما لا يوافق الانجليز على العودة “لاستعمارنا” من جديد، بعد أن تخلوا عن مفاهيم الاكتساح العسكري، وبعد كل ما جرى من تخريب، لبنيتهم التحتية التي شيدوها بعرق كثيف، تحت شمس السودان الحارقة..؟ أكثر من هذا وذاك..هل انجلى الاستعمار من عقولنا، حتى نفتقد غيابه، أونحتفل بجلاءه..؟