الباقر العفيف
السودانيون ينطقون كلمة الإنقاذ “الإنغاز” بطريقتهم التي لا تطيق نطق القاف والذال. فيقولون حكم الإنغاز. فجاءت إسم على مسمى.. وكأني بهم استنبطوها من المصدر اللغوي (نغَز)َ. قد جاء في معاجم اللغة “نغَزَ يَنغَز نَغْزًا، فهو ناغز، والمفعول مَنْغوز”. فقولك “نغَز بين القوم” أي حرّك بينهم العداوات وأغرى بعضَهم ببعض. ويقال عن الجارة السيئة أنها تنغز بين جيرانها٬ أي تثير بينهم الفتن. ويقال أيضا “نغَز الشّخصَ أي اغتابه وقال فيه شرًّا. ونغَزه بسكِّين أي طعنه بها طعنة غير نافذة”.
وكلها من معاني الأفعال التي برعت فيها حكومة “الإنغاز” وحققت فيها قصب السبق٬ ووظفت لها جميع إمكانات الشعب. وضمن تلك الإمكانات الإعلام الضال والمضلل. إقرأوا معي هذا الخبر “الناغز” الذي أوردته جريدة آخر لحظة والتي تستحق بجدارة أن تسمى “آخر كذبة”. يقول الخبر:
أمن الدولة توقف شبكة إجرامية تتخابر مع جهات أجنبية.. السبت, 28 مايو 2016 10:27 الاخبار
الخرطوم: مي علي آدم
تمكنت إدارة مباحث أمن الدولة من توقيف شبكة إجرامية مكونة من (6) أفراد أشارت أصابع الاتهام إلى ضلوعها في التعامل مع منظمات أجنبية مشبوهة وحركات مسلحة بغرض تقويض النظام الدستوري والدعوة للتدخل الأجنبي في البلاد . وقال مصدر موثوق لـ(آخرلحظة) إن الشبكة تدير نشاطها من مقر مركز للمعلومات بالخرطوم. وأشار إلى أن نيابة أمن الدولة تلقت بلاغاً من جهاز الأمن والمخابرات الوطني بموجب عريضة عن وجود مركز للمعلومات بالخرطوم يديره المتهمون وينفذون من خلاله أجندة خارجية بغرض تقويض النظام الدستوري للبلاد، وقال المصدر إن جهاز الأمن نصب كميناً أسفر عن القبض على المتهمين وبحوزتهم عدد (56) أسطوانة (سي.دى) وكمية من المستندات والتي تحمل اسم مركز قومي متخصص في التدريب والمعلومات ومستندات أخرى باسم قرارات الإدارة, بالإضافة لمستندات بنكية ومستندات تخص دولة تعاني من ويلات الحروب إلى جانب ملف يحمل مشروعات شبابية برعاية سفارة دولة أجنبية بالخرطوم ودفتر شيكات من بنك شهير بالخرطوم يحمل اسم منطقة عربية. حيث دونت النيابة بلاغاً في مواجهة أفراد الشبكة تحت المواد (123) و51) ) من القانون الجنائي وتم وضع المتهمين رهن الحبس على ذمة القضية”.. إنتهى الخبر الملغوم..

والآن دعونا نقارن بين هذا الخبر الملغوم والغارق في الغموض٬ وادعاءات العمل المخابراتي الخارق الذي نشرته إحدى جرائد الصحافة “بالغلط” وبين خبر آخر حقيقي أعلنته الصحافة “بالظلط”٬ أي الصحافة الصحيحة
الحقيقية المستقيمة التي لا يكتب أخبارها لابسو النظارات السوداء. يمضي الخبر الآخر كالآتي:
اعتقال ثمانية من العاملين بمركز تراكس
التغيير 23 مايو، 2016
“اعتقلت السلطات نهار الأحد مدير مركز(تراكس) وسبعة من العاملين والمتعاونين مع المركز ولم تطلق سراحهم حتى صباح الاثنين. وأفاد مصدر (التغيير الالكترونية) أن مدير المركز خلف الله العفيف تلقى إخطاراً بالمثول أمام نيابة أمن الدولة فى الحادية عشر من صباح الأحد بعد إنتهاء جلسة محاكمته مباشرة والتى انتهت بقرار من القاضى بتاجيل الجلسة الى مطلع شهر يونيو القادم. وشملت قائمة الاعتقال كلاً من أروى الربيع، مدحت عفيف الدين، الحسن خيرى، الخزينى الهادى، الشاذلى ابراهيم، مصطفى ادم”.
وكانت قوة من جهاز الأمن قد اقتحمت مركز (تراكس) فى مارس الماضى أكثر من مرة واعتقلت عدداً من العاملين فيه وصادرت أجهزة ومعدات. وخضع موظفو المركز لاستجوابات متكررة طوال شهر مارس وتم تعطيل أنشطة المركز. ويعمل مركز (تراكس) فى مجالات التدريب على إستخدام الحاسوب وتأهيل الخريجيين للحصول على شهادة الحاسوب الدولية بجانب مجالات التنمية البشرية وتأسس فى العام 2013.
وكان جهاز الأمن قد أغلق عدداً كبيرا من المنظمات والمراكز خلال الشهور والسنوات الماضية وصادر ممتلكاتها دون تقديم مبررات مكتوبة فى معظم الحالات. ومن المنظمات التي أغلقت مركز الدراسات السودانية، منظمة سودو، بيت الفنون، مركز الخاتم عدلان للاستنارة والتنمية البشرية، مركز سالمة، المرصد السوداني لحقوق الإنسان، واتحاد الكتاب السودانيين”. إنتهى الخبر العديل.
فهل يا ترى هناك علاقة أو قرينة بين الخبرين؟
فالخبر الملغوم يشير إلى “شبكة إجرامية” مكونة من ستة أشخاص والخبر العديل يقول أن ثمانية ناشطين يشملون سبعة من منسوبي( تراكس (أي موظفين ومتعاونين ومتطوعين وثامنهم ضيفهم) أسماؤهم منشورة ومعروفة وعملهم علني يعلن عنه في الصحف ووسائل الإعلام٬ فهل يا ترى هذه هي الشبكة الإجرامية التي يقصدونها؟ يا سبحان الله).
ويقول الخبر الملغوم أن “الشبكة الإجرامية” تدير نشاطها من داخل مركز للمعلومات بالخرطوم ينفذون من خلاله “أجندة خارجية” بغرض “تقويض النظام الدستوري للبلاد”. ويقول الخبر العديل أن المعتقلين ينتمون لمركز إسمه تراكس للتدريب والتنمية البشرية. وأنه يعمل في مجال التدريب٬ وتأهيل العقول وصقل المواهب. والخبر الملغوم يقول أن جهاز الأمن “نصب كمينا” للإيقاع بالشبكة٬ والخبر العديل يقول أن قوة من جهاز الأمن “داهمت” المركز واعتقلت موظفيه وضيوفهم. والخبر الملغوم يضيف “شوية بهار” ليعطي طبخته المسيخة شيئا من نكهة٬ فيتحدث عن أن الضباط الأشاوس وجدوا بحوزة الشبكة ٥٦ من الأسطوانات المدمجة (السي دي)٬ وهي بالطبع ليست مليئة بأغاني الجابري وإنما بأسرار الدولة العليا٬ وخرائط وصور أهداف عسكرية إلخ.. ودفاتر شيكات (معقولة؟ يا خبر!! دفاتر شيكات عدييييل كدة؟). بس قول معاي “يا خسارة “الكمين” الما غنموا فيه أسلحة ومتفجرات وأحزمة ناسفة”. أما نكتة الخبر الملغوم الحقيقية فقوله أن الكمين أسفر عن القبض على “مستندات بنكية ومستندات تخص دولة تعاني من ويلات الحروب”.. حلوة ويلات الحروب دي٬ والمثل السوداني يقول “أَبْ سِنْ يضحك علي اب سِنّيْن”٬ يعني إنتو يا الحلوين ما بتعانوا من ويلات الحروب كلو كلو.. وللا عشان لسة ما وصلتكم في جمهورية العاصمة المثلثة. ولكن أنظر لهذه الألغام المبثوثة في ثنايا هذا السطر: “دفاتر شيكات ومستندات بنكية ومستندات أخرى (تركت هكذا غامضة) تخص دولة تعاني ويلات الحروب”. الحمدلله لقد أوشكت القصة البوليسية على الاكتمال٬ فالبطل موجود والخائن موجود٬ وعنصر المال موجود٬ وجمهورية الموز موجودة٬ والوثائق موجودة٬ وحتى السي ديز موجودة٬اكتمل بناء الأسطورة إلا من موضع لبنة فاتت على المؤلف وهي المسدسات كاتمة الصوت٬ وكنت سأضيف عنصري الخمر والجنس إلا أني تذكرت أننا نعيش في بحبوحة دولة المشروع الحضاري حيث الخمر محرم على العامة والرجرجة والدهماء فقط٬وحيث الحريم يتوارين خلف ستائر قصر السلطان.
ويقول الخبر الملغوم أن النيابة دونت بلاغات ضد أفراد الشبكة الإجرامية تحت المواد ١٢٣ و٥١. أما الخبر العديل فيقول أن النيابة ما تزال تحقق مع المعتقلين ولم توجه لهم أي تهم بعد. ولكن ربما كانت هذه الجملة هي الوحيدة الصحيحة في الخبر الملغوم وأن جهاز الأمن سيفرض على النيابة توجيه هذه التهم٬ مثلما فرض عليها بعث القضية الميتة منذ العام الماضي وتقديمها للمحكمة الأسبوع الماضي. وبكرة حنعرف الحقيقة. ولمن لا يعلم فالمادة ١٢٣ تتحدث عن تزوير المستندات والمادة ٥١ تتحدث عن إثارة الحرب ضد الدولة فكيف يا ترى نسي المؤلف السلاح؟ أم تراهم يقصدون سلاح العقل؟
أما ما لم يذكره الخبر الملغوم فهو أن جهاز الأمن غزا المركز غزوتين. وصادر أجهزته مرتين. مرة في مارس ٢٠١٥ ومرة في فبراير ٢٠١٦. وأنهم وجهوا سبع تهم لمدير المركز خلف الله العفيف العام الماضي ضمنها المادتان المذكورتان وفي النهاية طلعت “أي كلام”٬ وقررت النيابة شطبها. وأعادت الأجهزة لأصحابها. فكيف بُعِثَت هذه القضية الميتة للحياة من جديد؟ إنها أحابيل جهاز الأمن الـ “حقارتو في حيطتو القصيرة المتعلم طلوعها”٬ بينما تعربد إسرائيل (ست الشبكات الجد جد) في أجوائنا ومياهنا الإقليمية٬ وأراضي شرقنا الحبيب.. وتقصف الأهداف بدقة مذهلة٬ ويعود جنودها لقواعدهم سالمين آمنين وكأنهم كانوا في نزهة٬ فهل من حقنا أن نتساءل أين فرساننا الأشاوس؟ أإيقاظ همو أم نيام؟ لماذا لا يتعقبونهم ولا “ينصبون لهم كمينا”٬ ولا يستولون على دفاتر شيكاتهم ومستنداتهم٬ ثم يلقوا بهم في غياهب الزنازين؟ ولكن هذه حال الحكومات الفاشلة الفاسدة التي يديرها “المبخوسون حظا حين قسم الله العقول”؟ حكومات حالها مع شعوبها حال الذي قال:
أسد علي وفي الحروب نعامة ربداء تجفل من صفير الصافر.