عبد الله الشيخ
خط الاستواء
للشاي طقسه المقدس عند البرامكة عشّاق الملاحة والظُرف..البرامكة في ديار الغرب، يشكلون طيفاً قبليا يجمع بين أعضاءه عشق الفرح ، رغم ما أصاب دارفور، من وخزات الحرب والسياسة.
رغم كل الذي حدث، يقيم برامكة السودان مجالسهم هناك..يرتشفون الشاي ويمتدحون القيم النبيلة ،و يذكرون أيام التاريخ ،ويفخرون بالخليفة العباسي هارون الرشيد، ويقولون أن مجلسهم يشابه مجلسه.
هل هناك صلة بين ما كان في مجالس خلفاء بني العباس ، وبين ما يُحكى في قعدات الشاي في غروب السودان..؟
نعم، هناك وشائج اللغة والبداوة وبعض العوايد، غيرَ أن للبيئة أفاعيلها في الخلق.
يحكي البرامكة توليفة الزمن الضائع الذي لن يعود.
البرمكة و اجترار الذكرى..ذكرى برامكة بغداد الذين كانوا وزراءا في دولة بني العباس، قبل أن تجور عليهم الدّنيا ..بعد النكبة تفرّقَ الشمل، وانسرب بعضاً منهم نحو فيافي السودان، حاملاً معه أطياف الوهج القديم.
كلما التأم شمل برامكة الشاي في فُرقان الهبانية والمسيرية وعموم بطون البقارة، تُذكر أحوال العراق، في تناغمها مع أحوال السودان..و “ما مرَّ عامٌ والعراق ليس فيه جوعْ”..! يقول السيّاب،، و “ما مرَّ عامٌ والسودان ليس فيه جوع”..!
مجالس”الأحمر دمّ الغَزال”، تبحث عن دولة ضائِعة يُرمَّزون لها بزيّ البرامكة الموحد..يرتدي الرجال جلابياً بيضاء، والنساء يرتدين الثوب السوداني..مجلسهم يُزيّن عنق الكفتيرة وأكوابها بالقصائد، بعد أن عزّ مدح الحاكم.
يلهجون بالثناء على السمح والزين.
يمدح شاعرهم “مدير المجلس” كأمثولة للرجال الحكماء ذوي الشهامة.
يمدح “الفنجريات”،ويزم “الخنِبّات”، الناشزات عن سماحة الحشمة والحياء.
للبرامكة في مجلسهم قوانين، من يخرج عليها يُحاكم.. إذا لم يلتزم المحكوم عليه بالغرامة التي تُفرض عليه، يُنبذ اجتماعياً.. ينعقد مجلسهم من أجل السمر، و من أجل إصلاح ذات البين، و من أجل الانبساط ، و لمحاكمة المخالفين لقوانين البرمكة.
لا يُقدم في مجلسهم غير الشاي.
لمجلسهم شيخ ،تقابله شيخة، وعمدة، وناظر، وبيه وسيِّد، وسكرتير.
للنساء نصيبهن كما للرجال..نفس المهام وذات المقام..لكل وظيفة دور و سلطات.
للنساء شأنهن الشدو، وليس من شانهن اعداد الشاي. للبرامكة خزينة تُجمع فيها أموال الغرامات والتبرعات و مساهمات الاعضاء..تُسخّر تلك الاموال لمساعدة ذوي الحاجة والمتضررين من نكبات الدهر.
من قوانينهم: يُمنع وضع الكوب على الارض قبل ارتشاف الشاي كاملاً..يُمنع ترك ولو قدر يسير منه في الكوب..يمنع اللهو، أو الدخول و الانصراف من المجلس دون إذن..يُمنع شُرب الخمر وتعاطي التبغ أو التمباك في المجلس..
تُحاكم “الفنجرية” إذا أكلت طعاماً في السوق، ويُحاكم الرّجُل إذا لبس الرجل ملابساً متسخة أو غير لائقة، أو دخل أماكن الشبهات.
يقول برامكة السودان:ــ “الشاهي المَا فوقهَا هبّهان، زي الفريق، الما فوقهَا دُخّان”..هكذا، تبقى العبارة على حيادها، ما لم تدخل عليها تقاطعات المعاني..
الدُّخان خشُم بيوت.. الدخان عند البعض هو الدخان المعروف، الذي يتصاعد من تحت القدور. والدّخان عند البعض،هو “الكيف” بأنواعه، وألوانه، التي من بينها الأحمر والأخضر، و كله ممنوع في مجلس البرامكة، لكن أطراف الفُرقان في دارفور المترامية، تفتح سُوحاً للشفط ،بعيداً عن العيون.. والدخان عند آخرين، هو عبق الليل..هو الكُليت والشّاف..هو حريق سماوات العوين..هو السهر حيث لا ضوضاء ولا قَمر..هو الطّلح ليس إلّا… قال سعد البرمكي في مقاربة الحِكاية :ــ”جيتهم زيارة، لي طلبي ما لمّيتا..قعدتَّ خمس دقايق، حبيبتي أُم شليخات جات..خمس دقايق وخمس ثواني، كَفْ قبضتها..قُلتَ دا طلبي، إتْمنّيتا ولقيتا..قايِلا عروساً جاية لي بيتا”..
فتأمّل ..!
العروس،عند أهلنا البسطاء، ليست سوى كُبّاية شاي..!
تأمّل يا مولاي،كيف أننا شعب طيب ،تقوم فوقه نخبة من اللِئام..!
أنظر، كيف أننا شعبنا عملاق، يتقدّمه أقزام..!