التغيير: فايز الشيخ السليك
ما أن يتم الإفراج عن ابنها الأوسط محمد صلاح من السجن، إلا وعاد اليه فلذة كبدها الأصغر بدر الدين، وما بين ابتسامة أم لاستقبال ابنها البار حتى تعود الأوجاع من جديد بسجنه أو سجن أخيه، لكن قبل ذلك وبعده بقليل أو بكثير تحملها ذات أمواج الاستبداد الى الزنازين، وهذه المرة لا تذهب وحدها ، بل في غالب الأمر تذهب في معية ابنتها الكبرى ولاء.
زينب بدر الدين بين أوجاع الأم التي تتألم لما يتعرض له ابناؤها من قمع مستمر، وما بين المرأة السياسية الصلبة التي اختارت مواقفها منذ أن ارتبطت بسياسي آخر هو زوجها صلاح، الذي شاركها الهم العام، الفكرة، وقاسمها اوجاع الوطن وآلام الوالدين.
زينب بدر الدين روت لـ ” للتغير الإلكترونية” أنهم كأسرة أربابها زينب وصلاح خبرت هذا الدرب منذ أيام حكم الرئيس الأسبق جعفر نميري ، حين دخل صلاح السجن لمدة عام، ومع انقلاب الإنقاذ كانت ذات السيرة منذ عام 1990.
تعودت زينب الناشطة والقيادية في ” الحزب الشيوعي السوداني” على هذه السيرة والمسير في وعر الدروب منافحة، صدرها مفتوح للرصاص لا تشهر سوى هتافا، وعشق وطن. تفعل ذلك من أجل أفكارها ووطنها، فهي نفسها تعرضت للسجن أكثر مرة”. قالت ” بالنسبة لى اعتقلت عدة مرات لفترات قصيرة مع مجموعة من النساء المنتميات لأحزاب سياسية أخرى أو غير منتميات، كانت معظمها إعتقالات تمت خلال وقفات مجموعة ” لا لقهر النساء”، ثم اعتقلت في جمعة الكنداكة”. كانت هي تلك، أو كان قبلها زوجها صلاح، لكن كيف هي عاطفة الأمومة؟ حين يتعرض ابناؤها للاعتقالات؟ . هنا تقول زينب ”
” نعم ان عاطفة الأمومة تطغى على كل المشاعر فى الدنيا ، لكن الأم التي تمتلك خبرة سياسية قد تدير المسألة بصورة مختلفة”.
محمد يعتقل ثم يفرج عنه بعد حفل تعذيب، ثم بدر الدين يتعرض لذات المعاملة، فهل ياترى حاولت زينب منع أبنائها من الخروج في المظاهرات، أو المشاركة في الأحداث السياسية التي تخيف كثيراً من الأسر في سياق مناخات الخوف واللامبالاة، لكن ليست هي ذاك النوع، تروى وتقول ” طبعا ما عندى أي تفكير ولو للحظة فى منعهم ” بل كشفت السيدة زينب أن أبناءها هم الذين يصرون على منعها ” ” فى الفترة الأخيرة هم يمنعونني من الخروج للمظاهرة خاصة لو كانوا مشاركين فيها، وحجتهم إنهم لو حصل شىء ما فى واحد بفكر فى التانى كل واحد بعرف يتصرف لكن لو أنا معاهم حأعطلهم لأنهم حيخافوا يحصل لى حاجة وما بقدروا يخلونى وراهم ”
زينب لا تمنع أبناءها، هي نوع فريد من الأمهات، ونموذج مغاير في واقع يكتنفه الغموض والخوف، وزينب تؤكد أنها تخبر أبناءها عندما تسمع بحدوث أي مظاهرة وتطلب منهم المشاركة في واجب الوطن الذي تتراجع أمام واجبه المشاعر الشخصية والمخاوف، وترى زينب ” ان الواجب يحتم مشاركة الجميع”. وتتساءل” لو كنا نريد التغيير، ونخاف من مشاركة أبنائنا في المظاهرات فمن يشارك لو منعت كل أم ابنها؟”.
لكن وبرغم تلك الجسارة، والصلابة فللأم لحظات ضعف، ومشاعر امومة تطفو فوق السطح كلما سمعت خطباً أو رأت خطرا يحيق بفلذات الأكباد”. أقرت زينب بذلك. وروت كيف سقطت دموعها في عام 2014 حين ذهبت الى جهاز الأمن والمخابرات لزيارة ابنها محمد حين كان معتقلا حينها. كان محمد جالساً فوق كرسي، لا يستطيع المشي فوق رجليه، وكانت احدى عينيه مغمضة، فتساءلت متوجسة عن سبب جلوس محمد فوق الكرسي . وقف الشاب بصعوبة لكي يرسل شارات الطمأنينة للأم، وهو يدرك من هي أمه، قال إنه سوف يسير فوق رجليه وأن عينه اليمنى سوف تفتح وسوف يرى. . كانت لحظة قاسية، أحزان النساء وأوجاع الأمهات، قالت ” تلك كانت أمر لحظة في حياتي، كانت تفوق مرارة يوم وفاة أمي”.
وعن علاقتها بابنتها ولاء صلاح، أول رئيسة لاتحاد طلاب جامعة الخرطوم ، تبدو العلاقة أكبر من علاقة أم بابنتها، بل هي علاقة سياسيات وقياديات في الحركة النسوية والطلابية، سألنا ان كانت ولاء تشارك زينب في اتخاذ قرارات مصيرية مثل قرار ترشيحها لرئاسة الإتحاد، أكدت زينب أن بنتها تفيدها بالأخبار بعد أن تتخذ القرار، مشيرة الى أنه كان قرار تنظيم لا قرار ولاء وحدها أو قرار فرد، لكن وطالما هى وافقت فليس أمام الأم سوى قبول القرار والترحيب به.
كما لهما تجربة مشتركة في الاعتقالات والسجون، وخلال ذلك كان الحوار بينهما مثل ” حوار كل الموجودين فى خندق واحد ، وشعور براحة نفسية لوجودها معها وامام اعينها، مع وجود قلق حين ياخذونها للتحقيق منفردة، تبرر ذلك بأنه ” ديل ناس بلا خلق ولا قيم ولا دين ولا ضمير”.
زينب شاركت في التجمع الشهير داخل مبانئ جهاز الأمن والمخابرات في شهر ابريل الماضي على خلفية اعتقال ابنها بدر الدين وطلاب آخرين وطالبات من جامعة الخرطوم، وظهرت صور فوتغرافية لجلوس الأسر داخل مبنى جهاز الأمن مما اثار كثيراً من التساؤلات حول ما أن كان الجهاز صاحب السجل الدموي، قد غير من طريقته، وصار جهازا حضاريا يتعامل مع الناس وفق القيم الانسانية؟. أوضحت زينب أن عقيد اسمه اسامة محجوب جاء للمتجمهرين الذين اقتحموا المبنى من غير مواعيد، خاطبهم ضابط الأمن وأقسم لهم بالله العظيم بانه سوف يحدد لهم مواعيد لمقابلة فلذات الأكباد، طلب منهم/ن المغادرة والعودة في اليوم التالي، وحين جاء الميعاد، حضرت كل الأسر، إلا أن جهاز الأمن حصن مكاتبه بسيارات محملة بالسلاح، رغم قسم الضابط اسامة بالله وبشرفه، بل استخدم جهاز الأمن الضرب المبرح، في الشارع، وضرب عناصر جهاز الأمن زينب بخرطوش المياه.
ومنذ تلك الحادثة لا يعلمون شيئا عن اوضاع الطلاب المعتقلين رغم مرور أكثر من شهر ، بل رفضوا منح أي أذن للأسر لمقابلة الأبناء والبنات برغم دخول شهر رمضان الكريم. لكن زينب لم تضعف، ولم تلن، بل ظلت توصي بدر الدين ومحمد بالصبر وعدم الاستجابة لاستفزازات جهاز الأمن داخل المعتقلات. لكنها لا يمكن أن تمنعهم من ممارسة السياسة، التي تتم مناقشتها في المنزل مع صينية الطعام، تتوزع مع الأطباق، تختلف الأسرة في تقييم الأوضاع أحياناً، لكن يستمر النقاش سهرة حتى وقت متأخر من الليل، لا سيما بين الوالد صلاح وابنه محمد ، أما.بدر الدين فهو قليل الكلام وحازم فى نقاشه فيما يتسم محمد بكثرة الجدل وطرح التساؤلات والسعي لمعرفة كل جديد، أو نقاش كل كتاب يقرأه عن تفاصيل التاريخ داخل الحزب و الصراعات بين الأحزاب، بل يجادل فيما لم يكتب ولم يقال. تراه زينب مغرما بالتحليلات وبوجع الراس”، أما صلاح فهو صبور جدا ، ومستعد للجلوس ومناقشة محمد حتى الصباح ، وبين ذلك تثق زينب في صحة آراء ولاء، وصواب قراراتها، مع أنها لا تطيل الوقت في الحوار وتركز على القراءة أكثر.
وبدر الدين اليوم بين الأسوار، اعتقل على خلفية أحداث جامعة الخرطوم الأخيرة، بعد أن تم فصله مع 16 طالبا وطالبة آخرين، تم اعتقالهم من مكتب الاستاذ المحامي نبيل أديب وهم يعتزمون تقديم طعون قانونية في قرارات مدير الجامعة الجائرة، وهي قرارات سياسية استهدفت قيادات العمل السياسي الطلابي الديمقراطي، بطريقة واضحة.
خرج بدر من اعتقال قبل ذلك، وعاد الى الجامعة، ولماذا لم تنصحه زينب بعدم التورط في العمل السياسي، استبعدت المرأة الشجاعة ذلك، واعتبرت أن السياسة أمر لا يمكن تفاديه، لكنها كشيوعية ترى أن الاعتقال يعني ” ضعف تأمين”. وسوف تستمر في المقاومة، وتقول ” لن نترك حق الوطن ” وتضيف ” نعم لنا ثأرنا الشخصي مع النظام، أما ثأر الوطن سيظل في رقابنا”.