سيف الدولة حمدنا الله
ما جعل الشارع والقوى السياسية المُعارِضة تلتفت عن المذكرة التي تقدم بها من أطلقوا على أنفسهم وصف الشخصيات القومية، أن (مُعظم) الذين شاركوا فيها قد انتحلوا هذه الصفة،فهم(جبهة قومية) لا شخصيات قومية، وقد كان لهم سهم في حدوث الأزمة التي يبحثون عن حلها، فقد شاركوا النظام في أسوأ فترات حكمه، قبل أن ينسلِخوا عنه، أو ربما، والعليم هو الله، لا يزالون أعضاء فيه من وراء حِجاب، فهذه مِلّة لا يؤمَن لها جانب ولا يُصدّق لها خبر،فقد إعترف الدكتور الترابي نفسه بما يؤكّدهذه الحقيقة في لقائه الذي تُعرض حلقاته هذه الأيام بقناة الجزيرة التلفزيونية،فقد قال(الحلقة السابعة) بأنه وكوادر التنظيم (تظاهَرَوا) بالولاء للنميري في الوقت الذي كانوا يحفرون للإيقاع به وإسقاطه،وأنهم خلال فترة الديمقراطية الأخيرة زرعوا عيوناً وآذاناً من أعضاء التنظيم إخترقوا بهم أجهزة الدولة الحسّاسة مثل الجيش والشرطة ومجلس الوزراء ..الخ.

بخلاف الشكل، هناك نظر في مضمون المذكرة، فالوصفة التي تقترحها هذه الجماعة (تشكيل حكومة تكنوقراط مؤقتة برئاسة البشير يعقبها إجراء إنتخابات عامة وإيقاف الحرب ..الخ) ليست جديدة، فقد سبقهم عليها وبنحوٍ أكثر وضوحاً وشجاعة الدكتور الواثق كمير في يناير 2013 والذي كان قد طرحها في مقال جَرَى تداوله على نطاق واسع بعنوان (الكرة في ملعب الرئيس)، طرح فيه – بخلاف ما فعلته هذه الجماعة – الحيثيات التي تُحتّم على النظام قبول الوصفة التي قدمها كحل لأزمة الحكم، والتي لخصّها في أن إستمرار الوضع الراهن بسيطرة التنظيم على جهاز الدولة وإستمرار الحروب والتدهور الإقتصادي والفساد وتنامي الولاء القبلي والعرقي سوف يؤدي إلى تصاعد العمل المسلح والزحف للسيطرة على المركز، ويرى أن ذلك – إذا حدث – سوف يؤدي إلى إنهيار الدولة وتفككها بالكامل نتيجة لما سيحدث من تصارع بين الفصائل المسلحة والقوى السياسية الأخرى عند سقوط النظام وذلك لعدم وجود توافق سياسي بين تلك الفصائل والقوى السياسية الأخرى،وبما يُفضي إلى حدوث مواجهات دموية فيما بينها، وفيما بين أفراد الشعب بعضهم ضد بعض، كما رأى أن ذلك الوضع سوف يُغري دول الجوار لتضع يدها على أجزاء من البلاد، وهو ما يعني نهاية الدولة وليس نهاية النظام.

الذي جعل الرئيس البشير يستكثِر منح ربع ساعة من وقته لمقابلة هؤلاء الكيزان السابقين ومناقشة ما ورد في مذكرتهم بعد أن أخذت كل هذا الصيت، هي نفسها الأسباب التي جعلته يتجاهل ما ورد في مقترحات الدكتور كمير قبل نحو ثلاثة أعوام، فالرئيس البشير لا يعتقد بأن هناك مشكلة من الأساس حتى يستمع لمن يقدّم له النصيحة لعلاجها، بل أنه يرى عكس ذلك تماماً، فالرئيس يعتقد أن الوطن يعيش أفضل فترات عمره، ولديه قناعة بأن الشعب لم يسبق له أن وقف وراء حكومة بمثلما فعل مع الإنقاذ، وصدّق ما يردده أعوانه من أن الشعوب العربية التي قامت بالثورات في مصر وتونس واليمن، لم تفعل ذلك الاٌ لأنها إستلهمت ذلك من تجربة حكم الإنقاذ، ويرى أن الحرب التي (كانت) تجري في أطراف السودان الثلاث قد إنتهت، وأن الأهالي في تلك المناطق يعيشون في سلام وطمأنينة.

كما أن الرئيس لا يعترف بإستشراء الفساد في جهاز الدولة، ويرى أن كل ما يُشاع عن فساد أهله وأعوانه هو كذب وإفتراء من المعارضة، فحينما سئل – مثلاً – عن الثروة التي هبطت على إخوانه بعد وصوله للسلطة قال أنها فيض من الله على من يصطفيه، ويرى أن فصل الإنقاذ للجنوب يُحسب لها لا عليها، وأن ميزانية هذا العام قد تضمنت توسعة مشروع الجزيرة عشرة أضعاف ما كان عليه في أزهى عصره، وشراء (أسطول) من الطائرات لتُعيد سودانير لسيرتها الأولى، ومثلها من السفن للخطوط البحرية السودانية، فأين المشكلة !!.

أقلّ ما يوصف به أصحاب هذه المبادرات أنهم أشخاص على نيّاتهم، فهم يُعوّلون على إستجابة الرئيس لأن يفُض الذين يقفون حوله ويتخلّص منهم بهذه السهولة، وفات عليهم أنه لا يستطيع أن يستغني عن أعوانه بمثل هذه البساطة، فهو يعلم أن نهايتهم من نهايته، ولا يقدح في صحة هذا القول بأنه إستطاع وفي مرات عديدة الإطاحة بعدد من رموز النظام الأقوياء حوله دون أن يؤثّر ذلك على إستمراريته في الحكم، فقد كان يرتكز في كل مرة على جناح في الإنقاذ حتى يستطيع ضرب الجناح الآخر، ولكنه لا يستطيع أن يضرب كل الأجنحة في دفعة واحدة.

ثم، وهذا هو المُهِم، أن هذه المبادرة – وكذا من سبقتها – ترهن نجاحها على موافقة طرف (الرئيس) وكأن أصحابها حصلوا على موافقة الطرف الآخر (الشعب)، فهذه تسوية مُعتلّة وتقوم على إستجداء الجاني ليصفح عن الضحية وتعطّفه عليه بحقوقه،كما تستند على التغاضي عن الجرائم التي ارتُكبت في حق الوطن والأفراد بحيث يمضي مرتكبوها هكذا دون محاسبة أو عقاب، وأن يحتفظ الذين نهبوا الأموال العامة بحصيلة تلك الجرائم.

من حيث المبدأ، لا أحد يعترض على أي مبادرة لإيجاد حل لتفادي الوطن للمصير المظلم الذي يسير نحوه بخطى سريعة، بيد أن اي حل لا بد أن يأخذ في الإعتبار الجراح التي خلفها هذا النظام في نفوس الشعب طوال ربع قرن، وهي جراح غائرة ولا تزال تنزف بغزارة، فقد إرتكب هذا النظام كل الموبقات في حق الشعب من قتل ودمار وتشريد وإعتقالات وتهجير ومظالم وفساد، وكما قلت في نهاية التعقيب على مقال كمير: ليس صحيحاً أن الكرة في ملعب الرئيس .. الصحيح أن الرئيس يلعب بنا الكرة.

saifuldawlah@hotmail.com