خالد فضل
المتأمل في تاريخ الدولة الاسلامية منذ تأسيسها في القرن السابع الميلادي يلحظ أنّها عجزت في ابتداع وتطوير واستدامة منهج مستقر للإدارة والحكم يضيف ويسهم في ترقية وتطوير حياة المجتمع المسلم الذي تحكمه وتوفر الضمانات لاستقرار حياة غير المسلمين من المواطنين في حدودها الجغرافية , ولا أدلّ على هذا الواقع أكثر من أنّ نماذج تولي الحكم نفسه قد تمّ في معظم إنْ لم يكن كل التاريخ الاسلامي عبر وسائل العنف المسلح عن طريق الازاحة والانقلاب العسكري والثورة المسلحة , فبنو أميّة اسسوا حكمهم بواقع الغلبة العسكرية وخلفاؤهم من العبّاسيين أبادوا حوالي 100ألف انسان كيما يصيروا هم الحكّام حسبما أشارت بعض المصادر التاريخية , ومن ثمّ جاء المغول والأتراك , وحتى حكومات ايران والسودان وسلطة آل سعود وأخيرا حاكم غامبيا , مما يفترض السؤال البدهي حول سهولة فرص استغلال الدين الاسلامي في شؤون الحكم والسياسة بمجرد رفع الشعار فقط , فالأمر فيما يبدو لا يحتاج الى فحص للمحتوي ولا يخضع لمعايير البحث والمنهج العلمي والتحليل الموضوعي . يكفي أن يكون الحجّاج بن يوسف أو عمر البشير يرددان أنّهما ظلال الله على الأرض حتى يشيعان الرعب في النفوس , ومن نقطة الرعب هذه يمارسان أبشع الانتهاكات لحقوق الانسان , ومع ذلك لا يتورعان عن ردّ كل نزواتهما الى طلبهما الحثيث لمغفرة الله ونيل رضوانه دون أدنى اعتبار لدماء وأرواح ضحاياهما وما إذا كان من بين هولاء الضحايا من هو أقرب مقاما لله عزّ وجلّ منهما . ولأنّ الفحص والتقصي العلمي والموضوعي يضع حاكم نيوزيلندا مثلا كأعلى ممثل لقيم الدين الإسلامي في العالم الآن , أو أنْ يكون حاكم إسرائيل أدنى لروح الاسلام وهدى آيات القرآن ونصوص أحاديث النبي محمدا (ص) من كل جماعات المتمشدقين بالآيات والأحاديث , يتلونها دون تدقيق في أحيان كثيرة , بل دون تمييز بين الآية والحديث والمثل الشعبي , (والعارف عزّو مستريح) , هكذا توصلت دراسة الأستاذان الجامعيان المسلمان في جامعة جورج واشنطن حول معايير اسلامية الدول وهي الدراسة التي اجريت قبل بضعة سنوات وتمّ تحديثها العام الفائت .
رمضان كريم , ومع ذلك يأتيك من السودان نبأ مقترح أو حلّ عبقري من وزارة الداخلية فحواه تطبيق عقوبة قطع اليد كحدّ من قانون العقوبات في الشريعة الاسلامية ؛ مقتبس بحذفاره من العهد القديم (التوراة), وليت تطبيق العقوبة الشرعية الاسلامية قد جاءت مطلقة , لا ؛ إمعانا في التأكيد على الإنتقائية , وتأكيدا للموكّد بأنّ حكاية الحكم بما أنزل الله , وشريعة سريعة ولا نموت الاسلام قبل القوت وغيرها من شعارات فارغة وجوفاء ما هي الاّ عدّة شغل للنهب والسلب والتسلط فقد جاء مقترح تطبيق عقوبة قطع اليد على سارقي السيارات في دارفور !! ولأنّ المصطلح القديم الجديد لوصف الثوّار بالمتفلتين , فقد تمّ تعميم استخدام وصف المتفلتين في الخطاب الدعائي عبر وسائط إعلام الحكومة الاسلامية السودانية , وفي خطاب قادتها السياسيين , بل مضى نائب الرئيس حسبو محمد عبدالرحمن الى توجيه الأوامر للعمد والشراتي وغيرهم من القيادات المحلية والقبلية بتدوين أسماء (هولاء المتفلتين ) من أبناء قبائلهم وتسليمها للولاة الأمنجية الذين عيّنهم الحاكم الاسلامي للسودان عمر البشير , ثمّ مضت مقترحات الفئة الاسلامية الباطشة في السودان في اتجاه توطيد بطشها القائم في دارفور ومناطق النزاعات المسلحة تحديدا على الفرز العرقي والنعرة العنصرية مضت ناحية ما يقال عن نزع السلاح من المواطنين وحصره في أيدي القوات النظامية للسلطة المستبدة , فقد جاء ضمن تلك المقترحات حول السلاح الذي تتسلح به القبائل والمجموعات الرعوية المتنقلة أن يتم تخصيص قوات نظامية لحراستها في مساراتها الطويلة بحثا عن الماء والكلأ , أو ترخيص محدد بحمل السلاح للحماية أو , وهنا بيت القصيد , إلحاق مسلحي هذه المجموعات ومنحهم صفة نظامية . هذا الخيار الأخير هو ذريعة الفئة الباطشة لتبرير فعلتها الشنعاء بتحويل القوات المسلحة السودانية الى مليشيات عرقية وقبلية محددة ومعروفة يتولى قيادتها العليا نفر من جهات وأعراق معينة , بينما جندها وأداة قتلها وترويعها تضطلع به تلك الفئات الرعوية العرقية المدججة بالسلاح , كجزء من ثقافتها التي وافقت هوى الفئة الاسلامية المستبدة في السودان , وفي اطار تدابير ممنهجة لإحداث تغيير ديمغرافي لصالح مجموعات عرقية محددة في مناطق النزاعات المسلحة بدارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق , كما أشار الأستاذ ياسر عرمان الأمين العام لحزب الحركة الشعبية في السودان .
في هذه الأوقات التي يتم فيها النظر في قطع أيدي الثوّار في دارفور بعد أنْ يسلم العمد والشراتي القوائم بأسمائهم , وبتهمة الاستيلاء على السيارات , يقف وزير النفط السوداني أمام عضوية حزبه المعينيين في المجلس الوطني (البرلمان المفترض) لينذر سكان السودان بقرب نضوب النفط في الآبار القديمة , وبقرب انتهاء أجل الإتفاق النفطي مع دولة جنوب السودان , ويأتي وزير التجارة لينثر غلالة انذاراته للسودانيين بإنخفاض عائدات الصادر بنسبة 34%عن مثيلتها العام الفائت في هذه الأوقات . وقبلهما , تحدّث وزير الكهرباء عن زيادة سعر كيلواط الكهرباء للمستهلكين لمقابلة ارتفاع تكاليف التشغيل , وقبلا تمّ مضاعفة أسعار الوقود وغاز المنازل , وبلغت أسعار الدواء أرقاما فلكية تبعا لتدني قيمة الجنيه السوداني في مقابل العملات العالمية , وتأتي الكارثة الماحقة عندما يقول مجلس وزراء الحكومة الاسلامية السودانية إنّ سيخ التسليح المستخدم في بناء العمارات السوامق غير مطابق للمواصفات !! إنّه الإنهيار من علّ إذا, ومع ذلك رمضان كريم , ولأنّ البلاد محكومة بالشريعة الاسلامية فكل شئ مباح , فقه الحركة الاسلامية يجيز كل الموبقات باسم الشريعة وبتأصيل كل تدبير بردّه للنبي محمدا (ص) , فالأمر في غاية اليسر والبساطة أتل آية ولو خطأ , وردد حديثا ولو من تأليفك , وعبء حلقومك بالهتاف الداوي , وأحمل ساطورا أو سيخا إنْ كنت طالبا جامعيا , وأضرب وأكسر فكّ , وأقتل (المتفلتين) وهم كُثرُ , تصبح مجاهدا مغفور الخطأ مبرورا في فعل الشين وارتكاب الفظائع , سيرا على هُدى سيرة السلف من لدن الحجّاج وزياد والمغول والتتار والسفّاح , فقصارى ردّ المتلعثمين بالدولة الاسلامية والشريعة الاسلامية لا يتعدى الثرثرة بفضل العمرين (ابن الخطّاب وبن عبد العزيز ) يختزلون تاريخ القمع والدم والسحل تحت حكم الشريعة في نموذج حاكمين كانا شذوذا عن قاعدة ذلك التاريخ إن قبلنا بالمرويات المحسّنة من سيرتهما , مالنا والتاريخ , بل راهن وواقع الحال يكفيان .