خالد فضل
قبل أيام كتب الأستاذ صلاح شعيب مقالا رصينا عن تحرير السوداني من عباءة القداسة , خلاصته يمكن قراءتها ( ضرورة قبول النقد في مختلف ضروب الحياة حتى يستقيم الأمر) , جال بخاطري ما خطّه زميلنا صلاح وأنا أقرأ خبرا مبثوثا مصدره السيد أحمد إمام التهامي رئيس لجنة الأمن والدفاع بالمجلس الوطني (بمثابة البرلمان في السودان) فحوى الخبر أنّ لجنة السيد التهامي بصدد اصدار تشريعات تجرّم أي انتقاد يوجّه للقوات المسلحة في أسافير التواصل الإجتماعي وكتابات الأعمدة الصحفية , ومقالات الرأي . بادئ ذي بدء , هل ابتدرت لجنة البرلمان هذه مشروعات تشريعاتها هذه تلقاء نفسها , أم أنّ القوات المسلحة هي التي طالبت بسن تلك التشريعات ؟ ما هي حدود النقد وحدود الجريمة في مثل هذه التشريعات التي سترى النور قريبا دون شك ؟
معظم الناس لابد يفهمون أنّ القوات المسلحة جهاز من أجهزة الدولة ليست معفية من النقد , كما أنّ القوات المسلحة السودانية ظلت حاضرة في المشهد السياسي السوداني بقوة , ومعروف أنّها ارتبطت طيلة فترة الحكم الوطني (60عاما) حتى الآن بتحولات سياسية كُبرى مما يضعها مباشرة ضمن خانات اللاعبين السياسيين في الساحة السودانية , والحال هكذا ينطبق عليها ما ينطبق على كل القوى السياسية من نقد وتقويم وتقييم , وليس في ذلك أي شبهة جريمة , فهذه من الجهات التي يجب تحرير السوداني من قداستها الزائفة . فأول إنقلاب عسكري في العام 1958م نفّذه الجيش السوداني وتحت رايته تم تعطيل الدستور وحلّ الأحزاب السياسية وتعطيل النشاط المدني وفرض الأحكام العرفية وإبطال شرعية حقّ الشعب في انتخاب ومراقبة ومحاسبة وعزل قياداته السياسية , هذا تحول خطير وبداية مريرة لسطوة وسيطرة الديكتاتورية ليست على مقاليد الحكم فحسب بل على عقول ومفاهيم كثيرين من الشعب السوداني حتى تحول الأفراد الآن الى أساطير , ففي ولاية الجزيرة لا بديل لإيلا , وفي رئاسة نادي المريخ بديل جمال الوالي هو جمال الوالي , وفي رئاسة الجمهورية الضامن الوحيد للإستقرار هو عمر البشير , بل حتى إمامة المصلين في مسجد السيّدة سنهوري بالمنشية صارت في صلاة التراويح حصرية على شيخ الزين , ورمضان كريم !! ثم جاء الجيش مرّة أخرى منحازا للمظاهرات والعصيان المدني في أكتوبر 1964م , وفرض الضباط الوطنيون إرادتهم على رئاستهم حتى تنحى عبود , وفي مايو1969م جاء الضباط مرّة أخرى لقيادة الثورة المايوية الظافرة , التي ابتدأت بت بلد إشتراكية وانتهت بين يدي التنظيم الدولي للأخوان المسلمين غريبة الوجه واليد واللسان , أدبياتها التكفير والردّة , وممارستها قطع الأيدي والأرجل من خلاف . ثمّ أنحاز الجيش مرّة أخرى للشعب ومطالب إسقاط النظام فكانت أبريل 1985م , وجاء مجلس كبار الضباط مستوليا على سلطة السيادة والتشريع , فتلكأ في إزالة صنم تنظيم الإخوان المسمى بالشريعة , ومهدّ الأجواء لبزوغ الجبهة القومية الاسلامية , وتحت ذرائع إسلامية التوجه كانت المؤامرة يتم نسجها خيطا خيطا منذ عهد الفترة الانتقالية , حتى جاءت عناصر الجبهة من المدنيين , مهندسين وأطباء وطلبة جامعات وغيرهم في لباس عسكري فأغتالوا الديمقراطية بقيادة بعض ضباط الجيش بقيادة العميد وقتها عمر حسن أحمد البشير , وتحت مسمى الجيش وانحيازه للشعب كما غنى كمال ترباس جرى ما جرى من وقائع النكبة الوطنية العظمى التي ترزح تحتها بلادنا وشعبنا وتنسدّ الدروب وتنبهم الرؤى وتتفرق كلمة السودانيين وتندق بين جموعهم عطور منشم , هذه الأفعال تمت باسم القوات المسلحة رضيت بهذا أم لم ترض . وقد عبّر فريق من الجيش عن عدم رضائه بالفعل فقام نفر من الضباط بمحاولة انقلابية مضادة لهيمنة الجبهة الاسلامية فكان مصير 28ضابط الإعدام عشية عيد الفطر في ذاك العام من أوائل التسعينات .ثمّ ما كان من تصفية أفضل ضباط الجيش وإحالتهم للصالح العام بالآلاف , فهل هذه أمور فنيّة أم توجهات سياسية ؟ وهل إعفاء الملازم عبدالرحمن الصادق المهدي واحالته للمعاش وهو في بداية سلّم الضباط كان من شؤون الأمن القومي العليا , والآن عندما أعيد في رتبة العقيد , هل اتضحت الحاجة للعقداء في الجيش والأمن لذلك تمت إعادته مترقيا في القصر الجمهوري ؟ هذه هي أحوال الجيش الذي يريد حراسته السيد التهامي بالتشريعات !!
هذه كلها وقائع وليست تخرصات أو جرائم نشر ارتكبها المدونون أو اختلقها الكٌتّاب في الفيس بوك والتويتر والواتساب أو عبر الصحافة الالكترونية , فالناس لا يسخرون من أفراد القوات المسلحة ولا من الجنود والعساكر الذين يرتدون الزي العسكري فهم أفراد من ضمن جموع الشعب يكافحون ويعانون مع أهلهم سؤ الحال وكآبة المنظر , بل حتى مجموعات من الضباط يكابدون ويتحسرون ويتألمون لما آلت إليه الحال , فالناس تسخر وتنتقد الوضع الذي صارت إليه القوات المسلحة من فقدان الهيبة لدرجة تداول صور جلد ضابط من ضباطها بالسياط في محطة السكة الحديد بمدينة الضعين بوساطة مليشيات قبلية تفرض سيطرتها على المنطقة , هذه هي الحال التي تجلب السخرية وتستلزم النقد ؛ أنْ تصير الرتب العسكرية تخضع لمساومات وصفقات مع مرتزقة الحروب القبلية ومعتادي السلب والنهب في إقليم دارفور مثلا , فمن أحرق القرى في دارفور ممن أثبتته تحقيقات لجنة التحقيق السودانية وليست لجنة التحقيق الدولية ؟ هل هم أفراد وجنود القوات المسلحة السودانية ؟ أم مليشيات قبلية معروفة وقادتها يتم تكريمهم بالرتب في القوات المسلحة السودانية التي يريد السيد التهامي تقديسها وتنزيهها وفرض هيبتها بالقوة والتشريعات والملاحقات القضائية ! ما هو موقع قوات الجنجويد , حرس الحدود , الدعم السريع من القوات المسلحة السودانية الجديرة بالإحترام؟ وهل هي تشكيلات ووحدات قومية تضم العبّادي والشايقي والمسيري والرزيقي والمسلاتي والبجاوي والشنبلي والهمجاوي والوطواطي والفلاتي والدويحي والرباطابي والنوباوي ووو غيرهم من تعدديات السودان وقبائله واثنياته وأديانه وثقافاته المعروفة ؟ أم ما أمرها . كم من تعدديات السودان تضمها صفوف القيادات والضباط في القوات المسلحة السودانية , وفي إحدى المرّات بلغ الحد بالهمس أنّ الدفعة كذا( نضيفة ), فما هو معيار النضافة غير الانحياز العنصري البغيض .
الناس لا تسخر من القوات المسلحة , رغم مواطن السخرية العديدة ولكنها تأسى لما حاق بها من تدمير ضمن مؤسسات الوطن الكبرى , فلم يتورع وزيرها ذات غارة إسرائيلية من الإعتذار بأنّ الطائرات المغيرة (جات طافية أنوارها والدنيا ليل ) , ولم يتورع والي الخرطوم السابق عبدالرحمن الخضر من التصريح السريع بقصة ماكينة اللحام التي دمّر شرارها مصنع اليرموك للأسلحة في طرف حي جبرة السكني جنوب الخرطوم هذه وقائع تثير الأسى والحسرة على حال القوات المسلحة , وهي كما أسلفنا تلعب الدور السياسي الأكبر صحّا أو باسمها , والدور السياسي في السودان مع الأسف هو الذي قزّم البلاد كلها أرضا وشعبا ومواردا وجعل الثروات حيازة ضيقة في أيدي فئة قليلة من الفاسدين , وعادت بلادنا من تاريخ ميلاد الاستقلال حيث العاصمة نظيفة تغسل شوارعها بالديتول والكهرباء والماء 24ساعة قبل ستين سنة من الآن عادت الى حيازة معتز موسى وأضرابه فتعلن الوزارة الكهربائية وشركاتها عن برمجة القطوعات في العاصمة دون خجل أو شعور بالمسؤولية عن الإخفاق , وبرضو الرد كبري وسد ! والسيد التهامي في لجنته يريد لجم المنتقدين وسجن المشفقين على حال البلد تحت ذريعة بائسة ولافتة مهترئة اسمها هيبة القوات المسلحة , والله غالب .