بروفيسور أحمد مصطفى الحسين
(وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَـٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ).
أوردت صحيفة الراكوبة بتاريخ 8/6/ 2016 حديثا للسياسى الانقاذى أمي حسن عمر الرجل الذى لم يحدث ان فتح فمه الا ونطق بالكريه من القول. فقد أوردت الصحيفة أنه صرح بأن “المجتمع الآن أكثر تديناً حيث كان الناس في السبعينيات والستينيات يقفون للعاهرات بالصفوف والخمور متاحة في بيوت الأعراس، وطالبات جامعة الخرطوم كن حاسرات الرؤوس ويرتدين ملابس فاضحة، بينما لا تجرؤ طالبة الآن على ارتداء الميني جوب حتى وإن كانت ملحدة”، وذهب إلى أن الالتزام بالشعائر وسط اليساريين ضعيف”. وبصرف النظر عن الوقاحة وعدم الحياء وغياب اللياقة التى تميزت بها تلك العبارات، وهى ليست غريبة على معظم سياسى الإنقاذ، فإنها توضح بجلاء جهل هؤلاء القوم ليس فقط بالدين وحسب وانما بمعنى التدين فيه. إن هذا الفهم القاصر لمعنى التدين الذى ظهر فى عبارات د. أمين حسن عمر لم يدهشنى إطلاقا لأننى كنت أعرف دائما أن الأخوان المسلمين، بل وغالبية من يدعون الى الدين ويدعون التدين، لا يعرفون من التدين الا المظاهر الشكلانية من أداء شعائره والرياء فيها. فتراهم يؤدون الصلاة فى المساجد زرافات ووحدانا وهم غافلون فى صلاتهم عن صلاتهم فلا تظهر بركات الصلاة هذه فى معاملتهم انفسهم ولا معاملة الاخرين وهم يقرأون على الناس ليل نهار أحاديث النبى عليه الصلاة والسلام “الدين المعاملة” “وما بعثت الا لاتمم مكارم الاخلاق”. ولعل هذا الفهم المغلوط للدين والتدين هو السبب فى كل كوارث السودان الحالية، وذلك لأن النخبة المتأسلمة ، ما تتميز به من تدين شكلانى، اشبعت الناس هتافا كاذبا من فصيلة “هى لله …هى لله لا للدنيا ولا للجاه” وقادت البلد بسياسات هوجاء أدت لانهيار نسيج المجتمع داخليا وخراب علاقاته خارجيا، وانهيار الاقتصاد والفساد بكل أنواعه. ولكن كل هذا ليس مهم عند د. أمين ما دام استطاعت حكومته أن تفرض حجاب النساء وصار الناس يتزاحمون على الصلاة فى المساجد، والكذب والتدليس والغش فى كل مكان اخر. وهذا هو الأساس الذى قامت عليه فكرة “الاسلام السياسي” الذى يعتبر الاخوان المسلمين من رواده فى العصر الحالى.
ومن مظاهر ذلك التدين الشكلى أنك تجد أصحابه يبالغون فى الرياء فى صلاتهم واعمالهم فيتعمدون ابراز تقواهم المزيفة بإفتعال ثفناة الصلاة على جباه مظلمة لا أثر فيها لأنوار الوضؤ ووبركات الصلاة. بل ان هذا الرياء هو فى الحقيقة تكذيب بالدين وبظهر جليا فى سلوك الناس وفى معاملتهم لبعضهم كما توضح هذا الاية الكريمة بجلاء. (أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ *فَذَٰلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ * فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ). يقول الاستاذ محمود محمد طه “المتدين الحقيقى هو شخص مهموم بتغير ذاته، بينما المهوس دينيا هو شخص مشغول بتغير الاخرين”. فالشخص المتدين تكون “نفسه فى تعب منه ويكون الاخرين منه فى راحة”، ولكن الاخوان المسلمين ولكلفهم بتك الشكلانية مشغلون بالاخرين غافلين عن حال انفسهم، فأنفسهم فى راحة ودلال والاخرين فى تعب منهم، ويرون نجاحهم فى دينهم فى اجبار الناس بالتزام واجبات الدين ولو كان ذلك الالتزام يتم بنفس الصورة الشكلانية المظهرية التى يتفاخر بها الدكتور أمين زاعما أن “المجتمع الآن أكثر تدينا”.
والواقع أن المجتمع الان، وخاصة مجتمع الاخوان المسلمين والمتأسلمين، أبعد ما يكون عن الدين والتدين. وكيف يكون المجتمع أكثر تدينا ونحن نرى الفساد، بكل أنواعه وصوره، قد تفشى فى نخبه الحاكمة بصورة لا يستطيع أن يدافع عنها د. أمين نفسه وهو يمثل جزأ فاعلا فى تلك النخبة المتأسلمة. الشخص المتدين يراقب الله فى متقلبه ومثواه دون تكلف ودون رياء، (وقد ورد عن أكرم الخلق أنه قال “والله انى لا اخاف ان تعودى بعدى كفارا ولكنى اخاف عليكم الرياء فى العبادة”)، بل انه يجود عمله فى عبادته وفى معاملته ويكون بعد كل ذلك مستشعرا خوفا شديدا لانه لا يأمن المكر الالهى وتلوث عمله بهوى نفسه. ثم انك تجد سلوكه تجسيدا لاخلاق الدين من حيث الزهد والبعد عن الشبهات وحب الخبر للناس وتوصيله لهم. فماذ وجدنا نحن من تدين د. أمين غير الجوع والمسغبة، وليس مع الجوع والفقر دين ولهذا قال الإمام على بن ابى طالب كرم الله وجه “لو كان الفقر رجلا لقتلته”، وقال شيخنا العبيد ود بدر “ما فى دين بلا عجين”، وقال الماعندو محبة ما عندو الحبة”، يعنى من لا يجد فى قلبه محبة لخلق الله فليس له من التدين شئ. فأين عجينكم يا دكتور أمين الذى وفرتوه للشعب حتى يتدين ويتشبع بقيم الدين. انكم ليس فقط لم تفروا له عجينا ولكنكم خطفتك حتى عجينه وعشتم به موتى من التخمة وصار هو جائعا يبحث اطفاله عن فضلات موائدكم فى الزبالة.
هذا من ناحية ما توحيه عبارة د. أمين المتهالكة عن فهمه لمعنى ومحتوى االتدين، اما من ناحية عدم اللباقة وعدم الحياء، فهى أكثر استفزازا ولم أن أكن أتوقع من رجل سياسى، ينسب نفسه للاسلام ويتحدث باسمه، أن يتفوه بمثل هذه العبارات المتسفلة حتى يثبت أن قبيله نجح فى تحويل المجتمع السودانى من مجتمع متفسخ الى مجتمع متدين. وقد ساقه هذا الغرور أن يزعم أن ” الناس في السبعينيات والستينيات يقفون للعاهرات بالصفوف والخمور متاحة في بيوت الأعراس”. الناس كده على بلاطة ودون فرز … عجبى…!! وما رأيه فى هذه الواقعة التى حدثت فى فترة حكمهم الميمون والتى رواها الدكتور عمر القراى فى مقال منشور له فى الصحف الإليكترونية نقلا عن صجيفة حريات ” (أعفى المشير عمر البشير إمام مسجد أدين في جريمة إغتصاب طالبة وحكم عليه بالسجن “10” أعوام . واصدر أمراً رئاسياً بإعفاء المجرم عن العقوبة بموجب القرار الجمهورى رقم 206/2013. وكانت محكمة جنايات الدويم حكمت العام الماضي على / نور الهادى عباس نور الهادي بالسجن “10” سنوات والجلد 100 جلدة وذلك لإغتصابه الطالبة “ر.ح” . وتعود حيثيات القضية إلى أن المجني عليها حضرت اليه باعتباره “شيخا” لمساعدتها في النجاح بالإمتحانات، وذلك بـ “العزيمة” على قلمها فقام بتخديرها ومن ثم إغتصابها. وتم القبض على المتهم ورفعت الأوراق إلى المحكمة التى استمعت إلى المجني عليها التى أفادت بأن المتهم قام بتخديرها ثم إغتصبها، واثبتت البينات اتيانه الفعل المذكور بما في ذلك فحص الحامض النووى DNA ، وحكمت عليه المحكمة بالسجن والجلد وإستنفذ كافة مراحل التقاضي وقد أيدت المحكمة العليا الحكم)(حريات 29/8/2013م).
أما قوله التالى وبصرف النظر عن تهافته وما تضمنه من تعميم، مع إتساقه مع فهمه الشكلانى للتدين، فهو حديث كذوب. يقول الدكتور ” وطالبات جامعة الخرطوم كن حاسرات الرؤوس ويرتدين ملابس فاضحة، بينما لا تجرؤ طالبة الآن على ارتداء الميني جوب حتى وإن كانت ملحدة”. فالدكتور يتحدث عن فترة السبعينات والثمانينات، قبل مجئ الإنقاذ، التى كنت فيها أنا وكان فيها هو أحد طلاب تلك الجامعة، وكانت الغالبية العظمى من الطالبات فى ذلك الوقت يرتدين الثوب السودانى الجميل الذى لا ينحسر معه رأس والذى لا يجدن له الان سبيلا من ضيق ذات اليد والعوز. ولم يجد الدكتور دليلا على تدين طالبات جامعة الخرطوم الان غير التزامهم الحجاب ولكنه لم يسأل نفسه عن التغير السلوكى الذى حدث لهن بعد ارتدائه. وإذا إفترضنا صحة زعمه الذى ذهب إليه فيما يتعلق بالزى الذى كانت ترتديه طالبات جامعة الخرطوم فهل مجرد ربط الرأس “بوقاية” تسمونها الحجاب قد حول مجتمع طالبات الجامعة من مجتمع منفسخ الى مجتمع متدين؟ كيف لا ….. فحتى الطالبة الملحدة لا تجرؤ الآن “على ارتداء الميني جوب “، فرغم بقائها على إالحادها فإنها -أى الطالبة- فى منطق الدكتور دليل على النقلة التى أحدثها نظامه بتحويل المجتمع السودانى من مجتمع متفسخ الى مجتمع متدين. وأضحكنى قوله متحسرا لأن هدف التدين لم يكتمل عنده تماما لأن “الالتزام بالشعائر وسط اليساريين ضعيف”، فلو التزم اليساريون بالشعائر تقية وظلوا على يساريتهم فانهم من المؤكد سيضيفون مددا جديدا لتدين المجتمع السودانى الجائع المشرد والمهان. عجبى ……………..!!!!!!!