عبد الله الشيخ
قدم الشيوعيون تضحيات كبيرة من أجل هذا البلد، أو كما قال الزعيم عبد الخالق، قدموا “الوعي”. شكَّلَ اليسار عموماً، عنصر تغذية فكري دائم لأجيالنا منذ عصر حركات التحرر وحتى الآن..في الآونة الاخيرة، كثر الحديث عن غواشٍ تعصف بالحزب..صراعات ، اختراقات ، خلافات في الرؤى.
كل هذا ينتظر أن يُحسم في مؤتمر الحزب السادس. ما يهمنا في الأمر أن يبقى هذا الحزب فاعلاً ، وفي مقدمة الداعين الى العدالة الاجتماعية. الانتساب الى اليسار شرف لا ندّعيه ، فهو تيار ضخم يلتقي بكل الوطنيين في قارعة الطريق. هذا الحزب بتاريخه ومواقفه ليس ملكاً للشيوعيين وحدهم ، بل هو ملكية عامة للشعب السوداني.
الحزب الشيوعي السوداني مشهور بالانقسامات..انقسام عوض عبد الرازق 1953، انقسلم 1970 بسبب الموقف من حكم نميري، ثم خروج الخاتم عدلان في بداية تسعينيات القرن الماضي..الحزب يمر بموقف صعب ، لكنّه عاش أزمات أعقد من هذه، وخرج منها كالسمندل.
العالم يتغير، والحزب أيضاً سيتغير، بحكم أن الثابت الوحيد في هذه الدنيا هو التطوُّر..لكن من يقود التغيير..؟
هل الجيل الجديد في مواجهة مع الحرس القديم..؟
هل هو صراع أجيال، أم هي مرارات شخصية، أم هي تيارات تسعى لهدف فشلت فيه كل الدكتاتوريات، أم هي أزمة فكرية..؟
الحزب بتجربته الطويلة ، هو أفضل “مؤسسة” تجيب عن هذه الاسئلة ، فهو غني بعضويته و بجماهيره وأصدقائه..هذه الدوائر ، حفظته من التصفية في أكثر من منعطف.
لا خوف على الحزب مما يدور داخله من جدال، فهذا التنازع مما اعتاد عليه الناس كلما لاح مؤتمر من مؤتمرات الحزب.
التحدي هو أن يخرج الحزب من مؤتمره السادس أقوى وأمتن. لقد خرج قوياً عندما انقسم من لجنته المركزية ثلاثة عشر عضواً ..عندما تمت تصفية قياداته التاريخية في 1971.
رغم حالة التشظي، ورغم تكالب اليمين وأكاذيبه، إلا أن الحزب ما زال يقدم الغالي والنفيس، ولا يكاد يخلو معتقل من معتقلات النظام، من منتسبيه أو مسانديه.
النظام لا يناصب أحداً العداء ، بقدر ما يناصب الشيوعيين، وكأن لسان حاله يقول، أنه لا يخشى سواهم..!
صلابة الحزب الشيوعي، هي بعض حظ الجماهير في مستقبل أفضل..الواقع يستدعي الحزب أكثر من أي وقت مضى..التحدي هو أن يكون الحزب جماهيرياً..أن تكون أرضه قابلة لإنبات الجديد المتنامي.
الحزب كغيره من الأحزاب العقائدية ، يتباطأ داخله التجديد لصعوبات عملية، منها طول ليل الشمولية ،، منها أن الأُطر والضوابط التنظيمية، تأخذ وضعية القضبان، التي لا مناص من سير القاطرة عليها.. الضوابط في ظل انحسار الفكر، قد تتحول إلى “عقيدة”، لسد الفراغ..الركون إلى المقولات الكلاسيكية الجاهزة يعيق الحراك الجماهيري، لأن جريان الأحداث يتطلب التصدي للمتغيرات بنظرةٍ هي بنت حينها ..النسخة الصينية من الماركسية كانت أكثر ذرائعيةً و مرونة عندما ابتدعت سوقاً اشتراكياً في مواجهه السوق الرأسمالي، وعندما حققت معدلات نمو ضخمة، رغم قبضة نظام الحزب..النسخة السودانية التي ابتدعها الزعيم عبد الخالق، جعلت من تجربة الحزب الاشتراكية ، تنويراً يتناغم بوضوح مع القيم السودانية الاصيلة.. الشيوعيبين قدموا الكثير..الدكتاتوريات والانقسامات والتخوين وتدخلات الايادي الخارجية، عمدت الى تشتيت جهودههم وتبديد كسبهم..من المنتظر أن يناقش مؤتمر الحزب ملفات ضخمة.. يُنتظر من المؤتمر ان يستخلص العبر من همومه التنظيمية ، وأن يراجع موجهاته الفكرية ويقدِّم برنامجاً واقعياً لمقارعة الهوس الديني والتخلف الفكري، وأن يصدر عنه برنامج علمي، لبناء القاعدة الانتاجية في الريف والحضر.
السودانيون هم أصحاب المصلحة في لملمة الرفاق لجراحاتهم.
لقد أثرى
الحزب الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية والفنية، كما ألهمت كوادره، بنقائها ونظافة يدها، وانحيازها للبسطاء، ألهمت الكثيرين، وشكلت وجدانهم ،حتى وإن اختلفوا معهم.
هذه الخصال مضافا إليها شجاعتهم في المواجهة والتصدي، ثم الثَّبات أيام أحداث يوليو ، كانت ولا تزال مما يطرب السودانيين.
سيبقى الحزب، تحت أي مُسمّى..قد يعيش انقساماً، يتولّد منه حزباً اشتراكياً على النسق الاوربي، لكنه سيبقى ما بقي الشعب السوداني.