عيسى إبراهيم *

* تنتشر النكتة وتزدهر في أرضية الأنظمة الكابتة والمتسلطة لتكون متنفساً للمكبوتين من قهر تلك الأنظمة وتعبِّر عن الممنوع من البوح به، كما تعبر عن رأي المكبوتين في كابتيهم، وتعتبر سلاحاً للانتقام من المتسلطين والباطشين، هذا على مستوى العموم، وعلى مستوى الخصوص هناك شعوب بطبعها تميل إلى المرح والدعابة وتصنع النكتة بعفوية وتلقائية!..

* الشعب المصري مثال حي معبِّر عن حالة العموم، كما يتمتع بحالة الخصوص المذكورة، في عهد نميري تسامع المصريون عن “نكات” معبرة أطلقها الشعب السوداني آنذاك، وكان تعليق أحبابنا في أرض مصر “المؤمنة” تعبيراً عن حالة السودانيين المستحدثة في مجال التنكيت والتبكيت: “لازم قاعو (جاعو) ولاد الـ…!”..

* حينما حلت الانقاذ على “يافوخ” الشعب السوداني قبل ربع قرن ويزيد، أُطلقت نكات “مصنوعة” تهيئ الشعب لانتظار حكم “ما حَ يزول بي أخوي وأخوك”، إذ ربما صنعها أمن “الكيزان” للبقاء والاستمرارية وتيئيس الشعب من الخلاص، فيستكينون إليهم ويستسلمون لهم خاصة وعامل الدين حاضر بقوة في المشهد السياسي الانقاذي، جاءت النكتة لتقول: أن أحدهم سأل وداعية عن مدة دوام نظام 30 يونيو، فكشكشت الوداعية وألقت بودعاتها على الأرض وقالت: والله في ستة وفي واحد لاكين ما عارفه الواحد بي جاي للستة (16 في إشارة لعهد مايو الذي استمر لتلك الأعوام) ولَّلا بي غادي ليها (61)!!، و(الشارحون يمتنعون)!..

* عبَّر الشعب بعد أن أمضى فترة تحت حكم الانقاذ وشهد حالهم وسمع مقالهم واكتوى بنارهم عن رأيه فيهم فقال: “والله الناس ديل دخَّلو الناس الجوامع ودخلو هم السوق!”، وكان تعبيراً مبكراً عن ما انتهى إليه حال المتنفذين منهم أخيراً بعد انكشاف حالهم، تعبير آخر في طرفة معبرة قال أحدهم: “الجماعة ديل والله الدين دا دققو بيهو!”، وهو تعبير عن استعمال الدين كوسيلة وليس غاية، والمعلوم في الشمالية (الشايقية تحديداً) أن البعض يطلُق “حمارك من مراحه دون استئذانك ليحمل عليه عيشه (قمحاً ومريقاً) إلى الطاحونة لطحنه وعندما يقضي حاجته يطلق الحمار (الذي يعرف بالطبع مراحه) دون عناء ارجاعه إلى مكانه!..

* في عهد الانقاذ وبسبب من الكساد الاقتصادي وتحول الاقتصاد من اقتصاد انتاجي إلى اقتصاد ريعي انحطت حال الناس واتجهوا للحيلة، فمنهم من استعان بالدجاج النافق في كسب رزقه، ومنهم من ذبح الكلاب لعمل الأقاشي، ومنهم من ذبح الحمير!، بالنسبة للحمير وذبحها وأكل لحومها و”كمونيتها”، جعلت الناس ينصرفون لفترة عن التعاطي مع اللحمة، قال أحدهم مدافعاً و”مثمناً” أكل لحم الحمير:
– الواحد ما يضوق لحمة الحمير ويقعد ينظِّر ساهي!
– تقصد شنو يعني؟!
– أقصدك انت بالذات ضُقت لحم الحمير؟
– (بامتعاض ويكاد يقذف ما بداخله) لا ما ضقتها!
– ياخي لحم الحمير دا عندو فوائد لا تُحصى ولا تُعد!
– كيف يعني!
– والله لمن تاكل لحم الحمير، الانقاذ دي ذاتا تهضما!!

* آخر نكات الشعب السوداني عن الانقاذ ومتداولة عبر “الواتسابات” تقول أن الرئيس دخل غرفة في القصر الجمهوري الجديد بها ساعات كثيرة وتختلف في سرعاتها فسأل المسؤول عن الغرفة:
– دي غرفة شنو؟
– دي غرفة بتوضح كذب المسؤولين في العهود السياسية المختلفة عن طريق حركة الساعة بطأً وسرعةً، فكلما زادت السرعة دل ذلك على مدى تمادي المسؤول في الكذب!
– مثلاً!
– مثلاً الساعة المتوقفة دي بتعبر عن الأزهري ما كان بيكضب، والبطيئة دي بتعبِّر عن عبود، كان كضبو شوية، والسريعة دي بتعبِّر عن نميري!
– طيِّب وأنا ساعتي وينها؟
– والله ساعتك شالها الغفير وعملها مروحة في بيتهم!!..

* من النكات التي ظهرت في عهد الانقاذ وعبرت عن الولوغ في أكل المال العام بشراهة وبلا ورع، سؤال أحدهم لآخر: – عمارتك دي بنيتها كيف؟
– شايف الكبري داك؟
– آ أي شايفو!
– أها طن اسمنت هناك وطن هنا، سيخه هناك وسيخه هنا!
ثم تتطور النكتة لتصبح:
– شايف الكبري داك؟!
– لا ما شايفو!
– ما كلو هنا!!
نكتة أخرى تحكي عن ثراء الأفراد الباذخ، توقفت احدى العربات الفخيمة (خمسة نجوم) لتحمل أحد الـ “غُبُش”، دلف الأغبش من بوابة العربة وهو يبحلق في السائق مرة وفي المقعد الخلفي للعربة مرات وقد هالته الرزم المالية التي لا تحصى ولا تُعد، وكان صاحب العربة مشغولاً بمكالمة هاتفية مع آخر:
– ياخي أنا رسلت ليك أربعة مليارات وما عندي مانع أرسل ليك الخامس بس وريني الموقف عندكم هناك كيف؟
ثم أنهى المكالمة والتفت إلى ضيفه الـ “أغبش” معرفاً بنفسه:
– أخوك قريب الله!
– والله أنا ذاتي بيني وبين نفسي، قلت ياتكون قريب الله، يا تكون قريب البشير!!..
** في الانتخابات الأخيرة ضعيفة الاقبال باعتراف الجهات الرسمية (48%) قيل أن البشير قال مخاطباً الشعب السوداني الـ “فضل” قبل ظهور النتيجة:
– أنا عارف نفسي فايز فايز، لاكين إنتو الـ “فيكم” اتعرفت!!..
* eisay@hotmail.com