عبد الله الشيخ
عندما وصل أبْ زيد الهلالي دارفور، في نظر في واقِع الحال، وقرأ منه تالي الزّمان، فقال قولته التي سارت بها الرُّكبان:ــ “الظُّلم ثُعبان، رأسو في بُرام، وضَنبو في بورتسودان”..!
وممّا يرُوي عن سيرة بني هلال ، أن أبْ زيد ، جِدّ الهِلالية، أسرجَ ذات ليلةٍ، بإمرأة من ديار الهبّانية، ورحل عنها في الصّباح.
حبُلت المرأة، وولِدت غُلاماً في غيابه.
بعد سنوات، عاد الهلالي مع القافِلة فوق أثره القديم ، فرأى عيالاً يلعبون في طرف الحِلّة.
قال:ــ العِيال البِيلعبو ديل، أنا عندي مَعاهُم شافع..
قالوا له:ــ تفرُزو كيف، وإنت ما لجّيتو، ولا شمّيت رِيحتو..؟
قال: بعرفو مِنْ لَهَجو.
دنا أبْ زيد من العيال ،وقال:ــ يا عيال..مِنو فيِكم البِقول كَوْ..؟ منو البيعرِف اللّوْ في اللّوْ..؟
سكت الدّرافِين، إلّا وِحيداً بينهم، أجابه:ــ اللّوْ في اللّوْ، نَشّاب قَايلة، دَقشْ لَقوْ..
“أي أن شعلة النّار تُضْرِم القش اليّابِس”..
اقترب أبْ زيد من الدّرْفون وأعاد عليه العِبارة:ـــ وتَاني، اللّوْ في اللَّوْ..معناها شُنو..؟
أجاب الوِليد:ــ الهلالي أبْ زيد، عرّس ليهو مَرا، ومرَقْ الخلا ..
بعد ذلك سأل أبْ زيد :ــ يا جَنا، أبرد الباردات، ياهو شُنو..؟
أجاب الدّرْفون:ـــ أبرد البارداتْ، السّحاب، أكان قيَّلْ و بَاتْ.
قال الهِلالي :ـــ وأبيض البايضاتْ..؟
أجابه الوِليد :ــ أبيض البايضات، قمر سبعات..
سأله أبْ زيد :ــ وفرّاج الضِّيقات، معناهو شنو ..؟
قال:ــ فرّاج الضِّيقات، دِشيشة وقابلت جوعات..
“والمعنى،أن عيش الدّريش هو أطيب طعام للجوعان”..
التفت أبْ زيد على رواحِل القافِلة ، وقال: باركوا لي ،أنا لِقيت ولدي..
ثم أن الهِلالي أوصى رفيقه، على ولده.. قال في الوَصيّة: ولدي الهبّاني بعد ما يكبر، تقولوا ليهو، أبوك يوصيك ،ويقول ليك: (أكان نَزلتَ، أنزِلْ لُبّْ السّوق..ولمّا تقعُد في محلْ،أعمل ليك زريبة..ولمّا تسافِر أنزِل تِحت الجُّبال..ولمّا تساوِق، سَاوِق صباح..ولمّا تسلِّم، سَلِّم قاعِدْ)..!
قالوا الرّفيق، حفظ الوَصيّة، وقال أحسن يستفيد منّها ويشيل خيراتها..أها، الرّفيق شال السّوق مع السّعِيّة ، ونزل في قلبو..السَعيّة اتفرزعتْ ، وما عِرِف ليها جِيهة..قال يجرِّب الوصية التانية، إحتمال تلفِق معاهو..أها، ضرب خيمته في طرف الحِلّة وعمل زريبة كبيرة، فما عرِف منها فائِدة.. الرّفيق ساق حلاله، من ضأن وبَقر ، ونزل تحت الجُّبال، فاكتشف استحاله عيشه هُناك،، وعندما ساوق مُراحه صباحاً ، كانت الشمس، قد وقعت فوق جبينه كالصاعقة..أها، الرّفيق قال يجرِّب الوَصيّة الأخيرة، فجلس فوق العنقريب، يُسلَّمَ على الناس..النّاس شتموه وزلّوهو، وقالوا، شوفوا المُفتري دا ، تسلِّم علينا وهو قاعِد..!
أها، الولد بلَغ مبلغ الرِّجال، وربى الشّنَب ولِبس الشّال..
جاءه الرفيق بالوصية، وقال أنّه جرّبها، ولم يجد مِنها غير الشّقا..
أها، الولد ضِحِك، وفسّر الوصيّة كالتّالي: أبوي الهِلالي لمّا قال :”أنزِل لُبّْ السّوق”، يعني أنك حين تسكُن، فعليك أن تسكن بين أهلك.. ولمّا قال:”أنزِلْ تحت الجُّبال”، أي أن تسعى الجُّمال..
ولما قال:”سَاوِق صباح “،أي وإنت مارق في الصّباح، خلي الشّمِشْ في قَفاك ،عشان لمّا تجي راجِع تلقاها وراك..
وكلامو في الزريبة، معناتو تعمل زريبة ليك واحدة حمب البيت، فيها شوية معيز، عشان تحلِب وتشرب، وعشان تضبح وتضيِّفْ، وعشان تبيع منّهِن ساعة الضِّيق..
قال الرّفيق، والله كلامك زين، لكن كيف الزّول يسلِّم على النّاس وهو قاعد..؟
قال ودْ أبْ زيد :ــ أي والله..تسلِّم وإنت حاقص فوق الزّاملة..تسلِّم وإنت مالي إيدّك من اللِّجام..!
ـــــــــــــــــــ
ملحوظة:
دوّن الأبنودي سيرة الهلالية في صعيد مصر، أما عندنا ، هي لم تزل حكاوي شفاهية في الصُّدور..
تعرفوا ليه..؟
لأن القائمين على أمر الثقافة في السودان، “مُسَقِّفين”..!