خالد التجاني النور
في حوار كريستيان أمانبور مع الشيخ راشد الغنوشي عرضت شاشة ال”سي إن إن” لقطات له وهو يبدو في حالة بالغة التأثر تكاد الدموع تطفر من عينيه أمام المشاركين في المؤتمر العاشر لحركة النهضة، وعاجلته عند ظهور هذا المشهد العاطفي بسؤال “لماذا بدوت شديد التأثر وأنت تعلن الموقف التاريخي لأول مرة بفصل المسجد عن السياسة خلافاً لما حدث في إيران بعد الثورة، هل أنتم مدركون للطبيعة التاريخية لهذه الخطوة، وهل تخشون من رد الفعل”؟ تغافل الغنوشي عن ملاحظتها ومضى مجيباً “نحن على وعي بما نفعل، ونحن لا نتحدث عن فصال في عقل المسلم بين السياسة والدين، نحن نعتقد ان كل أعمال الإنسان يجب أن تكون أخلاقية وينبغي ان تكون منسجمة مع عقيدته ومع ضميره الديني بالنسبة للمتدنيين، ولكن نتحدث عن التخصص الذي اقتضاه التطور، فكل مجال يمارسه المختصون في ذلك المجال، ونحن عمليا نمارس السياسية وبالتالي يجب ألا تكون المساجد مثلاً مجالاً للتوظيف الحزبي، وإلا فسيكون لكل حزب مسجده نحن نرى ان تكون المساجد مجالا لوحدة المسلمين لا مجالاً للتفريق بينهم بحسب تعدد الأحزاب”.

وعندما سألته الجميع يريد أن يعرف لماذا اتخذتم هذه الخطوة، ولماذ قمتم بهذا التحرك أجاب “جاء وقتها، هذه مرحلة من مراحل التطور تهيأت لها الحركة، وتهيأت لها البلاد، وأصبح دستور البلاد نفسه، دستور الثورة، الذي أسهمنا إسهاماً كبيراً في وضعه، يقتضي هذا التخصص، أن كل مجال ينبغي ان يمارسه المختصون، وبالتالي فالشؤون الدينية يمارسها أهل الدين، والشؤون السياسية يمارسها السياسيون، وهكذا نحن في مجتمع متطور يقتضي هذا التخصص، حتى لا يقع اتهام السياسيين بأنهم يستغلون الدين، وحتى لا يصبح المجال السياسي مجال استغلال ولا الدين كذلك”.

الأسئلة التي طرحتها أمانبور تلخص بدقة ما يدور في أذهان الجميع عما وصفته حقاً ب”تحوّل تاريخي” في فكر وخطاب إحدى أهم جماعات “الإسلام السياسي” في عصرنا الحديث، وكان سؤالها في محله للشيخ الغنوشي “إن كان يدرك الطبيعة التاريخية لهذا التحول وتبعاته”، وكان الغنوشي أكثر وضوحاً في إجاباته إلى درجة لا تترك مجالاً لتأويل لطبيعة أو دوافع هذه الخطوة التي توصف رسمياً في دوائر حركة النهضة بأنها “فصل للسياسي عن الدعوي”.

ما من شك أن هذه الخطوة البالغة الجرأة لحركة النهضة بإقدامها على هذه الخطوة غير المألوفة بفصل الديني عن السياسي التي أثارت ردود فعل واسعة تصل إلى حد الدهشة، تسببت كذلك في حالة صدمة وارتباك في صفوف الحركات الإسلامية “التقليدية”، لا سيما المشرقية بما في ذلك السودان، ذلك أن طرائق تفكير وثقافة “الإسلاميين” السائدة لن تستطيع بسهولة استيعاب هذه النقلة الكبيرة في فكر الحركة الإسلامية المغاربية التي تتقدم بمسافة ضوئية في اجتهاداتها وتفاعلها مع واقعها الاجتماعي على نظيراتها.

وليس من السهل على “الإسلاميين” الذين تربوا على مدار عقود منذ نشأة جماعة الإخوان المسلمين في مصر، التي تناسلت منها حركات الإسلام السياسي، عقيدة مصمتة تقوم على فرضية حاسمة تقول ب “شمول الإسلام” وهيمنته على كل مجالات الحياة لا تعرف في ذلك سبيلاً للفصل لأي اعتبارات لما يمكن أن يوصف بأن هذا سياسي وذلك ديني، وفي الواقع تعتبر نفسها ما قامت إلا لتحقيق هذا المعنى القائم على استحالة التعاطي مطلقاً مع أية محاولة للفصل بين الدين والسياسة، ويزيد من التشدّد في التمسّك بهذا الموقف حربها الوجودية مع “العلمانية” صاحبة الدعوة للفصل بينهما، وترفض الكثير من هذه الحركات مصطلح “الإسلام السياسي” بحسبانه حيلة ماكرة من خصومها لدمغها بالانشغال في أجندتها بالسياسي تحت لافتة الدين، ومحاولة لتكريس هذه المفاصلة بين الدين والسياسة.

ربما لم يكن ليدور بخلد “الإسلاميين” الشديدي السلفية والتقليدية في التمسّك بتصوراتهم لرؤيتهم ل”الإسلام” أنهم يعيشون حتى يروا فيه هذا اليوم الذي تبادر فيها جماعة من صلب الحركة الإسلامية، طالما أعجبوا باجتهاداتها ورسوخ وجودها في بلد مستنير مثل تونس، أن تكون هي من “تطعن هذه التصورات التقليدية للإسلاميين من الظهر”، فقد سارعت عدد من الحركات المشرقية أو المنتمين إليها على انتقاد خطوة حركة النهضة التونسية مستبشعين إقدامها على هذه القفزة الخطرة فوق “المشروعية” لتصور مستقر في وعيها عن استحالة الفصل بين الدين والسياسة التي بنتها هذه الحركات على مدى عقود ودفعت في سبيلها الكثير من التضحيات. وفي السودان الذي تعتبر حركته الإسلامية أنها “ملهمة” الاتجاه الإسلامي في تونس يحاول “الإسلاميون” إيجاد مبررات لخطوة الغنوشي، على مضض ودون أن يعني ذلك قبولاً فعلياً لها، كما يتضح من التبريرات التي تُساق تارة بالقول إن هذه خطوة اقتضها ضرورة الحالة التونسية والمعنى هنا أن الغنوشي أقبل عليها “مضطراً لا بطلاً”، أو بمعنى آخر أنها نتاج ظرف استثنائي، أو بقول البعض أنه تسلك طريقاً سبقتها إليها الحركة الإسلامية السودانية في وقت غابر، والنتيجة الغالبة لهذا الموقف ل”إسلاميي” السودان، أو لنقل بالنسبة لبعضهم على الأقل، أنهم يرون هذا الموقف دافعه “التقية” أمام عتو وعلو كعب “العلمانية” في تونس، وضرورة خفض الجناح لحين مرور رياحها العاتية، وليس نتيجة تطور حقيقي في الفكر والاجتهاد للحركة التونسية في تفاعلها مع واقعها الاجتماعي ورضيت بتجاوز التعامل “التكتيكي” مع هذا الواقع إلى القبول بمعطياته طوعاً والانخراط في تحديات بتحول “استراتيجي” في التفكير يتجاوز تلك المسلمات التي نشأت عليها الحركات الإسلامية واعتبرتها خطوطاً حمرء لا يمكن تجاوزها.

ليس سراً أن الكثير من خصوم “الإسلام السياسي” لم يستقبلوا هذا الخطوة من حركة النهضة باعتبارها نتاج “تحول استراتيجي” في فكر هذه الحركة التي استقلت فعلياً بهذا التوجه الجديد من روابطها القديمة ب”الإسلامية الأممية”، ويممت وجهها وجهدها صوب تونس أولاً لتعلي من شأن “الوطنية التونسية”، وثمة جدال قديم أو بالأحرى اتهام ل”الإسلاميين” بشح الروح الوطنية فيهم في غمرة مفهوم الخلافة الجامع الممتد لما وراء الحدود الوطنية وهو ما تعبر عنه تلك الأنشودة “لا تسل عن موطني عن نسبي .. إنه الإسلام أمي وأبي”. ولذلك يرى منتقدو “الإسلام السياسي” أن خطوة الغنوشي هذه على ما أحدثته من زلزلة في أوساط “الحركيين الإسلاميين”، لا تعدو أن تكون خطة ثعلبية ماكرة يروم بها خداع الأرضية الصلبة للعلمانية في تونس ريثما تهيأ له الظروف للعودة كرة أخرى إلى سابق عهد نمط التفكير التقليدي ل”الحركات الإسلامية”.
وفي الواقع فإن حركة النهضة التونسية وقائدها الغنوشي يظلمون مرتين، ويدفعون ثمناً غالياً للتحرر الفكري والاجتهاد الحقيقي في أمهات أصول قضايا السياسة والسلطة في الإسلام، وليس الاكتفاء باجتهادات سطحية على تخوم وقشور تلك القضايا، يدفعون الثمن مرة جراء عدم تقبّل إخوتهم في الحركات الإسلامية الأخرى لهذا الإبحار العميق في متون الحالة الإسلامية المستعصية على الإصلاح على مدى قرون متتالية، حتى أصاب الجمود هذه الحركات نفسها التي ترفع رايات الإصلاح، ويدفعون الثمن لخصوم “الإسلام السياسي” الذين يشكّكون ليس في اجتهاداتهم وممارستهم المحققة لذلك فحسب، بل يذهبون إلى حد محاكمة نياتهم على الرغم من كل ما بذلوه لتأكيد كسرهم للجمود وخضوعهم لمنطق التطور.

ليس سهلاً أن تقدم حركة مستنيرة كحركة النهضة على هذا الاجتهاد العميق وهي تعلم سلفاً أنه سيثير الكثير من الجدل والشكوك حول دوافعها، وكما قال الغنوشي لأمانبور وهو يجيبها “نحن على وعي بما نفعل” يعني أن الإقدام على فصل السياسي من الدعوي لم يأت من فراغ، بل عن إدراك واع لتبعاته، وما كان ليقدم على ذلك لولا تفر الاستعداد لتحمل تداعيات هذا الموقف، ربما غير المسبوق في تاريخ الحركات الإسلامية، فظاهر هذا الاجتهاد يطابق إلى حد كبير ما يطالبه به “العلمانيون” بفصل الدين عن السياسة، صحيح أن الغنوشي أكد أنهم لا يتحدثون عن “فصال في عقل المسلم بين السياسة والدين”، ولكنه ربط ذلك بمسألة شديدة الأهمية وهي “أن كل أعمال الإنسان يجب أن تكون أخلاقية منسجمة مع عقيدته وضميره”، وهذا يؤكد أن الفصل المعني “وظيفي” ولكن حضور “الوازع والإلتزام الأخلاقي” ضروري للعمل السياسي من منطلق إسلامي ولكن ذلك لا يستتبع بالضرورة علاقة عضوية بين السياسي والدعوي.

والعلة في هذا واضحة تماماً إنهاء شبهة الاستغلال السياسي للدين وتوظيفه لتحقيق الطموحات السلطوية لأي جماعة أو أفراد، وهذه تهمة لا تزال ترفع في وجه “الإسلاميين” في كل مكان إصرارهم تحت شعار “شمول الإسلام” على تنزيه أنفسهم من “التطلع للسلطة” كأي جماعة سياسية لا تتشكل إلا لأنها تريد أن تصل إلى الحكم لتطبيق برامجها، ولكن كيف السبيل إلى ذلك حين يتم تحول “دين الجميع إلى دين الجماعة”، وحين ترفع شعارات لا يصدقها الواقع أن الأمر كله لله لا للسلطة ولا للجاه، لم تجد حركة النهضة للخروج من هذا المأزق بد من قطع الطريق بوضوح أمام “الاستغلال السياسي للدين” لتحقيق مكاسب حزبية بغض النظر عن نظرة أي حزب ل”سمو دوافعه”، وهذا ما لا يتحقق إلا بهذا الفصل بين السياسي والدعوي، وهو ما عبّر عنه الغنوشي بالتطور الذي يقتضي التخصص “الشؤون الدينية يمارسها أهل الدين”، “والشؤون السياسية يمارسها السياسيون”، والسبب للتفريق واضح جداً في قوله “حتى لا يقع اتهام السياسيين بأنهم يستغلون الدين” للوصول إلى مآربهم وتحقيق طموحاتهم، كما لا يصح استغلال المجال السياسي لأغراض الدين، فأنه لا يجب كذلك أن يستغل المجال الديني لأغراض السياسة”.

واللافت في أن الذين يستنكرون على حركة النهضة هذه القفزة الكبيرة في الفهم والاجتهاد، ينسون أن التجربة التركية في عهد حكم حزب العدالة والتنمية بزعامة رجب طيب أردوغان انخرطت فعلياً في سياسة فصل الدين عن السياسة ليس باجتهادات تنظيرية، بل لبثت خمسة عشر عاماً في الحكم تحت مرجعية علمانية بالكامل دون أن تجهد نفسها في إيجاد أية مبررات، بل تعلن بلا مواربة أنها تؤمن بالعلمانية وقف تفسير يعتبر الدولة على مسافة واحدة من جميع مكوناتها بغض النظر عن الدين، ومع ذلك تجد التجربة التركية احتراماً وتأييدا واسعاً وسط الإسلاميين دون أن يسائلها أحد بل ويعتبرونها للمفارقة إسلامية نوعاً ما وإن كانت تحت مرجعية علمانية.

وفي الواقع فإن البحث في هذه المسالة لن يكتمل حتى نتناول في مقالات قادمة إن شاء الله هذه التحولات الكبرى في مسيرة حركة النهضة في مقارنة مع نظيرتها السودانية التي تسنّى لها أن تحكم لعقود في بلد متنوع ومعقّد مثل السودان، ومع ذلك لم يُعرف لها اجتهادات مستنيرة تقي البلد شر التشرذم والقبلية والحروب الأهلية، حينها سنكتشف الفارق الكبير بين “الإسلام السياسي” والإسلام السلطوي”.
عن صحيفة إيلاف
khalidtigani@gmail.com