خالد فضل
الخيارات أمام السودانيين بدأت تضيق في الواقع منذ صبيحة 30يونيو1989م, لتكتمل حلقة الضيق والتضييق على مرّ السنين وكرّ الأيام وتعاقب الليالي . حتى وصلنا الآن الى مرحلة تحوّل جهاز الدولة برمته الى أداة طيّعة في أيدي فئة قليلة من الناس , وتحولت مؤسسات الحكم الى أدوات ووسائل خاصة بمنسوبيها , ليغيب تماما أفق الدولة والمؤسسة . ولعل في وقائع تعقُّب جهاز الأمن للأسر السودانية بملاحقات الإعتقال , وأوامر القبض , وحملات المداهمة والتفتيش للمنازل , وإختطاف الأشقاء , والتصفية الجسدية للناشطين , وحملات التشفي والإنتقام العنصري , كلّ هذه الممارسات والشواهد مما يؤكد فرضية إختفاء أثر الدولة وحلول النزعات الشخصية والمصالح الذاتية محلّها . فكيف تكون الدولة السودانية جاذبة أو في الحد الأدنى محايدة تجاه مواطنيها, ناهيك عن خدمتهم ورعايتهم والعمل على ترقية وتقدُّم أوجه حياتهم , هذه صارت من مطلوبات الحد الأدنى لأي حلول مستدامة تفتح المجال أمام الشعب لينهض من كبوته الراهنة .
ما الذي قدّمته خارطة الطريق التي مهرها السيد أمبيكي بتوقيعه كشاهد ممثل حكومة الأمر الواقع ؟ وما الذي تحفّظت عليه قوى المعارضة بشقيها المسلّحة والسلمية ؟ لقد أثارت الخطة رؤوس المواضيع لكنها تبنّت بصورة واضحة وجهة النظر الحكومية في كيفية الولوج للحل , إعتمدت الخطّة على الحوار الوطني المنقوص الذي جرت فعالياته بصورة مهرجانية في الخرطوم , دون أنْ تضع إعتبارا لأمر إيجابي في طرح القوى المعارضة وهو عدم رفضها للحوار الوطني كأساس معقول وسلمي لحلّ الكٌربة الوطنية الماحقة ولكنها أرادت أن يكون الحوار منتجا وذا قيمة فعلية لمصلحة الحل الشامل , فلماذا تجاهلت خارطة السيد أمبيكي هذه الجزئية المهمة وعمدت الى عملية إلصاق أو إلحاق للمعارضين دون تحقيق أدنى شروط الحوار المتكافئ , وهل إلحاق المعارضة بحوار جماعة شعيب يحل المعضلة السودانية ؟ إنّ تجارب الحوارات الوطنية المماثلة التي ينظمها المجتمع الدولي سواء للسوريين أو اليمنيين تمتاز بالحرص الشديد على شمول التفاوض لجميع الفرقاء فلماذا في الحوار السوداني يٌراد إتمام الحوار الوطني بهذه الإنتقائية , وعزل لبعض القوى السياسية السلمية منها والمسلحة , إنّ السيد عبدالواحد محمد النور مثلا يشتطّ في رفضه لمثل هذه التحركات , ولعل موقفه يشكل الموقف الصحيح خاصة لدى ضحايا الحرب والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والتي بلغت بشهادة المجتمع الدولي ذاته حدود جرائم الحرب والإبادة والتطهير العرقي , وصدرت بموجب ذلك مذكرات التوقيف الجنائية من أعلى محكمة جنائية موجودة في العالم الآن , ضد من يشتبه بأنّهم المسؤولون عن تلك الجرائم , فكيف يتم إلحاق حركة سياسية أو قوات مقاتلة في حوار يتحكّم فيه جهاز الأمن وقواته المسلحة المعروفة باسم الدعم السريع (الجنجويد سابقا) , ويرأسه شخص يعتبر في نظر الضحايا عدوهم الأول , وفي نظر المحكمة الجنائية الدولية المتهم الأول ؟
ثمّ لماذا تم تجاهل مطلب القوى المسلحة تحديدا بإعلان وقف للعدائيات قبل الدخول في التفاوض ليتم إجراء المفاوضات على أسس تؤدي للحلول فعلا , فكيف يُراد عقد التفاوض وبعض ممثلي الحركات المسلحة في الميدان والخنادق يصدون هجمات الصيف والشتاء والخريف ويعاقرون مع جندهم حياة الخنادق والمعسكرات , إنّ وقفا للعدائيات من شأنه أن يهدئ النفوس ويطمئن الفرقاء الى إمكانية الوصول للحل رغم وعورة الدرب . ثمّ لماذا تمّ القفز على مقترح عقد مؤتمر تحضيري إجرائي يتم فيه الإتفاق على أهداف الحوار ووسائل وآليات إنفاذ مقرراته وإدارته , هذه من أبجديات أي جمعية عمومية لأي شكل تنظيمي , جمعية تعاونية أو مجلس إدارة بنك أو فريق كرة قدم في أحد الأحياء , لماذا هذا التجاهل لأمر في غاية الأهمية وطرح خارطة طريق كأنّها وجبة عسكرية يجب إالتهامها كلها دون تمييز أو الموت جوعا , وقد كان للمرحوم الأستاذ غازي سليمان المحامي مقولة كهذه على أيام دفاعه عن نيفاشا وقبيل انقلابه ضدها . وهي لم تكن مقولة حكيمة على كل حال فكما كانت نيفاشا مرضية ومقنعة للكثيرين الا أنّ هذا لا يفترض إلقامها للآخرين عنوة , ورغم عظمة ما تحقق في تلك الإتفاقية لجهة فتح الباب أمام التغيير الشامل الا أنّ ذلك لم يعصمها من النقد والتصويب ووضوح الحاجة للتنقيح . فلماذا إصرار السيد أمبيكي على تدبيج تقرير لمجلس السلم الإفريقي ومجلس الأمن الدولي بنجاح مهمته مثلا أو تحميل المعارضة وزر الفشل ؟ لماذا لا يكون من ضمن خيارات لجنته رفيعة المستوى تلك الفشل في المهمة , ومن ثمّ البحث عن طريق جديد لحل المأساة الإنسانية السودانية التي عناوينها القتل والقنابل وحياة المعسكرات والنزوح واللجؤ والإضطهاد والتمييز الجهوي والعنصري , فهل تمّ معالجة الوضع في جنوب إفريقيا عن طريق الفهلوة وإجبار مانديلا على اللحاق بركب دي كليرك ؟ أمّ تمّت التسوية على أسس الشمول والشفافية والمصارحة ؟ لماذا لا يستلهم السيد أمبيكي تجربة بلاده في البحث عن الحل السوداني ؟ ولماذا يصرّ السيد دونالد بوث مبعوث الرئيس الأمريكي أوباما للسودان على قوى المعارضة للبحث عن أمبيكي أينما كان للتوقيع على ورقته التي يحملها في جيبه باسم خارطة التوقيع , هل استوحش السيد مبيكي توقيعه كشاهد على توقيع طرف واحد فيما يقتضي العٌرف شهادته على توقيعات طرفين على الأقل , لقد وقّع وزير الخارجية الأمريكي الأسبق كولن باول ويوري موسفيني وغيرهم على أوراق اتفاقية نيفاشا كشهود بعد توقيعات الراحل د. جون قرنق وعلي عثمان محمد طه كطرفين ملزمان بما وقعا عليه , فكيف يوقع امبيكي كشاهد على توقيع طرف واحد ؟ أليس في الأمر شبهات تواطؤ ؟ أمّا السيد بوث فيبدو أنّ صفقات وكالة الاستخبارات الأمريكية مع مخابرات السيد محمد عطا قد بلغت مراحل ممتازة من التعاون بحيث لا يٌراد حدوث تغيير سوداني شامل يكشف الأسرار ويضع مصالح الشعب السوداني في مقدمة الأولويات , مما يعطل المصالح القومية للأمن الأمريكي . لذلك صرّح السيد بوث بما صرّح بصورة أقرب للإستفزاز .
ليس هنالك عاقل يرفض الحلول السلمية متى كان ذلك ممكنا , فتكلفة الحرب والعنف أعلى من أي تقديرات , ولكن ومع طول عهد بالفئة الحاكمة ومنهجها وفقهها وممارساتها لم يعد خافيا على أحد أنّ هذه الفئة لا تريد الحلول , بل تتعمد صنع الأزمات وتحيك المؤامرات ضد كل ملمح إستقرار أو سلام لأنّ منهج ميكافيللي ووصاياه للأمير هي القاعدة الفقهية الأساسية التي ينطلق منها تيار الإسلاميين السودانيين , ففي عدم الاستقرار العام للشعب والوطن بيئة خصبة لتكاثر مصالحها وحماية سطوتها .